السودان: 61 عاما من التخلف والتدهور "2/2"

  هكذا كان الوضع حتى عام 1821م عندما بدأ الاحتلال التركي المصري للسودان، وباحتلال الأتراك للسودان نشأت بنية اقتصادية - اجتماعية تابعة بمعنى أن كل النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تلك الفترة، كان موظفا لخدمة أهداف دولة محمد علي باشا في مصر والتي وظف فيها  رجال الدين لخدمة تلك الأهداف والمصالح، وتم نهب وتدمير القوى المنتجة (المادية والبشرية)، وتم إفقار السودان ونهب موارده الاقتصادية، وكان ذلك جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان الحديث.

 وفي تلك الفترة ارتبط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي عبر تصدير سلع نقدية مثل: الصمغ، العاج، القطن.الخ، كما شهد السودان خلال تلك الفترة غرس بذور نمط الإنتاج الرأسمالي على الأقل في سمتين:

       * اتساع عمليات التبادل النقدي، والعمل المأجور أي تحول قوة العمل إلى بضاعة.

       * الارتباط بالتجارة العالمية.

 كانت التحولات في ميادين الاقتصاد والزراعة والصحة والمواصلات والتعليم محدودة، وظل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في تلك الفترة حبيس القطاع التقليدي، وظلت قوى الإنتاج وعلائق الإنتاج والبنية الثقافية بدائية ومتخلفة.

للمزيد من التفاصيل راجع: تاج السر عثمان الحاج، التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي، مركز محمد عمر بشير 2006.

 ويمكن القول إن السودان في تلك الفترة شهد تدمير أو خسارة لبنية اقتصادية - اجتماعية دون كسب لبنية أخرى أرقى.

أي أن السودانيين في تلك الفترة خسروا عالمهم القديم ليحل محله عالم ملئ بالبؤس والشقاء، وإرهاق كاهل الناس بالضرائب، واستنزاف ونهب موارد البلاد حتى انفجرت الثورة المهدية التي أطاحت بذلك الوضع بعد انفصل السودان لمدة ثلاثة عشر عاما عن المسار العام والدوران في فلك المنظومة الرأسمالية العالمية.

كانت فترة المهدية مليئة بالحروب وتقلص الإنتاج الزراعي والمجاعات، والصراعات الاجتماعية والقبلية والدينية والأوبئة...الخ، حتى تم الاحتلال الانجليزي المصري للسودان عام 1898م.

 ثالثا: إعادة الارتباط بالنظام العالمي:

 ارتبط السودان مرة أخرى بالنظام الرأسمالي العالمي بعد إعادة احتلال السودان، وعاد الاقتصاد السوداني مرة أخرى للتوجه الخارجي، وسار في طريق التنمية الرأسمالي الذي كرس التخلف وخلق فئات رأسمالية وشبه اقطاعية تابعة، وكان من نتائجه أن أصبح الاقتصاد خاضعا لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن (كان القطن المحصول النقدي الرئيسي ويشكل 60% من عائد الصادرات)، وتم تغليب وظيفة زراعة المحصول النقدي على وظيفة توفير الغذاء للناس في الزراعة. هذا إضافة لسيطرة الشركات والبنوك البريطانية على معظم التجارة الخارجية، وارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي وفي علاقات تبادل غير متكافئة، صادرات: مواد أولية (قطن، صمغ، ماشية، جلود،...الخ)، وواردات سلع رأسمالية مصنعة، وتم تدمير الصناعة الوطنية التي كانت ناشئة يومئد: نسيج، أحذية...الخ.

