المقاربات المنهجية في جدلية أبكر آدم

(1) الجدل

بقلم: حذيفة الجلاد

في رواية إليكس هيلي(الجذور) امتهن أحد ابطال الرواية، من أحفاد "كونتا كنتي" خوض مباريات صراع الديكة. وفيها يُقسِرُ ديكان على التواجد والتصارع في حلبة دائرية يمكن أن نسميها "حقل كلية" يشكله الجمهور المتحلق حول حلبة الصراع. يبدأ الصراع ولن يُحلُ إلا باحتمالات محدودة:

ينهك الديكان دون أن يتغلب أحدهما على الآخر، أو أن يموت أحدهما على الحلبة مباشرة، أو أن ينتهي الصراع بهزيمة أحدهما ويعود المهزوم مثخناً بالجراح محمولاً على يديِّ صاحبهِ، وربما تتغير تكتيكاته كراً وفراً في الحلبة القادمة أن نجح صاحبه في علاجه، بحيث يصلح لصراعٍ قادمٍ، ونجا من الموت لاحقاً متأثراً بجراحه.

 في كل الاحتمالات لا يتوقع أن ينتج صراع الديكة تطوراً تاريخياً في حياتهم وحياة نوعهم، نتيجة لصراعهم بالذات، سيظل صراع الديكة هو...هو بذات الأدوات والسلوك بين الديكة، يمارس بعد وفاة حفيد كونتا بكثير، وبالنسبة للديكين المتصارعين بالتحديد، فلا تغيير في الطرفين سيحدث. إما أن يتعادلا ويظلا ديكين، أو يموت أحدهما أو يقمع مؤقتاً أو نهائياً، ويظل الثاني ديك في الحلبة . كيف وبأي مدخل سيكون التطور في حلبة الديكة أمراً محتماً ؟؟!!

تعريف الجدل(ص16) من كتابه (جدلية المركز والهامش) كتب د/ أبكر آدم:-

[ما هو الجدل؟؟؟.. هو قانون الصراع الذي ينشأ بين المتناقضات، نتيجةً لوجودها داخل حقل كلية يشترط تواجدها وتطورها داخله، حيث لا يمكن حل هذا التناقض إلا بتغيرٍ يحدث في الطرفين أو الأطراف، ﻹيجاد علاقات جديدة تستوفي شروط الوجود داخل حقل الكلية لتتكون وحدات جديدة تدخل تلقائياً في علاقة جدلية جديدة.. التطور وهكذا] انتهى..

وفي ص "80" من الكتاب وتحت عنوان جانبي قرر [( هيغل رائد الفلسفة الجدلية): }هو الذي اكتشف قانون الجدل، وقرر بشكل لا رجعة فيه أن التاريخ ليس حشداً عشوائياً من الأحداث كما كان سائداً في الفكر، إنما هو تسلسلاً متعاقباً للأحداث وفق قانون الجدل Dialectic.{[

وفي هامش صفحة (16) ذاتها وعن منهج الجدل ينقل اقتباس من شتراوس عن العقل التحليلي مبتوراً عن سياقه، حيث أن شتراوس يقرر في محاججته مع سارتر حول العقل الجدلي والعقل التحليلي، أن كليهما يعود حين يتفكران في طبيعة العلاقة بين العقل الجدلي والعقل التحليلي إلى ماركس، ولم تنكر الماركسية أن منهجها الجدلي هو المنهج الهيغلي، لكن مقوماً في أرض المادية.

عليه،، أن الجدل المعني بالتعريف في جدلية أبكر ليس جدل أرسطو الاستدلالي بمقابلته الأفكار دحضاً وإثباتاً بمنطق أرسطو، ولا منهج الجدل الأفلاطوني في صعوده الذهني من الخاص للعام وعودته من العام للخاص... ولا غيرهما من ارهاصات الجدل في أوروبا قبل هيغل، بل منطق وجدل هيغل، إلا أن الجدل عند هيغل أمر مختلف عن الذي قدمه لنا أبكر آدم، فعند هيغل يوجد الشيء فيوجد معه نقيضه، وجهه الآخر، سلبه الذي هو إيجابه، نفيه، الوجود – العدم – الصيرورة، الشيء وحدة مع ضده، تتصارع (الحركة) لحل التناقض. والحل يتكشف عن شيءٍ جديدٍ، يشكل نفي النفي. وتبدأ حركة جدل من جديد مع الجديد الذي يولد وداخله بذرة نهايته ..تناقضه ..

