المسألة الزراعية في السودان(2)

بقلم/ د.صدقي كبلو

تناولنا في الحلقة الماضية الحديث عن مسألة وعلاقتها بالزراعة، وسنعود إليها مرة أخرى في نهاية الحديث عن الإصلاح الزراعي لنتحدث عن توجهات الاستثمار الجديدة المعتمدة على الاستثمار الأجنبي من قطاع خاص ودول؟

  • الزراعة المروية بين نموذج الجزيرة ونموذج الرهد:

ولنبدأ بالمسألة الزراعية والإصلاح الزراعي في الزراعة المروية، ورغم أن مجرد ذكر الزراعة المروية يجعل الشخص يفكر في مشاريع الجزيرة والمناقل، الرهد، حلفا الجديدة والسوكي رغم وجود مشاريع مروية أخرى على النيلين الأبيض والأزرق وفي الشمالية والنيل، إلا أن ما يميز المشاريع الأربعة الأولى هو مركزية الري التي تمثل عنصرا مهما في أي إصلاح زراعي.

بدون إصلاح نظام الري فالحديث عن إصلاح زراعي يصبح بلا معنى، والطبيعة المركزية للري تجعل من المستحيل أن تترك إدارته، وبالتالي إدارة أي من المشاريع الأربعة لوحدات أصغر، بل أن التكنلوجيا الحديثة مثل الطاقة الشمسية وإمكانية استعمال أساليب ري مثل المحورية والري بالتنقيط والاستفادة من الإدارة والاتصال بالوسائل التكنولوجية الحديثة تجعل من الممكن إحداث ثورة في نظم الري بهذه المشاريع وتجعلها أكثر قدرة للاستجابة لمتطلبات الزراعة وتنوعها ومحاصيلها المتعددة في مواسمها المتعددة. إن الجزيرة مثلا تعتمد على الري الانسيابي وغمر الأرض بالمياه فهل هذا هو الأسلوب الأمثل في القرن الحادي والعشرين؟ وقد كان مناسبا في القرن العشرين لأن أي نظام آخر للري كان سيتطلب طاقة سترفع من تكلفة الإنتاج، بينما الطاقة الشمسية الآن (رغم ارتفاع التكلفة الأساسية لبناء محطاتها إلا أنها ذات تكلفة متوسطة وحدية تتجه نحو الصفر) تمهد.

لا سبيل للنهوض بالزراعة في هذه المشاريع بدون البحوث الزراعية وإنتاج البذور المحسنة (بدلا من استيرادها) ونحن لدينا تقاليد منذ أوائل القرن العشرين في الأبحاث الزراعية ولدينا علماء في هذا المجال، ويرتبط بالبحوث الزراعية الارشاد الزراعي وكل هذا يتطلب وجود إدارات ذات كفاءة عالية لهذه المشاريع وعدم تفكيكها وتجزئتها وإعادة تعمير ما تفكك وجزئ منها ولضمان أن هذه المشاريع تعمل لمصلحة المزارعين ومن أجل تحسين أساليب معيشتهم لا بد أن يكون المزارعون ممثلون في إدارة هذه المشاريع. وهذا يعني أن نوقف فورا ما يدور الآن من تحول الإدارات لسماسرة للزراعة التعاقدية.

المشاريع المروية الأربعة يمكنها أن تستفيد من حجمها لتحقيق فوائد اقتصاديات الحجم الكبير من تحضير الأرض وزراعتها وشراء الأسمدة والمبيدات والخيش واستعمال وسائل النقل الحديثة، وهذا يتطلب وحدات الهندسة الزراعية والوحدات المالية والتجارية لهذه المشاريع ووحدات التخطيط. وباختصار لا بد من استعادة هياكل المشاريع المروية وتطويرها.

ولتتحقق الفوائد القصوى للمزارع ومن ثم للاقتصاد الوطني لا بد أن يعود التمويل مرة الأخرى عن طريق إدارة المشروع وبواسطة البنك المركزي ووزارة المالية وابعاد البنوك التجارية من العملية الزراعية لأن ذلك يضمن التمويل الكافي وفي الوقت المناسب وبالفوائد المناسبة مهما أطلق عليها من مسميات إسلامية، إذ أن التمويل الحالي لا يناسب وفقا لطلب العمليات الزراعية وفي الوقت المناسب وبالكميات المناسبة ويتم بشروط تجارية، لا تشجع العمل الزراعي.

