المشهد السياسي

محلات العطارة السياسية

بقلم/ قرشي عوض

حكاية الحكم الإتحادي من البداية وحتى النهاية(توجع القلب) أولاً كيف يكون إتحادياً بمعنى اشراك أقاليم السودان وولاياته المختلفة في الحكم، وفي ذات الوقت الذي ينفرد رئاسة الجمهورية بتعين الوالي؟

ليقوم بدوره بتشكيل حكومته بما فيها من وزراء ومعتمدين، ويترك لأهل الولاية ـ فقط ـ حق المراقبة على طريقة تعامل الثقافة السودانية مع النساء في إبداء المشورة واحتفاظ في حقهم في الاختلاف معهن، والتي يلخصها المثل الشعبي(شاوروهن وخالفوهن) والتي تعكس تمييزاً سالباً على أساس النوع، فالويل كل الويل للمجالس التشريعية إن هي اختلفت مع الوالي، حينها لن يكتفي بمخالفتها، ولكنه سوف يبعث رسالة إلى المركز يعلن من خلالها عدم قدرته على العمل مع هذه المجموعة، حتى وإن كانت من الحزب الحاكم فيقوم الرئيس بحلها ببساطة شديدة، ومن لا يعجبه ذلك(يشرب من البحر)أويستعد لمواجهة إجراءات حالة الطوارئ التي سوف تفرض على الولاية بأمرٍ مركزي.

من ناحية أخرى تقوم فلسفة هذا الحكم الذي زاد من أعباء أهل الأطراف والوسط بطريقة لم تتحقق في ظل أكثر الأنظمة مركزية، على تقصير الظل الإداري، وهي واحدة من جنس "اللغاويس" التي نسمع بها هذه الأيام، وأظن المقصود بها والله أعلم، تقديم الخدمة للمواطن في مكان سكنه من غير تعقيدات إدارية تفرضها تبعية الأجهزة الحكومة للمركز، في الوقت الذي لا يقدم فيه الحكم الإتحادي أي خدمات، فالطلاب يجلسون على الأرض ويشترون الكتاب، والمستشفيات فشلت حتى في التخلص من النفايات الطبية ، وصحة البيئة منعدمة ولم يرَ الناس أضخم من تلال النفايات التي تحاصر الاحياء الشعبية ولا جيوش الناموس والذباب، التي تغزو بيوتهم ليلاً، وأن القطط والفئران التي تعيش على الدم الفاسد الملوث بفيروس الكبد الوبائي لم يرَ أسمن منها،  والكلاب الضالة ترابض جوار المستشفيات لأسباب ليست خافية على الإدارة الطبية في وقت يعرف فيه الكل أنها تعيش على الأجزاء الآدمية ومشيمة النساء بعد الولادة....الخ

 مظاهر التردي في المدن والقرى والفرقان التي تحتضر لكن يدلاً من مجابهة هذه المشاكل التي لايتناسب وجودها مع حجم الضرائب والأتاوات المفروضة بأمر ولائي أو محلي، تفتق ذهن القائمون على أمر الحكم المحلي عن حيلة ماكرة، وهي إقامة المهرجانات السياحية والثقافية في حواضرهم،  والتي يستجلبون لها مزينين الباطل من المركز وفي الولاية. فقد أصبحت تجارة رابحة وتخصص فيها البعض وفتحوا لها ما يمكن أن نسميه بمحلات العطارة السياسية، والحمام السياسي، والذي يخرج بعده  الوالي أو المعتمد نظيف وتظهر في الولاية أو المحلية مسميات جديدة، مثل أم المدائن وزهرة(الحتة الفلانية) أو منارة العلم وجوهرة الإقليم،إلى آخر مفردات "  النفاق السياسي" لكن ذلك فقط على صفحات الجرائد، ويبقى الوطن كما عبر عنه شاعرالوطن محمد الحسن سالم حميد:

(يا بلادي القطع قلب الروادي

باللواج الجاي وغادي…

ده ماهو صوتك

لاها صورتك…دي البترقش

نادي فوق صدر الجرايد

ماها صورتك

لا هو صوتك

لا ها صورتك

إنتي يا الفي إطن الصحاري

شفع العرب الفتاري

البفنو الشايلا إيدن

ويجروا كابسين القطارة

يجروا باريين القطارة

لا سراب الصحراء موية

لا حجار سلوم موائد

إنتي في الغابة اليصارع

جوفوا للآهات تلكي)

 

ولا أظن أن حال الولايات خافي على هؤلاء "المدلكين" السياسيين، كما أنه بالضرورة معلوم لأهلها، لكن المقصود بمثل هذه المهرجانات، هو كسب رضاء المركز،  لأن أهل الولاية لا يعنون الوالي في شيءٍ، ولا يهمه سواء أن رضوا عنه أم سخطوا، طالما أن مصيره ليس في يدهم. و تبقى الأوضاع على ماهي عليه، لأن العطار لن يصلح ما أفسدته الانقاذ.

  • الميزانية... النظر أبعد من أرنبة الأنف

أودعت ميزانية العام2018م منضدة المجلس الوطني، بعجز فاق الـ(28)مليار جنيه،وفي حدود(4)ملياردولار. ولن ننتظر من السادة النواب غير إجازتها مع التكبير والتهليل.