 وكان نمط التنمية الاستعماري الذي فرضه المستعمر يحمل كل سمات ومؤشرات التخلف التي يمكن تلخيصها في الآتي:

  • 90% من السكان يعيشون في القطاع التقليدي.
  • قطاع تقليدي يساهم بـ56,6% من إجمالي الناتج القومي.
  • القطاع الزراعي يساهم بـ61% من تكوين الناتج المحلي.
  • ضعف ميزانية الصحة والتعليم تتراوح بين(4- 6%).
  • كان دخل الفرد 27 جنيه مصري.
  • اقتصاد غير مترابط ومفكك داخليا ومتوجه خارجيا.
  • تنمية غير متوازنة بين أقاليم السودان المختلفة.
  • تكريس الانقسام الطائفي والقبلي في البلاد “ قانون الإدارة الأهلية”، ووضع مناطق الجنوب ودارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والشرق ضمن قانون المناطق المقفولة، مما كرّس التطور غير المتوازن والتخلف فيها، وأدى لتفجرها بعد الاستقلال في: المطالبة بالتنمية وحقوقها في التعليم والصحة والخدمات، والتحرر من ثالوث الجهل والفقر والمرض...الخ  أي أن الاستعمار عمل بسياسة “ فرق تسد”.

وبعد الاستقلال  سارت  الأنظمة التي حكمت “ مدنية وعسكرية” في  طريق التنمية الرأسمالي الذي رسمه الاستعمار من خلال الطبقات والفئات الرأسمالية التي خلقها والطفيلية المايوية  بعد انقلاب مايو 1969  والطفيلية الإسلاموية بعد انقلاب يونيو 1989.

  ازداد الوضع سوءا بعد إنقلاب الإسلامويين في يونيو 1989م الذي فرط في السيادة الوطنية وفصل جنوب السودان، وتم إعادة إنتاج التخلف واشتدت التبعية للعالم الخارجي أو التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني: ديون خارجية بلغت 58  مليار دولار، عجز غذائي( مجاعات)، حروب أهلية، تصنيع فاشل، اشتداد حدة الفقر حتى أصبح أكثر من 95% من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر، إضافة لانهيار القطاعين الزراعي والصناعي وانهيار وخصخصة خدمات التعليم والصحة، وخصخصة وبيع ممتلكات الدولة “ السكة الحديد، مشروع الجزيرة، الخطوط الجوية، النقل النهري، هيئة الموانئ البحرية...الخ”، والفساد وانهيار القيم والأخلاق، وتدهور الصادر مما أدى لتدهور قيمة الجنية السوداني، وتهريب عائدات  البترول خارج البلاد والتي تقدر بأكثر من 80 مليار دولار، إضافة لعائدات الذهب التي تم نهبها،  وكان من الممكن أن تسهم تلك العائدات في دعم الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والخدمات...الخ. حتى أصبحت البلاد مهددة بالمزيد من التمزق، ومسرحا للصراعات والقواعد العسكرية والاستخباراتية، والصراع على نهب موارد البلاد وبيع أراضيها.

إضافة لمصادرة الحريات وتصعيد نيران الحرب في المناطق الثلاث، وتزوير الانتخابات النقابية والعامة، والدعوات الكاذبة للحوار ونقض العهود والمواثيق في الانفاقات التي أبرمها النظام مع الحركات والأحزاب مما أدى لاتساع نيران الحرب وتعميق الأزمة الوطنية في البلاد، واشتداد حدة الصراعات داخل النظام نفسه.

 كل ذلك يتطلب قيام أوسع تحالف من أجل إسقاط النظام الحالي، وقيام البديل الديمقراطي الذي تستعيد فيه البلاد الديمقراطية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية واستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة، والحل الشامل والعادل لقضايا المناطق الثلاث، وعقد المؤتمر الدستوري، وإصلاح التعليم والخدمات الصحية وبقية الخدمات...الخ ، مما يفتح الطريق للنظام الوطني الديمقراطي الذي يقيم المجتمع الصناعي الزراعي المتطور والتنمية المستقلة، والدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع، وتفجر مكنون الثقافات السودانية بتنوعها والتي تلعب دورا مهما في التطور الاجتماعي والثقافي.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+