مُوغَابِي: أَنَا الدَّوْلَة!(1\2)

 

L’état, c’est moi

بقلم/ كمال الجزولي

(1)

أخيراً .. وبعد كثير مطل ومطاولة، وإرجاء ومساومة، مع الجَّنرالات، تارةً، مستغلاً حرصهم على ألا يبدو تحرُّكهم "انقلاباً"، ومع "رفاقه" في حزب "زانو"، تارةً أخرى، متجاهلاً قرارهم بإقالته من رئاستهم، ومع قادة الدُّول المجاورة، تارةً ثالثة، مستثمراً خشيتهم من أن يروا إقليمهم يغرق في الفوضى، ومع الجَّماهير، تارةً رابعة، وقد رابضت في الشَّوارع، ليل نهار، تطالبه، على بكرة أبيها، بالرَّحيل؛ أخيراً .. وبعد أن عِيلَ كلُّ صبرٍ، وضاق كلُّ صدرٍ، وبلغت الأرواح الحلاقيم، وحزم البرلمان الزيمبابوي أمره، وقرَّر عقد جلسة مخصوصة لإقالته، بل وحتَّى بعد أن كادت الجَّلسة تبدأ فعليَّاً، وتهيَّأ مويندا، رئيس البرلمان، لإعلان افتتاحها، عندذاك، فقط، تحرَّك موغابي، متثاقلاً، ليستلم مويندا خطاب استقالته الذي زعم فيه أنه يترجَّل طوعاً، ليضمن انتقالاً سلميَّاً للسُّلطة .. وكذَب! فقد ظلَّ يعصلج، حتَّى الثَّانية الأخيرة، كأيِّ مقامر محترف، قبل أن يرمي على الطاولة بشرطه الأساسي للهبوط من عرشه السَّامق، بعد إذ بقي متشبِّثاً به سبعة وثلاثين عاماً، حتَّى تيبَّست أصابعه، أن يُمنح، هو وبعلته غريس، حصانة من أيِّ مساءلة!

كان أهمَّ ما أهمَّ الجَّماهير، لحظتها، حصولها على وثيقة استقالته بأيِّ ثمن! فما لبثت، حين جاءها الفرج، أن انفجرت، مساء 21 نوفمبر الجَّاري، من أقصى زيمبابوي إلى أقصاها، بالطبول، والكرنفالات، وأبواق السَّيَّارات، وصيحات الابتهاج، وحلقات الرقص الشَّعبي، وهطل عليها فرح لم تشهد له مثيلاً إلا لدى استقلالها، وقال أحد النوَّاب: "إذا استمسك الشَّعب بما يريد، تحقَّق التَّغيير"!

هكذا، وكما يحدث لكلِّ المستبدِّين بعد سقوطهم، لم يرتفع صوت واحد يذكره بالخير، فلكأنَّ نفس هذا الشَّعب ما كان قد سعد، نفس هذه السَّعادة، يوم تبوَّأ نفس الرَّجل رئاسة البلاد عام 1980م، باعتباره البطل الذي قاد معركة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني! فكيف، تراها، تستقيم هذه المفارقة عقلاً؟!

 

(2)

السُّلطة قوَّة معنويَّة قد تنفلت من عقالها، إذا لم يتمَّ ضبطها جيِّداً، فتنحرف بتفكير البعض وسلوكهم عن جادَّة الاعتدال العقلي، والسَّويَّة النَّفسيَّة. ذلكم هو درس اللورد  أكتون في نهاية القرن التاسع عشر: "السُّلطة مَفسدة، والسُّـلطة المطلقة مَفسـدة مطلقةPower tends to corrupt and absolute power corrupts absolutely". فهل، تُراك، جرَّبت، مثلاً، أن تستدعي، من ذاكرة أواخر القرن 17، ومطالع القرن 18،  لويس الرَّابع عشر، الخائض، أبداً، نزاعات لا تنتهي، وحروباً لا تضع أوزارها، المحبُّ للأعياد الباذخة، والاحتفالات المترفة، والمهرجانات المسرفة، في دولة تعاني الإفلاس، حتَّى لقد فشل كلُّ وزراء ماليَّته في توفير الأموال التي تلزمه، رغم أنه حكم أطول فترة في التَّاريخ الأوربِّي، متربِّعاً فوق الجَّميع، ومختزلاً فلسفة حكمه الإلهي المطلق، بكلمته الشَّهيرة "أنا الدَّولة والدَّولة أنا ـ L’état, c’est moi"؟! 

