أعياد الميدان

 وذكريات طريفة أثناء صدورها من تحت الأرض

بقلم/ مكاوي محمد أحمد

بمناسبة العيد الـ63 بجريدة الميدان أحي كل الشيوعيين والديمقراطيين الذين أرادوا لها أن تكون نبراساً وهادياً ناشرة للوعي في بلادنا، سأتكلم عن الميدان في ظروف السرية تحديداً (فترة حكم مايو) عملت في مكتب الطباعة المركزي وكان يقوم بطباعة الميدان ضمن الدوريات والمطبوعات والمنشورات الأخرى.

الميدان في ظروف السرية تصدر مرة في الشهر وفي المتوسط تصدر 10ـ 11 عدد من العام. عملت في الفترة (من مارس 78 ـ ديسمبر 1980)

يقوم بتحريرها قبل الطباعة الأستاذ نقد شخصياً، العناوين الكبيرة والعناوين الجانبية يقوم بحفرها على الشمعة باشمهندس وهو فنان تشكيلي في نفس الوقت.

المكتب يضم الزميل  محمد محمود "السنجك" هو متفرغ ومسؤول عن المكتب، يقوم بتقدير الاحتياجات السنوية للورق والماكنات والاستشنري "المعدات المكتبية" وهو الصلة بين المكتب والمركز. ضم المكتب في تلك فترة 3 أفراد درسوا الأولية بمدرسة النهر بمدني، واحد درس الوسطى والثانوي بجمهورية مصر والجامعة بالمانيا تخرج مهندساً هو المغفور له مأمون الأمير، آخر درس الوسطى بمدني ورحلت أسرتهم للخرطوم ودرس بها الثانوي العالي وذهب مبعوثاً ليدرس طباعة الكتب والاستديوهات في جمهورية تشكوسلوفاكيا.

الثالث درس الوسطى والثانوي العالي بمدني وعمل موظفاً في وزارة الري وتفرغ للحزب.

أنا وآخر نساعد في الطباعة في الأشياء الصغيرة والمسؤولية السياسية والتنظيمية.

في هذه الفترة كان العمل يسير أحياناً في منحنيات وأحياناً انقطاع وأحياناً تتخلله مواقف محرجة ومضحكة سأسرد جزءاً منها.

مرة إنضرب عمل الطباعة المركزي في الخرطوم وتعطل. حول كل العمل لولاية الجزيرة، حيث كان الأستاذ عبد الحميد علي هو المسؤول السياسي، عبد الحميد هذا لا يتهاون أبداً في مسألة جهاز الطباعة، فأذكر عند مجيئه لمنطقة الجزيرة وجد جهاز الطباعة قديماً "ماكنات بأحجام كبيرة وثقيلة فأخذ يجدد في الماكنات " "طباعة ولف" فكان دائماً يختار الأجهزة الخفيفة لسهولة تحريكها واخفاءها، وطوالي أهدى الجهاز القديم لمنطقة سنار حيث كان المتفرغ فيها الاستاذ "ح غ".

تم تحويل عمل الطباعة المركزي لمنطقة الجزيرة لينجز كل عمل الحزب بالسودان ويتبع ذلك تحريك اثنين من الكادر المتفرغ وتوفير سكن مريح لهما، إستغرق بقاؤهما عاماً كاملاً بمدني، إلى أن أعيد ترتيب العمل بالخرطوم، نقلنا كادر الطباعة بعربتين كل على حدة، كان عبد الحميد حينها يسكن الحصاحيصا، من ود مدني اتفقنا على أن نتغدى في مطاعم سوق الحصاحيصا، وعند مجيئنا كان عبد الحميد قادماً من منطقة الحلاويين، وقف عند طبلية لشراء سجاير، أنا والسنجك وصاحب العربة وقفنا أمام المطعم، فإذا بشخص شايقي مشلخ بالعرض سلم على محمد محمود بأسمه ومد له يده (محمد محمود برضو مشلخ شايقي بالعرض)، والشخص في طوله ولونه وحجمه، فمد له محمد محمود يده وقال له sorry، الرشيد سحب يده وامتعض ورد بصوت منخفض معليش يا ابن العم وذهب. أثناء هذا الفيلم أشرت لعبد الحميد بأن يذهب ومع السلامة من بعيد ومن وراء الشخص، ففهم عبد الحميد وانصرف من غير أن يودع محمد محمود، فقلت لمحمد محمود الزول دا عرفك وقريبك وبشبهك فقال لي: ( انا ما عرفتو دا بيكون شايقي من زمن البوليس السري أيام عبود ) إتغدينا على عجل وركبنا، وأثناء سيرنا التفت للوراء فرأيت عربتين كندورة بتاعت بوليس تتسابقان، لفت سائق العربة وكنت أجلس جواره، فنظر في المرأة وقال : ( علي بالطلاق نوري السنجك يقوم يطفر لينا بالقزاز ويعمل لينا كارثة، قلت ليه السنجك القبيل دا عملها فينا.)