واحدة من مقولاته، وهي واحدة من قوانين الجدل الهيغلي الماركسي، قانون وحدة وصراع الأضداد. الذي يورده مشوهاً أبكر آدم إسماعيل أعلاه - وسنتجاهل مؤقتاً أنه ليس تعريف للجدل الذي هو منطق ومنهج هيجل، بل مجرد تشويه لقانون وحدة وصراع الأضداد:-

اللبس في استخدام كلمة تناقض هو أول الملاحِظْ في تعريف د أبكر مقارنة بمفهومه عند هيغل. دكتور أبكر آدم وفي تعريفه يستخدم التناقض/المتناقضات بمعنى تباين وأختلاف متفارقين متباينين منفصلين، بإمارة اشتراط الأطراف في التعريف "طرفين على الأقل"، الاختلاف هنا لا يتعلق بأختلاف سلب كتناقض وجود وعدم، الاختلاف هنا فصل تام فلم نعد نتحدث عن الشيء ونبحث تناقضه الكامن كما عند هيغل، حيث النقيض هو الوجه الآخر لنفس الجوهر، لذات الموضوع والتناقض سر ودافع الحركة(التطور) لا تتطلب الحركة/التغير/التطور قوة من خارجه بتوسطه الشيء ونقيضه.

  • في ويكيبيديا وعن جدل هيغل المثالي:

))يتألف الجدل عند هيجل{ من حركة ضرورية ثلاثية، تنتقل من "الدعوى" إلى "نقيضها" إلى "التأليف" بين الطرفين، وشرح هذا "الثالوث" (كما أطلق عليه هيجل) هو:"إننا في البداية نتناول فكرة ناقصة، فتؤدي متناقضاتها إلى أن يحل محلها نقيضها، غير أن هذا النقيض تظهر فيه العيوب نفسها، فلا يبقى طريق للخلاص، سوى أن ندمج بين محاسن التصورين في تصور ثالث، ومع أن هذا العلاج من شأنه أن يحل المشكلات السابقة، ويتقدم بنا خطوة نحو "الحقيقة" إلا أنه بدوره يتكشف عن متناقضات، فينشأ من جديد موضوع ونقيضه، ثم يرتفع هذا التناقض بينهما في تآلف جديد، وهكذا دواليك، حتى نصل إلى مقولة((الفكرة المطلق))".

وواضح أنه منهج يكتشف صحته من داخله ليكون شامل صالح لضروراته كمنطق ومنهج يصلح لسبر وجود وحركة الوجود والفكر دون أي استعانة لازمة بشروط وعناصر من خارجه..

هل تجنينا على الجدل عند أبكر؟ الواقع أنه يثبت عدم تجنينا، ويبرز اختلافه عن جدل هيغل المدعى بنفسه.. بايراده لاطرافه المختلفة المتباينة تماماً، دون اجلاء كيفية إتحادها ويلغز عليه استخدام قانونه دون أن يستدعى شروط وعناصر أطراف خارجية لكي يكون صراع، فيستجلب وسائط أخرى لا يمكن للجدل(كقانون)أن يأخذ حيِّز دون أن تتوفر أولاً كشروط .

1- شرط وجود متباينين(طرفين على الأقل فأكثر) لكي يمكن للاختلاف أن يكون، لكن الاختلاف وحده لا يستلزم حدوث الصراع.

2- وكي يكون الصراع(والجدل هو قانون صراع وفق التعريف) يجب أن تتواجد الأطراف معاً. وفرض التواجد أمر لا بد أن يأتي من خارجهاـ أي الأطراف ـ لتوفير الإطار والقوة اللازمة لفرض التواجد في بوتقة الصراع .

3- أحتاج أبكر آدم وأدرج في تعريفه هذا الخارج القاسر(حقل الكلية)، وبذلك وعملياً لم تعد الأطراف "ثنائية على الاقل" كما ورد بالتعريف، بل ثلاثية على الاقل (طرفان على الأقل) وحقل الكلية.

فلا شيءٍ فيما أورد أبكر آدم يجعلنا نعتقد أن حقل الكلية هذا في أساس وجود الطرفين، ويتأت عن التناقض ذاته كحل له كما هو حال الدولة عند هيغل، والواقع أنه وفي الكتاب وضع حقل الكلية كشرط ثاني للمنهج (صفحة 101) وعرفه بأنه عامل الوحدة، والوحدة عنده ليست وحدة تجد عامل توحدها في طبيعتها بالذات كما في ذرتي الكلور والصوديوم- الوحدة هنا يمكن أن يمثلها قط وكلب، ولن نقول فأر، أدخلا معاً في صندوق زجاجي صلب محدود الأبعاد، ولو أن مفهوم وحدة الأضداد كان ماثلاً لما كان لحقل الكلية أن يُشترط في قلب التعريف/القانون، كما نعته  .