  • علاقات انتاج جديدة:

ولكن مهما تكن الإصلاحات المقترحة فهي لن تنجح بدون علاقات جديدة، وعندما نقول بعلاقات جديدة نحن لا نعني العودة للشراكة بشكلها القديم وهو نظام الجزيرة الذي كان سائدا حتى مطلع الثمانينات في معظم المشاريع المروية، ولا نعني نظام ايجار الماء والأرض الذي فرضه البنك الدولي عند تمويله للرهد ومن ثم طبق في الجزيرة في مطلع الثمانينات بواسطة نميري ولا فوضى علاقات الإنتاج التي سادت الجزيرة بعد قانون 2015. إنني اقترح نظاما جديدا يقوم على شراكة جديدة بين الدولة والمزارع وتكون الإدارة في المشاريع المروية هي مستخدمة لدى الشريكين اللذين يديرا شراكتهما بواسطة مجلس إدارة يمثلهم بالتساوي، ويحددان معا الدورة الزراعية والمحاصيل التي تزرع فيها ونصيب كل شريك على أن يكون نصيب المزارع هو الأضخم ولا ينقص عن الثلثين ولا يزيد عن الأربعة أخماس، لماذا؟

1-    لأن المزارع في معظم إن لم يكن كل وخاصة في الجزيرة، قد دفع حتى الآن ومن خلال نظام الشراكة القديم ونظام ايجار الماء والأرض تكلفة كل الاستثمارات الأساسية من خزانات وقنوات ومباني، بل أن جزء من ممتلكاته قد تم بيعها دون أن ينال من عائدها شيء كسكك حديد الجزيرة والمحالج والآليات والورش الزراعية والعربات ... الخ.

2-  إن المزارع أما أنه يمتلك الأرض أو يستأجرها وهي أهم وسائل الإنتاج وموضوعه.

3-  إن المزارع هو المسؤول عن القيام بالعمليات الزراعية إما بنفسه أو بالإيجار.

4-  إن المزارع من خلال الحساب المشترك الذي ندعو لعودته يقوم بدفع ثمن العمليات الزراعية المشتركة والتي يتطلبها الاقتصاد الكبير، مما يعني عودة الإدارة الهندسية وشراء آليات جديدة لها حتى ولو المراحل أو القروض، حتى يبعد المقاولون عن العمليات الزراعية.

 

إن هذا النظام يخلق الحافز لدى المزارعين ويجعلهم مسؤولين تماما عن إنتاجهم، وبالطبع ستكون هناك تفاصيل يتم حلها بالمفاوضات وعن طريق مجلس الإدارة الممثل للجانبين. لقد عانى مزارعو مشاريع المشاريع المروية من كل أنظمة علاقات الإنتاج السابقة التي فرضت عليهم وتحملوا عن طريق ما يؤخذ منهم من فوائض، اما عن طريق نصيب الحكومة والإدارة، أو عن طريق فروقات أسعار العمل في حسبا مدخلاتهم الزراعية وحساب مبيعات القطن والقمح أو من خلال مساهمتهم كغيرهم من المواطنين في النظام الضريبي خاصة الضرائب غير المباشرة، لقد عانوا إجحافا ويكفيهم أنهم مولوا الدولة السودانية منذ نهاية العشرينات وحتى قانون 2005. لقد آن الأوان لمزارعي الجزيرة والمشاريع المروية الأخرى أن يكون اسهامهم في ميزانية الدولة عادلا مقارنة مع المواطنين الآخرين فلا تدعمهم الدولة ولا تحملهم أكثر من بقية المواطنين.

وقد يسأل سائل لم العودة للحساب المشترك ونقول إنه إلى جانب أنه لازم للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير والتي لا تنفع فيها التجزئة، فهو نظام تكافلي في مشاريع لا تتساوى أجزاؤها في الخصوبة ولا التسطيح ولا الموقع من المحالج ولا الأسواق. ولكن الحساب المشترك الذي نقترحه يجب أن يكون حسابا مشركا حقيقيا مستفيدا من كل التطور في إعداد حسابات التكلفة وسرعة اجراؤها بحيث يتم محاسبة المزارع عند استلام المحصول المعين.

ولكي يعمل هذا النظام بشكل منتج ومفيد للطرفين لا بد أن يعود للمزارعين حقهم في انشاء اتحاداتهم التي تفاوض نيابة والتي تنشئ مجالس الإنتاج على المستويات الأصغر المتعاونة مع الإدارة والفنيين والمهنيين.

إذن الإصلاح الزراعي في المشاريع المروية ليس مسألة تقنية فحسب فهو تقنية وعلاقات انتاج معا.

 

 

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+