حكاية صابر عبدالصمد مع مصائب وسط البلد

 

قرشي عوض

ابر عبد الصمد موظف عمومي في الستين من العمر . وحتى لا نسبب له متاعب مع مرؤسيه، مع علمنا التام انهم لن يعدموا سبباً يصرفونه به اذا ارادوا ذلك، فلن نذكر اسم المؤسسة التي يعمل بها «وخليها تجي من غيرنا». وعلى العموم هو ظل يترقبها طوال الـ 16 عاماً المنصرمة من عمر خدمته. ولا اظنه يلومنا ان نحن فعلنا ذلك.. فالرجل رغم انه لا يعجبه «الحال المائل » ويتناقش مع الزملاء في الكافتيريا عن انهيار النظام الديواني في الدولة ويضرب الامثال من واقع المؤسسة نفسها، لكنه ظل محتفظاً بوظيفته طوال السنوات الماضية.

صابر لا ينتظم في احد الاحزاب السياسية لكن يعرف عنه رفضه للاوضاع القائمة بالبلاد وكان من الممكن ان نعتبر ذلك سبباً في عدم انهاء خدمته لولا ان عددا من زملائه الذين احيلوا للصالح العام قد نسبوا للمعارضة وهم ليسوا منها في شيء فهو يعرفهم كما يعرف نفسه تماماً. فهم اضافة الى زمالة العمل ايضاً يشكلون شلة انسه وبعضهم درس معه في حنتوب الثانوية، وكان صابر قد كاد يركن الى ان عناية الله هي التي جعلت اسمه يسقط عن الكشوفات اياها. لولا ان احد «المسلطين» اياهم قد فسر له الامر على نحو ادهشه وقال له ان احتفاظ الحكومة ببعض الذين لا يوالونها يأتي لكفاءتهم المهنية المطلوبة لتسيير دولاب الدولة طالما انهم غير منظمين سياسياً، او يخافون من فكرة «قطع العيش» وبالتالي لا يمكن ان ينغمسوا في اي نشاط ضدها، ويكتفوا بدلاً عنه بشتمها ولعن «سنسفيل» اجدادها، فحمد صابر الله وسوءة الخوف بداخله فلولا هذه الصفة المرذولة لما استطاع تربية بناته. وهو معروف بين عشيرته بخوفه الزائد على بناته وكان كل ما المت به وعكة «بسيطة» يبكي ويردد بينه وبين نفسه لكن بصوت مسموع لمن حوله «يا حليلكن يا بنوتي».