يا زول العربيتين بدل ما يقيفن أمام عربيتنا سارتا بسرعة بجوارنا إلى أن اختفتا، فجبدنا نفسنا شوية.

مرة استلمت مواد الميدان محررة بقلم الأستاذ نقد، وذهبت بها للمهندس في منطقة الملازمين، فقام بكتابة العناوين وحفرها على الشمعة وتغدينا سوياً وخرجت منه بعد ان لففتها، وذهبت لاجتماع في الخرطوم، كنت طوال ذلك اليوم أعيد صياغة تقرير سبق أن عرض على المكتب، وفي الليلة السابقة للاجتماع كنت  في كرنتينة (وباء السحائي في منطقة بيت المال ) حيث لم أذق طعماً للنوم، وواصلت النهار صاحياً، وبالمساء جاءتني عربة في مكان ما وأخذتني لمكان الاجتماع، وخرجنا من الاجتماع لنذهب لمنزل الطباعة لنبيت فيه حيث البداية بكرة، ركبت وضربني الهواء والجماعة يتونسوا ويضحكوا وأنا نمت واللفافة في يدي، فإذا بقبضتي ترتخي وقعت اللفافة خارج العربة (مواد الميدان والشمعات والتقرير وورقة محضر الاجتماع) عند وصولنا قرب المنزل نزلنا فأعتقدت أن أوراقي وقعت تحت أقدامي فلم أجدها داخل العربة، فقلت لهم يا جماعة الأوراق دي هنا ما فيشة ورجعنا.

كانت في تلك الليلة الخرطوم مقلوبة بهبوب عاتية، وفي طريقنا والعربة ماشة كل ما نشوف لينا ورقة نمشي نلقاها ما ياها، غايتو شارع الديم العمارات ساسقنا فيهو الليل كلو نساسك في الأوراق، وأخيراً قنعنا. بعد أسبوع جاء خبر يقول أن شخصاً وجد اللفافة أمام باب منزله فتحها فوجد المواد وعرف أنها أوراق تخص الشيوعيين فحملها لزميل شيوعي من أبناء الحي والآخر أوصلها عبر فرعه (طبعاً جرى تحقيق طويل وعريض وأحدث ذلك ربكة في خروج عدد الميدان وانتظار الناس لها، العدد كان يصدر شهرياً).

مرة مأمون الأمير غاب لفترة شهر ولم يظهر فتحريك المواد والكادر يتم بعربته، أحدث ذلك ربكة وأخيراً جرت محاسبته (الظاهر أخذ ليه سفرة لبورتسودان لتخليص شاحنة) وجاء يقودها بنفسه حتى الخرطوم لأن السائقين حاولوا ابتزازه وكانت هذه المرة الأولى التي يقود فيها شاحنة، المهم الانتقاد له كان من النوع التقيل وكان زعلان، ركبنا عربة كان يقودها هو بسرعة شديدة وقبل أن يدلف على شارع كاترينا في المنطقة الشمالية من السجانة يوجد مركز بوليس كبير، بنفس السرعة دخل مأمون على مركز البوليس، دلف أمام المكاتب وخرج به من حوش المركز، لم نعلق على هذا التصرف وما في زول قال حاجة، فإذا بمأمون يقول والله لو ما الواحد يخاف الله كان أسلمكم ليهم (صرة في خيط).

*مرة في اجتماع في منزل واحد من الزملاء ديل والأسرة كلها بنعرفها، أخوانو أنصار سنة، كانوا يحترمونا وكان يتم تبادل معرفة الأحوال بيننا وبينهم. بدأنا الاجتماع، فجأة أفراد الأسرة نادوا على ابنهم وأخذ فترة طويلة ما جاء، سمعنا صاحبنا دا يبكي ويردد لا يا أبوي لا يا أبوي. أنا لملمت أوراقي بسرعة وكنت أكتب المحضر فإذا مأمون الأمير سبقني لخشم الباب وباقي الجماعة ورانا، باب المنزل يفتح شمال، مأمون اتجه غرباً وأنا اتجهت شرقاً، ولدينا عربتان تركناهما أمام مدرسة ثانوية عليا للبنات، كل اثنين في عربية وكل عربية ذهبت في اتجاه وليوم الليلة ما عارفين حاجة عن الزول دا!.

أشير لملاحظة هامة وهي أنه وطيلة فترة ديكتاتورية عبود، ديكتاتورية النميري وديكتاتورية البشير كانت الميدان تصدر، وستجد أن جل عمر الميدان في الـ63 كانت تصدر بصورة سرية.       

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).