سوف ترتفع أسعار الضروريات بصورة تفوق قدرة المواطن على الإيفاء بها. المواصلات سوف تتحول إلى مشاوير(قدر ظروفك) وبدلاً من حكاية نصف المشوار التي أصبحت أكثر من طبيعية بعد أن اعترفت بها الجهات المسؤولة عن الرقابة على مواقف ولاية الخرطوم، حسب تقرير المراجع العام، سوف يظهر ربع مشوار وتمن مشوار أو واحد على ستة عشر من المشوار،  ويمكن أن تصل إلى منزلك أو مكان عملك عبر الصعود والنزول من أكثر من (3ــــ4)مركبات عامة، وتصبح ملاحقة  الحافلات العامة الذاهبة إلى اماكن من اكتشاف "الكمسنجي" والكمساري عملية مضحكة ومحزنة في نفس الوقت.

أما رغيف الخبز من المتوقع أن يصل ثمن القطعة إلى جنيه ، ثم يوالي الارتفاع عبر افتعال الأزمات وتطاول الصفوف ليقبل المواطن الزيادة المضطردة في سبيل الحصول على وجبة للأطفال. ويمكن للأزمة أن تصل إلى حدود غير معقولة. كما حدث في المانيا عقب الحرب الثانية فكان المواطن يحمل رزم الأوراق المالية على كتفه ليحصل على وجبة.

 وفي الارجنتين حمل البابا السلاح ليقاتل في صفوف الشيوعيين، وحين تم استجوابه من قبل الفاتيكان، أجاب بأنه لم يجد مايفعله في وقت احترفت فيه نصف نساء الارجنتين الدعارة للحصول على قطعة خبز.

 عموماً من المتوقع أن تصل الحياة إلى درك أسفل، مما نحن فيه.  والحكومة سوف ترد بالطريقة التي تجيدها أكثر من غيرها.  فقد أجمع معظم الاقتصاديين أن لا حل للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد غير رحيل النظام، والذين يخشون المواجهة يتخوفون من مصير الربيع العربي الذي قاد إلى تفكيك بعض الدول.

 ومع أن تجربتنا في السودان مختلفة، عليهم أن يدركوا أن  الاستمرار في السياسات المالية للنظام، خاصة بعد إجازة هذه الميزانية سوف يقود إلى نفس المصير، وسوف يزداد مستوى الجريمة، ولن تكون المدن والقرى آمنة،وإذا تصور من أخرجوا  هذه السيناريوهات الكارثية أن المواطن سوف ينتظر ليقتله الجوع فأنهم واهمون.

 خلاصة القول أن هذه الازمة ستحل نفسها بالطريقة التي يراها الناس حين يخرجون في شوارع الخرطوم ويمزقون صمتهم، ولن يتوقفوا كثيراً عند النتائج. لأن من لم يمت بالسيف مات بغيره.

  • هزيمة المشروع الحضاري

كل محاولات النظام في أسلمة المجال العام وفرض أزياء معينة على أهل السودان، خاصة النساء قد فشلت.  وقامت المحاكم بشطب كل القضايا التي رفعت إليها في هذا الجانب  وثبت للقضاء أن ملابس بنات السودان حسب المعروضات التي وضعت أمام القاضي ليست فاضحة، وأن مشيتهن  في الشارع لا غبار عليها، وتحولت الدعاوى المرفوع ضد البعض إلى نكتة في الشارع ، لكنها في المقابل فتحت جدلاً سياسياً وقانونياً حول طبيعة المادة(252)من القانون الجنائي التي تتحدث عن الزي الفاضح، دون تحديد معايير لتلك الفضيحة المزعومة، وتركت تفسيرها للجهة المنفذة،  ، فقط إحدى عشر مادة يضمها قانون النظام العام تعالج قضايا لها مقابلها في القانون الجنائي، مما يجعل هذا القانون لا داعٍ له، لأنه لا يعالج نقصاً في التشريع، ويتغول على قانون الإجراءات الجنائية، وعلى القواعد القانونية، مثل:(أن يكون الاتهام فوق قاعدة الشك المعقول)  و(أن لاعقوبة بلا نص)  كما أن النصوص نفسها يجب أن تكون مضبوطة ومحددة،  وبالتالي يفقد هذا القانون صفته القانونية، ويدخل في مجال السياسة، من زاوية فرض مفاهيم دينية متطرفة عن السلوك العام، جاءت من بيئات خلوية متشككة في وجود المرأة أصلاً في المجال العام، وتقوم على فقه أن المكان الوحيد للتأكد من عفة المرأة هو وجودها في منزلها، وأن خرجت للشارع  أن تخرج وهي داخل المنزل،  وبما أن منزل العرب عبارة عن خيمة، ولذلك اعتبر هؤلاء الفقهاء أن الزي الشرعي هو "الخيمة" وهي مفاهيم رغم عوارها ، إلا أن المهم أن غالبية أهل السودان لا يتفقون عليها.  وتريد جماعات الإسلام السياسي فرضها عليهم بقوة القانون، وهذا مافشلت فيه نتيجة صمود البنات في وجه هذه الهجمة الخلوية.

 وتعاون المحامون والنشطاء والصحافيون وكل المجتمع المدني،  وفي تقديري هذه بداية الهزيمة للمشروع الخلوي الذي يطلق عليه أهله اسم المشروع الحضاري.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).