إذا جرَّبت فسترى، على الفور، أبرز ملوك البوربون في صورة موغابي، الزَّعيم النَّزق، المغرور، المفارق للوقار، كفتى مراهق، المتوهِّم، وعمره يقارب القرن، أن الموت نفسه ليس بقادر على اقتلاعه من قمَّة سنام زيمبابوي، حيث ظلَّ مغروساً هناك، كمسمار صدئ، زهاء الأربعة عقود، لدرجة أنه لم يعُد يتصوَّر "الدَّولة"، ذاتها، بدونه، فلكأنَّ التَّفريق غير وارد، البتَّة، بين "السُّلطة" و"مَن يتولاها"!

ولا تسَلْ، بعد ذلك، عن الفروق بين الرَّجلين، على اختلاف زمنيهما، فهي كذرَّات رمل الصَّحاري، إذ ارتقى الأوَّل بفرنسا، قبل ما يربو على القرنين، في مجال الثَّقافة على الأقل، من دولة متخلفة، إلى قمة النفوذ العالمي، حتَّى لقد سُمِّي "الشَّمس"؛ بينما انحطَّ موغابي بزيمبابوي، مطالع الألفيَّة الثَّالثة، من قمَّة الأمل في أن تصبح سلة غذاء أفريقيا، إلى سفح اليأس من أن تنجو من مصير التَّسول، حتَّى لقد تحوَّلت من بلد منتج، وحاضن لملايين القوى العاملة، إلى بلد طارد يعاني الجُّوع والعطش والجَّفاف غير المسبوق؛ بلد تخنقه الفاقة، ويطحنه الفساد، ويتفاقم تضخُّمه بمعدَّلات فلكيَّة، ويرتفع دَّينه الخارجي بنسب خرافيَّة، وتبلغ نسبة البطالة فيه94%، وتتفشَّى فيه الأوبئة والأمراض الخطيرة كالإيدز والكوليرا!

أكثر التَّقارير دقَّة تشير إلى السَّنوات الخمس الأولى، فحسب، من حكمه، باعتبارها شهدت إنجازات نسبيَّة، حيث أضحت زيمبابوي الأفضل، مثلاً، في التَّعليم، أفريقيَّاً على الأقلِّ، بنسبة أميَّة لا تتجاوز 10%. أما العقود التَّالية فسادتها سياسات منحرفة، وترتيبات دستوريَّة وقانونيَّة عشوائيَّة، أغربها مصادرة 95% من مزارع السُّكَّان البيض، عام 2000م، وإعادة توزيعها على السُّكان السُّود، بدعوى الإصلاح الزِّراعي، مع حرمان 4000 متضرِّر من اللجوء للقضاء، مِمَّا بدا كمحاربة للعنصريَّة بعنصريَّة أبشع، وأدَّى إلى أعمال عنف، ومذابح، واضطهاد للكثيرين. وقابل الغرب تلك الإجراءات بعقوبات لم يكن موغابي قد تحسَّب لها، فضلاً عن تأثيرها السَّالب على الزِّراعة، حتَّى لقد تحوَّلت زيمبابوي من بلد يصدِّر المحاصيل، إلى بلد يعاني المجاعة.

 

(3)