4 - هل استكملت الشروط اللازمة للجدل لكي يستطيع أن يعمل(كقانون يستبطن شكل الوجود العيني أو الفكر) .. أو أن يستخدم (كمنهج) .. لا ليس بعد، فالتعريف ينص على حدوث التطور في نهاية العملية الجدلية الأبكرية كنتيجة يحتمها "القانون"، ولكن كيف ينتج هذا التطور وبأي "ميكانيزم"مع كثرة استخدام مفردة ميكانيزم في كتابه، إلا أنه لم يخبرنا عن ميكانيزم التطور في قانونه، ولا نستطيع تبين ذلك في نص التعريف ذاته؟؟ ... فالصراع مجرد الصراع بين طرفين أو أكثر لا ينتج وبالضرورة تطوراً..

الحديث عن التغير الكمي والتغير النوعي، والحذف والإضافة الذي يورده أبكر آدم في ص(19)لا يقدم العون هنا .. فمقولة الكم والكيف يفترض أن تدرك كحال المقولات الجدلية المتسلسلة جميعها من الجدل ذاته لا أن تأتي ملحق لتكملته، وإلا فلن يصلح ليكون أساس منهج فلسفي يثبت برهانه من داخله في التطبيق على موضوعاته.

على خطل الفهم لمقولة "الكم والكيف الجدلية" التي أبرزها أبكر في كتابه، حيث أبرز التغير الكمي كسلسلة من التغيرات النوعية، ولم يثبت حدوث التغير النوعي إلا لأخر السلسلة، وجعل التغير خطياً، نافياً حدوث الطفرة من "الكم إلى الكيف" فلم يجعل لها في عرضه مكان.."ومع ذلك ينشد الثورة ".. ويبدو أنه لم يراجع عرض الماركسية لقانون "تغير الكم إلى كيف" و"وحدة وصراع الأضداد" و"قانون نفي النفي" وهذا العرض الماركسي هو ذاته عند هيغل ومأخوذ عن المنطق الهيغلي.

نعود لمأزق تعريفه، يجب أن يكون ناتج العملية الجدلية تطوراً، ولا بد لهذا التطور من قوة محركة ومتجهة تدفع به لأن يكون، هذه القوة لا نستطيع أن نتبينها من داخل التعريف بعد. استجلبها- دون وضعها في أول فصول الكتاب الموسوم بـ(مقاربات منهجية)– ووضعها ص (116) باسم الشرط الثالث لمنهجه(جدلية المركز والهامش) المرتكز بدوره على تعريفه للجدل فيقول:((من خلال تعريفنا للمنهج ومناقشتنا السابقة تعرفنا على شرطين من شروط المنهج هما: الاختلاف وحقل الكلية. أما الشرط الثالث هو النسق أو النظام: حيث أن المنهج في تعريفه ذاك يفترض أن هناك نسقاً معيناً ينتظم الصراع خلال مسار تاريخ الوضعية التاريخية المعينة))لم يكن التعريف يفترض أن هناك نسقاً ..والنسق سيستعيره من بنائية ليفي شتراوس مطبقة على الانثروبولوجيا الباحثة في مجتمع الطوطمية(هذا النسق وقوامه عند شتراوس واختلافه عنه عند أبكر، ومعه مفاهيم أبكر عن الثقافة والسلطة والعدل ومفاهيم التمركز والتهميش..الخ ـ أمر سنعود إليه والآن فقط مع فهمه وتعريفه للجدل).

مع وجود النسق، تعسفاً، وفقاً لرغبات الباحث يظل قليل الفعالية مع نص التعريف ومأزقه و لا زال (يجب أن يتم حل التناقض بتغير يحدث في الطرفين أو الأطراف) لم يضف عبارة (أو في أحدها) ولا يوجد أي سبب لتجاهل هذه الامكانية(أمكانية حدوث التغير في طرف واحد وحسب) آدم ليس هناك ما يخبرنا بكيفية حدوث التطور أن تغير طرف واحد، ولا كيف استطاع أن يفرض تغير يحدث في الطرفين معاً ويكون تطوراً.. وأخيراً كيف أثبت أن نتيجة هذا الصراع "تطورا" وليست تراجعاً أو ثباتاً ومن ثم هو أمر مهم، كيف يفرض وجود صراع من جديد عقب حل الخلاف بين الطرفين؟؟؟ أو كيف يفرض استمرارية التطور واستمرارية الجدل الذي هو قانون ؟؟

على الجدل وبعد أن يأتي للمسرح متأخراً أن يتوقف من جديد، ريثما يُعد له المسرح من جديد بجملة الشروط الأبكرية .. حقل كلية القديم مجددا أو جديد(الطرف المضاف للطرفين).. وأطراف جديدة غير الطرفين اللذين حل بينهما الاختلاف الأول.

