أزمة التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي (3/3)

بقلم : صلاح إبراهيم

إن الظروف التي أوصلت ستالين إلى الحزب والسلطة كان بإمكانها أن توصل زعيماً بلشفياً آخر أكثر مرونة وتفهماً ووعياً وإنسانيةً وكان يمكن تلطيف الآلام والصعوبات الموضوعية الناجمة عن الظروف القاسية لبناء الاشتراكية. على كل ساد النموذج الستاليني تاريخياً وهذا النموذج شأنه شأن أي واقع حي آخر متحرك محكوم عليه بعمل تناقضاته الداخلية التي ما أن تبلغ لحظة معينة من النمو عبره وصيرورة تطوره التاريخي حتى يتعرض للانفجار إلى أن يتم تجاوزه بشكل جديد أرقى. لقد انجزت اشتراكية الدولة في وقت وجيز انجازات تاريخية حاسمة أبرزها الانتقال بالمجتمع الروسي من مجتمع زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي متطور رفع روسيا لمصاف الدول العظمى. انتقل بالطبقة العاملة من أقلية إلى اغلبية. وزع الثروة بشكل أكثر عدالة من أي نظام آخر. القضاء على المظالم الاجتماعية ذات الجذور العميقة في القدم وعلى رأسها مكاسب المرأة. تعميم التعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية المجانية مثل الصحة على أوسع نظاق.

أفرزت فئات اجتماعية حديثة تتميز بمستوى عالي من التكوين العلمي والتقني والثقافي والفني. ومن جدليات التاريخ وسخريات القدر أن الافرازات الايجابية "وليست السلبية" لإشتراكية الدولة هي التي ترتد سلباً على اشتراكية الدولة وتطرح ضرورة الغائها وتجاوزها نحو شكل جديد أرقى. فاشتراكية الدولة مثلها مثل أي كائن حي لا بد أن يمر بتجربة الحياة ولا شئ له صفة الوجود المطلق.

فاشتراكية الدولة السوفيتية استنفدت كل إمكاناتها التاريخية الموضوعية ولم تبلغ الاستنفاد تلك إلا بعدما أفرزت. موضوعياً بديلها النقيض التاريخي المتمثل في اكتمال تشكل طبقة عاملة مثقفة واسعة الحجم وتشكل من فئات اجتماعية مثقفة حديثة تتطلع لاحتلال مواقع اشتراكية الدولة. كون تشكل البديل التاريخي لا يؤدي اتوماتيكياً إلى اختفاء اشتراكية الدولة وفسح المجال للجديد بل العكس ظلت اشتراكية الدولة تحافظ على نفس سيادتها القديمة التي لا تريد أن تتنازل عنها تلقائياً وبدأ التناقض بين القديم والجديد الصاعد وحلفائها من الفئات الاجتماعية المثقفة والمجتمع المدني وهذا التناقض لا حل له إلا بالغاء شكل اشتراكية الدولة واقامة شكل جديد أرقى للاشتراكية ينبع من المجتمع المدني والطبقة العاملة وحلفائها المثقفين. في نهاية المطاف هو الانتقال باشتراكية الدولة إلى اشتراكية الطبقة وبالتالي الانتقال من مركزة الاقتصاد والسياسة إلى لا مركزية الاقتصاد والسياسة عن طرق احلال الاستقلال الإداري والمالي للوحدات الانتاجية واشاعة الديمقراطية في العلاقات الاجتماعية والسياسية. ( وإذا كانت اشتراكية الدولة حتى المجردة من التشوهات الأيدولوجية والسياسية الستالينية) ضرورية بالنسبة لمرحلتها التاريخية وشكلت بالتالي عنصر تقدم في شروط مجتمع زراعي ضعيف التطور في قواه المنتجة فإنها بالعكس لم تعد كذلك في شروط مجتمع صناعي حديث يتميز بتطور واسع لقوى الإنتاج وبظهور طبقة عاملة مثقفة كبيرة الحجم بجانب فئات اجتماعية حديثة . في ظل هذه الشروط الجديدة تصبح اشتراكية الدولة مُعيقةً لتطور الإنتاج وأصبح استمرارها في الوجود بالرغم من تاريخيتها هو سبب الأزمة العميقة التي عصفت بالمجتمع السوفيتي في العقد الأخير من القرن العشرين.