هنالك سبب آخر لابتعاد صابر عن النشاط السياسي تعرفه «شلة الانس» ويتندرون به في حضرته لكن في حدود لا تجرح كبرياءه وهو خوفه المتأصل من زوجته السيدة درية «بنت الناظر» فهي امرأة وبالاضافة الى نوع التربية الذي تلقته في منزل والدها «جناب الناظر» كانت قد نزلت المعاش بدرجة وظيفية متقدمة في وزارة سيادية، الشيء الذي اكسبها قدرا غير محتمل من الدقة والانضباط نتيجة مراقبتها للحسابات لعشرات السنين التي قضتها في الخدمة، فهي لا تقبل الهفوات غير المبررة ولا الصرف على الاشياء التي لا داعي لها، وقد بذل معها جهداً مقدراً حتى جعلها تستبدل كلمة «بنود» بكلمة اشياء او احتياجات وهو انجاز رغم انه شكلي لكن صابر اعتبره فتحاً مبيناً في حياة الاسرة، الا انه عاد وايقن ان درية يمكن ان تغير مفرداتها لكنها على استعداد ان تكسب اية لغة تتعلمها من باب المجاملة طبيعة قاموسها الاداري، ففكر جاداً ان يقلع عن تعاطي الخمور والمكيفات فيما بعد منذ سنوات بعد ان ارهقته المذكرات «التوضيحية» للسيد المدير المالي والذي هو الست «درية» ولم يحتفظ من عادات الصبا الباكر بغير شرب القهوة والشاي وهي مكاسب ابقت عليها الادارة لان عمل الحسابات يجعل من شرب القهوة والشاي متلازمات لا غنى عنها للموظفين مثلها مثل «الدباسة» والآلة الحاسبة هذا بالاضافة الى مكانة القهوة في حياة ربات البيوت اللائي اصبحت الست درية واحدة منهن بعد نزولها للمعاش. اذاً هنالك نوع من التواطؤ قد حدث فيما يتعلق باحتفاظ صابر بعادة شرب القهوة والشاي. وتتعامل الست درية مع انشطة زوجها بنفس العقلية الحساباتية وتصنف قائمة من الانشطة في عداد الممارسات التي لا داعي لها. فهي يمكن ان تتسامح في الجلوس امام المنزل عصراً والذهاب للنادي حتى الساعة التاسعة حتى يتسنى لها مشاهدة المسلسل وتصريف بعض الشؤون البيتية او تلك المتعلقة «با لختة» بعيداً عن طلبات الزوج التي على قلتها لكنها مزعجة بالنسبة لامرأة ادارية اعتادت التركيز الذهني فيما تقوم به من عمل لكن الاشياء التي لا يمكن ان تسمح بها درية هي تلك التي تعرض استقرار الاسرة الى هزات مؤسفة ومن ضمنها النشاط السياسي. لهذه الاسباب يبتعد صابر عن السياسة. لذلك اقبل على الاستفادة من كل الانشطة غير الخاضعة لقلم الرقيب او تلك التي لا يمكن ان تتدخل فيها فاقبل على الصلوات يؤديها في المنزل او في المسجد، وهو يفضل المساجد البعيدة عن المنزل حتى يبقى طليقاً اكبر فترة ممكنة ولسبب آخر هو انه يعود للمنزل بعد انتهاء الدوام مباشرة ليستلقي وقت الظهيرة ويستمتع بقراءة الاخبار والمواد الخفيفة في الصحيفة التي توزعها عليهم المؤسسة لسبب مجهول ثم يغفو لمدة قصيرة يصحو منها على «نقرة» خفيفة من اصابع طفلته معلنة وقت تناول وجبة الغداء، هذا الروتين ما كان من الممكن ان يتغير الا اذا ذهب الزملاء الى عزاء او عزومة فرح واضطروا لتناول الغداء هناك. كان في ذلك الزمن كل شيء مرتبا والعمل غير متراكم لكن بعد تغير الاصطاف وقدوم موظفين يمتلكون مهارات في اشياء عديدة ليس من ضمنها اي نوع متعلق بطبيعة العمل. وحينما يزوره احد الزملاء المفصولين يرفع نظارته من وسط الدفاتر ويصيح بصوت حزين «يا حليلكم يا عبد القيوم» نحن سجلوا لينا اولاد باولياء امورهم».

ومن الاسباب التي جعلت صابر يعود في المساء الى منزله زحمة المرور داخل «الخرطوم» والتي يشكو منها كلما قابل صديقه قائلاً: «يا عبد القيوم اربع ساعات ما تمرق العربية من السوق العربي»، كما ان ازدحام المارة قد تسبب في مشكلة اخرى لصابر فقد تعرض لمشاجرات عديدة لان احداً اصطدم به او احدهم اصطدم بالآخر ولم يجد لها تفسيراً الا بعد ان تكررت مسألة اختفاء هاتفه الجوال مما عرّض ميزانية الاسرة الى ذلك النوع من الهزات التي لا تحبذها الست درية وجعله يتعرض الى تلك الانتقادات والملاحظات التي يعرفها منذ عشرات السنين. ولولا ان الست درية هي نفسها لن توافق ان يكون زوجها بلا موبايل لتسهيل مهمة مراقبته الكترونياً لصرف النظر نهائياً عن الموضوع حتى يستريح ويريح. لكن السياسات العليا تقتضي ان يكون لديه موبايل وعليه ان يتعلم كيف يحافظ عليه. ولم تنته متاعب صابر مع الوضع الجديد الذي لم يألفه اذ حدثت له مشكلة تضافرت فيها عدة عوامل فالمحددات المختلفة لحياته الاجتماعية جعلته يقبل على الصلاة حتى اضحت سلوته الوحيدة.. ووجد فيها سكينته والفضل في ذلك يعود الى الست درية حين داهمته في نهارية وهو يحل الكلمات المتقاطعة فقالت له بجدية اتقنتها خلال عملها القيادي في وظيفة مهمة، ان ذلك لا يليق بعمره ولا مكانته الاجتماعية. ومن الاشياء التي تعلم ان يحرص عليها الاحتفاظ بطهارته فيصلي الوقت بوضوء الوقت السابق ويجد في ذلك نوعاً من الرضاء والاحساس بالانجاز. وقد تحولت هذه الممارسة الى عادة متأصلة وتكسبه بهذا القدر او ذاك نوعاً من التماسك النفسي والحالة المزاجية المعتدلة لدرجة انه لم يعد يتصور نفسه غير طاهر ومتوضيء. لكن تحولات خارجة عن ارادته اخذت تسلبه شيئاً فشيئاً متعته النفسية تلك فان هو تحكم بخبرته التاريخية تلك فيما يخرج من «السبيلين» فقد اصبح من المستحيل عليه ان يحتفظ بطهارة ملابسه وهو يعبر شوارع وسط الخرطوم في الذهاب الى مكان عمله، او في طريق العودة للمنزل. والسبب في ذلك يعود الى امتلاء الشوارع بمياه الصرف الصحي ، اول مرة واجه فيها هذا الوضع ادخل يديه في جيوبه ورفع «البنطلون الى اعلى، ورغم انه سار مسافة طويلة على هذه الحالة الا ان الامر لم يصل مرحلة الانزعاج بعد.