أولاد الرَّئيس الوالغون في حياة الصَّعلكة بحانات جوهانسبيرج هم، بالتأكيد، بعض محن هذا البلد المنكوب! على أن أكبر هذه المحن هي غريس، عقيلة أكبر الرُّؤساء سنَّاً، والتي تصغره بنصف قرن، وأوَّل الهاربين، مؤخَّراً، من سفينته الموشكة على الغرق، تاركة العجوز يواجه مصيره وحده؛ غريس التي لم تكتف بجعل "مليكها العريان" يخطر، في أخريات أيَّام "ملكه"، مجرَّداً من كلِّ فضيلة، ومتوهِّماً، في الوقت نفسه، أنه يرفل في الماس، والتِّبر، والخزِّ، والدِّيباج، بل وبجعله، حتف أنف التَّاريخ، والسِّياسة، والاجتماع، والشَّعب الزِّيمبابوي، يمهِّد لخلافتها له بأن أقال نائبه منانغاغوا، رفيق كفاحه القديم، ليعيِّن محله مفوكو الموالي لغريس، في خطوة مفضوحة اعتبرت الأخطر، حيث أفضت بالجنرال شيوينغا، القائد العام للجَّيش، لأن يقول، فوراً: "كفى ـ enough is enough"، وأن يدفع بدبَّاباته، في 15 نوفمبر 2017م، لاحتلال الإذاعة، والبرلمان، والمحكمة العليا، ومقرِّ الحزب الحاكم، وأن يضَعِ موغابي قيد الإقامة الجَّبريَّة، وهي "العمليَّة" التي ظلَّ ينفي عنها صفة "الانقلاب"، معلناً أنها محض "وسيلة" لإزالة المجرمين من حول الرَّئيس!

وإذن، فمحاولة موغابي رفع زوجته إلى مقعد الرِّئاسة، كانت القشَّة التي قصمت ظهر بعيره! فهي سيِّدة بلا أيِّ مؤهِّل أو تاريخ نضالي، ولم يحملها إلى عضويَّة المكتب السِّياسي لحزب "زانو" الحاكم، ولا تسنُّم رئاسة تنظيمه النِّسائي، سوى عشق موغابي لها، وزواجه منها، في حفل أسطوري عام 1996م، بعد أن قدَّموها له كموظفة آلة كاتبة في القصر الرِّئاسي! سيِّدة أقصى مواهبها جولات التَّسوُّق الباذخ في العواصم الكبرى، وترتيب الحفلات التي تنضح بالتَّرف، والمناسبات التي تضجُّ بالفخامة، والتي درجت على المبالغة بها في تملق الزَّعيم العاشق، كالحفل الذي أقامته في 2014م، ودعت الجَّماهير، خلاله، لإعادة انتخابه، حتى لو مات وصار جثة هامدة (!) وإحيائها، العام الماضي، عيد ميلاده الثَّاني والتَّسعين بحفل كلف مليون دولار، في بلد بات يتلقَّى المعونات!

مواطنو زيمبابوي يلقِّبونها بـ "غوتشي غريس"، إشارة إلى الماركة العالميَّة  GUCCI، وكناية عن ولعها بأغلى المقتنيات على حساب المال العام؛ ويتداولون في ذلك قصصاً عجيبة، كإنفاقها، خلال ساعات معدودات، أثناء رحلة تسوُّق بباريس، مبلغ 120 ألف دولار أمريكي، وسحبها، مطالع التِّسعينات، ما يربو على 6 ملايين دولار أمريكي من البنك المركزي دون وجه حق، وامتلاكها قصرين مبهظين، باعت القذَّافي أحدهما، ويُسمَّى "غريس لاندز"، بينما كلفها بناء الآخر 26 مليون دولار أمريكي. وفي 2010م أظهرت بعض تسريبات "ويكيليكس" اسمها كمتَّهمة بتجارة الماس غير المشروعة blood diamond!

أمَّا حصولها على الدُّكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة زيمبابوي، عام 2014م، فتظلُّ القصَّة الأكثر طرافة، إذ حصلت عليها بعد شهرين، فقط، من التَّسجيل .. دون أن توجد أطروحتها في أيِّ مكان!

وفي الرَّابع من أكتوبر المنصرم قبض على الصَّحفي كنيث نيانجاني لإيراده خبراً اعتُبر "مسيئاً" لها، حول "تبرُّعها" بملابسـها الدَّاخليَّة المستعملة لعضوات "رابطة المرأة" التي تترأسها في الحزب الحاكم!

وبالمناسبة، فإن زيمبابوي مصنفة في المركز/128، ضمن قائمة منظمة "صحفيون بلا حدود" لمؤشر حريَّة الصَّحافة العالمي للعام 2017م، والتي تضمُّ 180 دولة. وقد وصفت المنظمة الوضع الإعلامي هناك بكلمة واحدة .. "قمعي"! نواصل .

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+