في تصوره لنهاية التاريخ أنتبه فوكاياما لضرورة وجود قوة محركة دافعة يقتضيها التطور.. وبعد أن زج لهيغل ولماركس مدحاً خاصاً لرؤيتهما حول حركة التاريخ الصاعدة وغايته، استعان بهيغل آخذاً طرحه لفكرة"السعي لنيل الاعتراف" لتكون القوة اللازمة للدفع بالتطور الذي رأى ـ أي فوكاياماـ أن منتهاه سؤدد الرأسمالية وحكم الليبرالية .

فما هي القوة الدافعة التي تؤدي بالصراع في حلبة أبكر آدم إلى أن يفضي للتطور المذكور في نص تعريفه.. وليس إلى مجرد تغير في الطرفين أو منطقة وسطى بينهما أو أضمحلال أحدهما وبقاء الآخر دون أي تطور نوعي كيفي. وبأي منهج أعد أبكر آدم إسماعيل المسرح لجلالة جدله الذي سيقدم متأخراً ريثما تتوافر شروطه؟؟؟ وهو ليس المنهج الجدلي بالتأكيد، ماديا كان أو مثالياً.

الواقع أن افتقاد المنهج في محاولة إعداد المسرح - الثقافي- أوقعه في ما أوقعه من تنظيرات بافتراضات تطلق هنا وهناك دون سند أو توليد، وتفتقر للمنطق مثل افتراضه أن شرط الثقافة أن يقوم الإنسان الأول والثاني والثالث ـ ويراجع التعريف بهما في الصفحات:12 و13 و 14من الكتاب ـ وأبناؤهم بإستعمال ذات الادوات والتصرف بذات الطريقة إزاء عملية الصيد، فقط لكي يعرف الثقافة تعريفا يسبغ عليها الثبات، مع أن أي متأمل سيرى أنهم لن يستخدمون ذات الأدوات ولن يتصرفون ذات التصرف إزاء عملية الصيد، ومثل افتراضه شمول الثقافة لكل العوامل (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)بحيث يصلح تحليلها فقط في التعريف بهذه العوامل، لكن سيستمر حتى يؤسس للمركز والهامش(الأطراف)..ويوجد(الاختلاف) تقصياً .. ويوفر " حقل الكلية " ثم يأتي المنهج /القانون. و يرى أن منهجه هو الملائم لدراسة وفهم مجتمعات ما قبل البرجوازية- فهل سينتج عن جدليته مجتمع برجوازي مثلاً؟؟ - وطبعا لن يرينا تطبيقاً عمليا نظرياً على أي بقعة متقدمة، الآن في العالم قادها صراع سابق غير طبقي(الثقافي بميكانيزمات جدلية المركز والهامش) إلى مجتمع برجوازي .. وبدلاً من تطبيق منهجه على الأرض والواقع التاريخي يفارق المنهج كما ورد في تعريف أبكر آدم (وأعتقد أنه أكتشف عدم قدرة منهجه على الإتيان بأي تحليل للواقع السوداني المدروس)ويسعى إلى المنهج المادي الجدلي عند محمد سعيد القدال - الماركسي المادي الجدلي- المستند على الإمساك بالتناقض الرئيسي بين العوامل المستقلة والمترابطة في ذات الوقت، والمؤسس على أهمية الصراع الطبقي، والذي ومن المؤكد لا ينظر للثقافة كمفهوم شامل للـ(الاقتصادي والاجتماعي والسياسي) كما يرى أبكر الذي يسعى إليه ليأخذ منه أمثلته الجدلية مطبقة على تاريخنا، ويفرض علينا تقبل تحليلات القدال مع معالجات شكلية منها تغيير مدلولات الكلمات طبقة مرحلة، الى شريحة، و فترة على التوالي، ومدلول برجوازية يغير بحيث تقرأ جماعة ذات مصالح اقتصادية مشتركة لا ينطبق عليها المدلول الاصطلاحي الماركسي ! ص 121 و 122 من الكتاب!.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+