لكن المسافة اخذت في التمدد فلجأ الى «كف» البنطلون الى هنا والامر لم يكن يستحق الانتباه، لكن المسألة لها جوانب اخرى فمثلاً العربات المسرعة في الطريق اخذت تنثر المياه النجسة على ملابسه وبالنسبة لانسان مثله يجد سلوته في استدامة الطهارة واداء الصلاة في مواعيدها فان الامر لم يعد محتمل، اذ لا يمكن تجاهل حقيقة انه لا يمكن ان يؤدي الصلوات بهذه الملابس. في اليوم الأول ادى صلاة الظهر والعصر بعد عودته للمنزل وهو يقول لنفسه ان هذا الحال لن يتكرر، لانه في الغد سوف يسير بطريق آخر.. لكنه وجد الطريق الذي اختاره ايضاً يطفح بمياه المجاري والسايفونات وهكذا اخذ يغير ويبدل في الطرقات حتى توصل الى حقيقة مفادها ان كل الطرقات المؤدية الى وسط البلد تعاني نفس المشكلة فاخذ يتذمر كعادته بصوت مسموع في الكافتريا والمنزل وبعد صلاة العشاء في المسجد القريب. لانه بعد ان اخذ يعود منهكاً من العمل لم تعد له مقدرة للذهاب الى ذاك البعيد. وفي يوم من الايام سمع من جارهم والذي كان يعمل مهندساً مدنياً، شرحاً لمشكلة الصرف الصحي في الخرطوم.. اعاد الى ذهنه جدل «الارايتين» حينما كان طالباً في المرحلة الثانوية والتسمية تعود الى جماعة الـ «سفسطائية» يتجادلون في اشياء غير منظورة الحدوث في حياة البشر الطبيعية. ويستنبطون الاحكام الفقهية لها على شاكلة ما حكم من قطع ذيل بغلة القاضي وهل يبطل وضوء من دخل بفم الفيل وخرج بدبره واستوقفه ذلك الاجتهاد المتعلق بجواز الصلاة في منزل من الخراء» وتساءل بينه وبين نفسه هل تجوز الصلاة في مدينة على نفس الشاكلة؟ لانه من الشرح الذي قدمه المهندس المدني عن حالة الصرف الصحي بالخرطوم تخيل المدينة اصلاً قد شيدت على «بركة» من الرواسب والمياه القذرة حيث قال مهندس «الجن» ذاك ان البنيات التحتية للمدينة اصلاً شيدت لتقديم الخدمات لعدد 150 ألف نسمة بينما الخرطوم يقطنها الآن «6» ملايين. وصحيح ان غالبيتهم تسكن في اطرافها، لكن معظمهم يقضون ساعات النهار في داخلها ولا يتوجهون الى قراهم واحيائهم الطرفية الا بعد ان يكونوا قد افرغوا ما بداخلهم في دورات المياه المتعددة وبداخلها فتنفجر المسكينة باكية.. الا رحم الله علي المك كاتب مدينة من تراب لو عاش بيننا اليوم لكتب عن مدينة من.... استغفر الله العظيم.

اذاً ليس من المنتظر ان تجد هذه المشكلة طريقها للحل.. ولكنها قابلة للانفجار للدرجة التي يتخيل معها صابر ان المدينة في بعض اماكن السوق العربي يمكن ان تهبط شوارعها بالمارة في تلك البركة التي تمتليء بالفضلات من عهد عاد.. وحين صححه صديقه بان طريقة الصرف الصحي ليست كذلك.

