المشهد السياسي

يعج المشهد السياسي بأحداث داخلية عديدة كما ينفتح  على المجال العالمي، محدثاً تقاطعات سيكون لها أثرها في مقبل الأيام على ما ستفضي إليه الأوضاع عقب 2020م وانتخاباتها التي سوف تتمخض عنها حكومة مكشوفة الظهر بعد ذبح الدستور والحوار الوطني وبطريقة أحكمت الخناق حول عنق السلطة المتداعية للسقوط.

  • ما خلف التكشيرة:

طالعنا الطيِّب مصطفى بمقال ناري بحر هذا الأسبوع ينتقد فيه استقدام السفارة الأمريكية فرقة جاز لإقامة حفلات في الخرطوم، وعدد من المدن السودانية.  واعتبر الخطوة استفزازاً من دولة العدو الأول للإسلام والمسلمين في وقت اعترف فيه رئيسها بالقدس عاصمة لحكومة بني صهيون، وانتقل الكاتب إلى التهديد مذكراً السفارة بما حدث لأحد منسوبيها في حفل رأس السنة حينما قامت مجموعة من المتطرفين بقتله هو وسائقه، وهي جريمة اعتبرها المراقبون من جرائم الإرهاب ولم تستطيع حكومة السودان وقتها سوى تقديم الجناة للمحكمة، والذين هربوا من السجن بطريقة تعتبر لغز ينتظر فك طلاسمه، وحين يأتي كاتب  محسوب على النظام وعلى الرئيس تحديداً ويقول  إنها كانت ثاراً لكرامة الأمة، والتي اتهم غرانفيل بأنه عبث بعروض فتياتها، فان من الغفلة اعتبار الرسالة موجهة للسفارة الأمريكية أو لحكومة ترامب من أجل القدس أو عروض بنات السودان، ولكنها موجهة لجهات داخل نظام الجبهة الاسلامية يعكف على ملف العلاقات الأمريكية السودانية، ويعمل ليل نهار لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في وقت اتضح فيه جلياً أن رغبة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي هي عدم التجديد للبشير لولاية ثالثة، وأن هذا الموقف عقد الأوضاع داخل الحزب الحاكم. والمقال يمكن النظر إليه في إطار عملية الفرز الجارية اليوم وسط منسوبي السلطة، والتي ألمح مراقبون إلى أنها ربما تقف خلف قرار رفع اجتماع مجلس الشورى الأخير للحزب الحاكم لمزيد من الترتيبات أو أن شئت الدقة التسويات التي سوف تذهب بقيادات في الإنقاذ وتشهد سطوع نجم آخرين.

  • في سبيل البحث عن شنقيطي:

الشنقيطي الذي نقصده هو محمد صالح الشنقيطي الذي لعب دوراً في إقناع الجنوبيين بالتصويت لصالح استقلال السودان وتخليهم عن مطلب الفيدرالية الذي كان من شانه أن يعطل المناسبة، وخرج السودان بفضل تلك الجهود موحداً مستقلاً.

وإذا عمدنا للتجريد فأن دور الشنقيطي يتمثل في وجود شخصية وفاقية  يمكن أن يجمع عليها الناس لميزات ذاتية، ولأنها تقف على مسافة معقولة من الجميع كما كان الحال بالنسبة لسر الختم الخليفة في ثورة أكتوبر. لكن منذ ذلك التاريخ فشل الواقع السوداني في إنجاب شنقيطي جديد أو على حد تعبير الراحل فاروق كدودة (البلد عدمت الشنقيطي)  ذلك لأن الصراع اختلفت طبيعته وأصبح من الصعب على من يتمتع بدرجة معقولة من الاستقامة تمكنه من أن يكون مقبولا من الجميع رغم الفوارق الطبقية والفكرية التي شهدها السودان أن يقوم بهذا الدور. كما حاولت الحكومة خاصة في عهد الإنقاذ أن تعمد إلى صناعة الشنقيطي ولكنها لم تنجح، لأن الفتق بينها وبين الشعب بمختلف قطاعاته قد اتسع بما يصعب على الرتق وأن كل من يقترب منها يدخل دائرة (العيافة الشعبية) ويتحول إلى إنسان (عيفة) تنبذه مجالس المدينة الاجتماعية قبل السياسية؛  لذلك انقسم الناس اللذين يحترمون أنفسهم ومواقفهم حيال الإنقاذ إلى قسمين أحدهم التزم الصمت،  وآخر انخرط في مواجهتها مهما كانت الكلفة واختفى الشنقيطي، لكن هناك بعض الشخصيات التي تعتقد أنها تستطيع اللعب بالبيضة والحجر تحاول إعادة إنتاج الشنقيطي،  وهى ذات صلة سابقة أو حالية بالمعارضة(والمعارضة خشم بيوت) لكنها تحتفظ بمسافة منها تماماً كما كان يفعل الشنقيطي بدون تصنع.  فهم يتحينون الفرص بمناسبة ومن غير مناسبة لمهاجمة المعارضة، مركزين على عزلتها المزعومة عن الجماهير دون إقامة دليل عليها، وبما يكشف أنهم يقفون على الرصيف ولا يخجلون من توجيه النصائح وهم في أبراجهم تلك وكأني بهم يعرضون خدمتهم لتقريب الشقة بين الحكومة والمعارضة، ليس من خلال تعديل موازين القوى لترجح لصالح الجماهير وبما يجبر الحكومة على تقديم تنازلات لصالح التحول الديمقراطي وبطريقة تحفظ لكل ديمقراطي ماء وجهه بما في ذلك(الشناقيط) الجدد، ولكن بالهجوم على المعارضة وتذكيرها بأنها ضعيفة وبأنها تتمسك بالمواقف المتشددة حتى تدارى على ضعفها، بينما المواقف المتشددة التي يعنونها هي المطالبة بإسقاط النظام الذي لا يملك أي مشروعية تمكنه من إدارة فترة انتقالية تضع البلاد على أعتاب وضع دستوري، لكن لأن التناقض أصبح كبيرا جداً بين الحكومة والشعب، فان هؤلاء السادة سينكشف أمرهم ويخرجون من مولد السياسة عراة كما خرج الذين قبلهم من الملتحقين بالإنقاذ.