لقد كانت عميقة شاملة من كل مناحي حياة المجتمع الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والورحية. فعلى الصعيد الاقتصادي تميز بالركود الحاد وبروز ظواهر سلبية مثل انخفاض مستويات الإنتاجية وتفشي البطالة وفشل الخطط بسبب المركزية التي لا تساير التوسع الهائل للوحدات الإنتاجية وإرتفاع تكاليف الإنتاج وتفاقم التأخر التكنولوجي بالنسبة للغرب وتفاقم التبعية الغذائية للغرب لانخفاض الإنتاج الزراعي والتركيز على التصنيع الثقيل وايصال السلع الإستهلاكية العامة مع تدهور جودتها وتعاظم نشاط السوق السوداء...الخ. وعلى الصعيد الاجتماعي تفاقم الفساد البيروقراطي والاخلال بعدالة التوزيع للثروة القومية وتراجع نوعية وحجم الخدمات الاجتماعية المجانية وانتشار اللامبالاة في الأوساط العمالية والغياب عن العمل وعدم الانضباط وعدم الحرص على الملكية العامة والاستهانة بتنمية الثروة الاجتماعية وانتشار الدعارة والادمان على الكحول ...الخ. وعلى الصعيد السياسي العداء للديموقراطية وحقوق الإنسان مما ساعد على ظاهرة الانشقاقات في أوساط المثقفين التي استغلتها الدوائر الغربية في صراعها الايدولوجي ضد الاشتراكية وانتشار ظاهرة الشيخوخة السياسية "برجنيف ، شيرننكو، قروميكو" وتفاقم العلاقات اللاديمقراطية بين القوميات غير الروسية مما أدى لردود فعل شوفينية في أذربيجان وجورجيا ولتوانيا التي طالبت بالانفصال من الاتحاد السوفيتي . وعلى الصعيد الروحي أدى جمود الفكر الاشتراكي وعجزه عن تحديث نفسه لمواكبة مستجدات المجتمع والعصر واعطاء أجوبة شافية لها إلى ردود فعل استلابية ذهبت إلى حد التشكيك في القيم الاشتراكية والانبهار بالقيم البرجوازية. فالأطروحات والمقولات التي صاغها ماركس في القرن التاسع عشر ولينين في القرن العشرين انسجاماً مع شروط مجتمعاتهم وعصرهم التي تتغذى بها القيادة السوفيتية التقليدية بالرغم من حصول تحولات هائلة على صعيد المجتمع والعالم. إن هذه الأزمة العميقة والشاملة تمتد جذورها الحقيقية في التناقض ما بين مجتمع حديث أفرز الشروط المادية والاجتماعية للانتقال بالاشتراكية إلى شكل أرقى هو اشتراكية الطبقة العاملة الحديثة وما بين استمرار سيادة الشكل القديم للاشتراكية وما لم يحل هذا التناقض لمصلحة الجديد الصاعد فإن ذلك من شأنه ليس فقط الدوام والاستمرار وإنما التعمق والتفتت كما شهدنا.

وما قيل عن التجربة الاشتراكية السوفيتية يمكن قوله عن تجارب شرق أوربا باعتبار أن شكل اشتراكية الدولة الذي ساد هنا هو نفسه الذي ساد هناك وبالتالي فإن التناقضات هي تناقضات مشتركة بين الجميع والفرق الوحيد هو الاختلافات المتعلقة بالخصائص التاريخية والقومية بينهم. مثلاً مسألة الوحدة القومية بين شطري ألمانيا والدور التاريخي الوطني للكنيسة الكاثلوليكية في بولندا ومسألة القوميات في الاتحاد السوفيتي.

هذا هو الإطار النظري العام الذي تحركت فيه أزمة التجربة الاشتراكية فما هي الدورس والعبر من انهيار هذه التجربة؟

أولاً: هي دروس للماركسيين الكلاسيكيين الذين لا يرون الاشتراكية إلا عبر قاعدتها المادية وهي التصنيع والديمقراطية والتحديث أي كما نظر ماركس للمجتمع الرأسمالي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر نقول لهم ان هذه الثورة الاشتراكية لن تتحقق لنبين أن الأحزاب اليسارية في أمريكا وغرب أوربا ستظل اصلاحية ما دام فائض القيمة يتسنزف من البلدان المتخلفة مما يمكن البرجوازية من رشوة الطبقة العاملة في بلدانها لتحافظ على هذه الروح الاصلاحية غير الثورية إلا إذا عملت الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم الثالث على وقف هذا النهب كما أن النهب المستمر لفائض القيمة في بلداننا المتخلفة يجعل من نشوء طبقة برجوازية قوية تقوم بمهام التحديث والتنوير أمراً مستحيلاً لعدم توافر التراكم الضروري للرأسمال. وستظل البرجوازية في هذه البلدان كسيحة وتابعة للبرجوازية الغربية مما يجعل الثورة الاشتراكية بهذا الفهم الذي تجاوزه التاريخ أمراً مستحيلاً أيضاً في بلداننا.

الدرس الثاني هو للأحزاب الشيوعية في بلداننا عليها ادراك ان لا سبيل لبناء الاشتراكية إلا بشكل اشتراكية الدولة ولكن عليها فهم أن هذه الاشتراكية لحظة ضرورية نعم ولكنها عابرة وستتيح بديلها التاريخي الذي سيبني اشتراكية الطبقة العاملة فلا داعي للجمود والوقوف في وجه التاريخ والتقدم التاريخي فلابد من الوعي بعلم المراحل التاريخية وتطبيقه على أنفسنا أولاً.

يقول لينين عن ذلك العلم : (لا يشترط أن تكون اشتراكياً أو ثورياً أو شيوعياً بصفة عامة بل يجب أن تكون قادراً في اللحظة المعينة على أن تجد الحلقة المعينة في السلسلة وهي الحلقة التي يجب أن تقبض عليها بكل قوتك للانتقال للحلقة التي تليها ونظام الحلقات والطرق التي تختلف بها كل عن الأخرى في السلسلة التاريخية للأحداث وهي سلسلة بسيطة صنعها حداد).                  

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).