اجابه : «لكن البخليها تنفجر باستمرار شنو؟ » فاجابه المهندس: «الخلق كثيرة يا صابر يا خوي».. واذا كانت هنالك مشاكل لا مخلص منها غير الموت فان مشكلة صابر مع وسط البلد لن يخلصه منها سوى «المعاش» الاختياري والبقاء في المنزل واحتمال ملاحظات حاجة درية اطول فترة ممكنة لكن بينه وبين هذا الخيار الذي هو بمثابة آخر العلاج الكي الآن قرابة الـ 3 أعوام، وعليه الآن ان يعالج الامر بطريقة ما ، ومن خبرته الادارية يعلم ان الاداري الناجح هو الذي يتخذ قراره من بين عدة خيارات مدروسة فاخذ يقوم بمرحلة العملية.. اول الخيارات التي راح يعالجها هو ان يحمل معه غيارا يرتديه بعد ان يصل الى المؤسسة. وهذا الخيار على ما فيه من غرابة ربما يلفت اليه الانظار، لكنه «مكلف» وهو كل ما يملك من ملابس عبارة عن اربعة «بناطلين» هذا اضافة الى انه سوف يزيد من اعباء الست درية ومن ثمة زيادة «النقة» في المساء وهي امور ظل يعمل على تحاشيها ما امكن طوال حياتهما الاسرية فلجأ صابر الى الخيار الثاني وهو رغم لا معقوليته لكن على كل حال يشكل خيارا يستحق الدراسة، وهو ان يقوم بغسل ملابسه بعد ان يصل المؤسسة وينتظر بملابسه الداخلية حتى تجف ويرتديها للمرة الثانية، وفي هذه الحالة فان الانظار التي يمكن ان تلتفت الى سلوكه الذي اخذ يتغير بشكل ملحوظ منذ ان وقع تحت تأثير هذا الوسواس القهري سوف تترك المهمة للهمس والذي ربما تحول الى حديث بصوت مسموع يفاجئ الزملاء يتبادلونه اثناء تناول الافطار عن حالته العقلية وحتى اذا لم يشغل نفسه بحديث الناس فان الادارة لن تتسامح في ذلك حتى اذا لم تشك في حالته العقلية، وصابر يعرف ان المدير يمكن ان يتساهل مع عملية اعداد الفطور وما يتبعه من تجهيز للسلطة بالطماطم والبصل الاخضر وكذلك اعداد الشاي والقهوة وربما يغض الطرف عن النشاط التسويقي لبعض الموظفات والذي قد يصل الى حد تبادل بضائع لا يجوز ان يطلع عليها الزملاء. لكن حكاية غسيل الملابس في مكان العمل والانتظار بالملابس الداخلية حتى تجف فهذه «جديدة» لم يقبلها حتى خيال صابر وهو على تلك الحالة من الضيق، فتوكل على الله ولجأ للخيار الثالث والاخير، وهو ان يصلى كل الصلوات بعد عودته مساءً الى المنزل. لكن تلزمه فتوى شرعية لاداء هذا الجمع الغريب وحتى لا يذيع امره رأى ان يبدأ بالاقربين. فسأل زوجته ذات مساء: «انت يا درية هل تجوز الصلاة في مدينة من الخراء»؟ شهقت درية وخبطت صدرها بيديها وقالت له: «سجمي انت يا راجل رجعت لي سجمك ورمادك تاني ولا شنو»؟ وكانت النتيجة ان قضى الليل باكمله يقنعها بانه ليس مخموراً. ولم تدعه ينام الا بعد ان اخضعته لاختبار عملي ورغم ان صابر قد تعجب من هذه الابعاد الجنائية التي اغنت بها الست درية ثقافتها التحكمية لكنه تحت اصرارها لم يملك الا ان يفتح فمه و«يكح» داخل قرطاس الورق الذي اعدته له. لكنه حين اخلد للنوم عاد هاجس الفتوى الشرعية يؤرقه فتوكل على الله وسأل صديقه المخلص بعد ان ادوا صلاة العشاء وبعد ان مهد له بشرح القضية حتي اقنعه بانها فعلاً مشكلة كبيرة جداً. فقال:«اها دحين يا عبد القيوم ياخوي بعد الكلام السمعتو دا فانا اسألك ان تجيبني هل تجوز الصلاة في مدينة من الخراء»؟

فالتفت اليه عبد القيوم قائلاً:« والله يا صابر ياخوي.. اسأل مولانا»..

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+