  • تناقضات مزعومة:

يزعم بعض المنتسبين لتيار رفع الحرج عن البشير بإعطائه فرصة جديدة يجدد فيها حكمه، بأن قوى الإجماع الوطني تقع في تناقض كبير حين ترفض خوض الانتخابات العامة في 2020، في الوقت الذي تستعد فيه لخوض انتخابات النقابات. وبدلاً من أن يشغلوا أنفسهم بتقديم إجابة على السؤال المشروع حول أحقية النظام في إقامة الانتخابات وهو الذي جاء إلى السلطة عبر انتخابات مزورة في عام 2010م يركزون هجومهم على تناقضات قوى الإجماع الوطني ويخصون الحزب الشيوعي بالقدر الأكبر من ذك الهجوم، وكأن تلك التناقضات أن وجدت تبرر لهم صمتهم على جرم مساعدة النظام في تزوير إرادة الشعب للمرة الثالثة. وقد اختاروا ميداناً جديداً للمعركة بالتنازل عن الشعار الذي يعبر عن رغبة الجماهير ومزاجها والمتمثل في إسقاط النظام، واختاروا صراعاً جديداً يتمحور حول الموقف من الانتخابات، فاختاروا أن يكون خصمهم في هذه المواجهة التي تفتقر للشرف قوى الإجماع الوطني، التي لم ترتكب جناية في حق الشعب بدلاً من أن يكون نظام الإنقاذ الذي قسم البلاد ونهب مواردها وباع أراضيها للأجانب  زاعمين أن خوض الانتخابات يمثل بالنسبة لهم الخطوة المهمة الوحيدة لتجهيز الجيش السياسي لإسقاط النظام في معارك قادم وهم بذلك يغمضون أعينهم عن حقائق شاخصة تشير إلى لا أحد في مقدوره منافسة الإنقاذ أو العيش تحت ظلها مالم يكن محارباً لها مصيره السجن والاعتقال والمطاردة والموت،  مثل هؤلاء لا يستحقون أن نناقش معهم تناقضات المعارضة التي لا تعشعش إلا في عقولهم المتربصة، لأننا إن فعلنا نكون قد ساعدناهم في التستر على جريمة إعطاء الإنقاذ مشروعية لا تستحقها.  لكن بالنسبة للحادبين على المعارضة ويمكن أن ينطلي عليهم مثل هذا التنطع نقول لهم إن النقابات منظمات جماهيرية أسستها الجماهير لتحقيق مطالب متعلقة بمعاشها، الذي لا يمكن أن ينتظر حتى إسقاط النظام.  فالإنسان كي يصارع الإنقاذ ويلحقها بالأنظمة الشمولية في مزبلة التاريخ، يحتاج أن يأكل ويسكن ويتعالج وهذا مجال صراع مختلف،  وأن تاريخ الحركة النقابية التي عاشت في ظل كل الأنظمة بما فيها الاستعمار يقوم على هذه الفرضية، أي أن الجماهير تخوض صراعات مطلبية لتحسين أوضاعها ما أمكن دون أن تتخلى عن حقها في تحديد الوجهة السياسية التي يجب أن تستقر عليها البلاد. وتقوم بهذه المهمة المزدوجة باقتدار يشهد عليه تاريخ السودان، ومن العيب أن تصححها شراذم تبحث لنفسها عن أدوار في سوق النخاسة السياسية الذي تنصبه الإنقاذ هذه الأيام بدعم ومساندة من المجتمع الدولي وينشط فيه السماسرة الإقليمين أمثال ثامبو امبيكي.

  • الكلام الفاضح:

عاد الخطاب القديم للإنقاذ من تعقب وتفتيش لمقاسات فساتين طالبات المدارس وكشات المظهر العام والسلوك (الما عارف شنو داك) ووصل قمته بتهديد أمريكا وتحذيرها من التدخل في القدس.  وعاد الطنين القديم عن جاهزية شباب الأمة للدفاع عن مقدسات البلاد ضد التدخلات الأمريكية في الشأن الإسلامي، هذا في الوقت الذي تسعى فيه جهات أخرى في الإنقاذ  لتقديم شهادة براءة من تاريخ الإنقاذ .

على الجانب الآخر لم تكتف أمريكا بما نالت من مشاركة السودان في قوات الافريكوم  والتعاون الاستخباراتي في مجال الإرهاب والاتجار بالبشر، ولكنها تقدمت أكثر وطالبت الحكومة بإلغاء مادة الزي الفاضح في قانون النظام العام، ولا ندري هل الفاضح زي البنات في شوارع الخرطوم، أم أن الفاضح هو هذا الموقف الذي وجدت الإنقاذ نفسها تعيشه في المحافل الدولية والإقليمية، خاصة بعد مطالبة الأمم المتحدة بمسألة الدول التي لم تنفذ قرار المحكمة الجنائية الدولية.      

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).