بحر الحاصل 4 يناير 2018

 موجة معارف

 التبعية والاستهلاك المفرط للطاقات

(1)

التبعية

التبعية كمفهوم فكري وثقافي هي نظام سياسي واقتصادي تخضع بموجبه إحدى الدول لدولة أخرى، مما يحرم الدولة التابعة من ممارسة كافة مظاهر سيادتها في داخل إقليمها، وفي المجتمع الدولي. بمعنى أن الدولة التابعة لا تستطيع أن تلفظ بما يخالف سياسة أو فكر الدولة المتبوعة لسيطرة هذه الأخيرة عليها.

ويراد بالتبعية الثقافية "نمط العلاقة التي تجعل بعض الثقافات تعتمد إعتماداً بنيوياً في إنتاج القيم والمعاني والأفكار والمعارف التي تحتاج إليها مجتمعاتها على ثقافات أخرى تمارس تجاهها سيطرة، سواء كان ذلك بسبب تفوق هذه الثقافات الموضوعي في مقدرتها على مثل هذا الإنتاج، أو بسبب إنعدام الثقة بالنفس لدى الثقافة الضعيفة" كما يورد برهان غليون. وقد أطلق مفهوم التبعية على العلاقة بين الثقافات التقليدية والثقافة الغربية الحديثة، ولكن التبعية ترتبط أيضاً بالظواهر التي تفرزها علاقات التبعية هذه، من إنعدام الإتساق داخل الأنساق الثقافية التابعة، والميل نحو التحلل والتفكك الثقافي.

والتبعية ـ كمشكلة وقضية ـ سبقت بشكل أو بآخر المد الإستعماري لعالمنا. وهي التي بالطبع أوجدت لدينا قابلية الإستعمار (قبل الإستعمار)، والأسباب والدلالات في هذا الصدد واضحة، فقد ظللنا ردحاً من الزمن (قبل أن يصلنا الإستعمار) نردد أقواله ومآثره في إعجاب وزهو بعلومه، وأفكاره ومخترعاته وأسمائه، وحتى كلماته. ولا شك أن الدارسين والمختصين في مجال علم الإجتماع يعرفون جيداً مدى خطورة هذه المعطيات إزاء هذا الغول ـ التبعية ـ من خلال نظرية التأثير والتأثر. فالإعجاب والإنبهار بقادة الغرب وساستهم، والتغني والتعلق بأفكارهم، وامتداح إكتشافاتهم واختراعاتهم لا ريب أنه سيترك في النفس الدهشة، ويبعث فيها الإحساس بالدونية، وبغلبة الآخر، وبالتالي تتحقق تبعية هذا المتأثر بطريقة لا يملك معها إلا أن يكون عبداً طيعاً للمستعمر... على حد تعبير (عبد الله مليطان).

ويورد (د. عمر الشيباني "التربية وتنمية الذات") أن من "عوامل حدوث واستمرار التبعية الثقافية، التعليم الضعيف والضعف العلمي والفكري، وضعف الوازع الديني، وغياب الحاكم الصالح، وغياب الحرية والعدل والمساواة، والإنقسامات العقائدية والمذهبية والحزبية..وتغليب العاطفة والخيال على المنطق".وقد ساعدت هذه العوامل في إحداث واستمرار التبعية، وفرض الهيمنة على مجتمعنا العربي، مثلما فعلت في مجتمعات أخرى. ولا حرية لشعب، مهما ادعى التحرر، لا يزال يركن إلى ثقافة الغير المستعمر، وتحكمه رؤى وأفكار غيره، مهما كان نضج هذا الغير، وتقدمه ورقيه، فالشعوب إذا انسلخت عن ثقافتها وتراثها وأفكارها، لا يمكن أن يكون لها من القوة والذات، ما يحملها على البناء واستشراف المستقبل، ولا تستطيع في انسلاخها عن ثقافتها وفكرها، والعيش والتعلق بثقافة غيرها، أن تُبدع، وتعطي في تألق متواصل من أجل الحياة والمستقبل.

 

(2)

 إقتصاد البيئة:

إتسعت الهُوَّةُ بين نظرة كل من الإقتصاديين والبيئيين للعالم ومستقبله، وازدادت عمقاً واتساعاً مع حلول هذا القرن. فالإقتصاديون حين ينظرون إلى النمو، الذي لا مثيل له في الإقتصاد العالمي، وفي التجارة والإستثمارات الدولية، يفترضون أن الأمور ستتواصل على هذا المنوال من النمو المطرد، الأمر الذي سيتيح رفع مستوى المعيشة إلى حدود لم يكن بوسع البشرية أن تحلم بها في الماضي.

أما البيئيون فيرون هذا النمو من منظار آخر، ويلاحظون أنه يأتي نتيجة إستهلاك مفرط للطاقة غير المتجددة، والمواد الأولية القابلة للنفاد، ويرون أن رمي كميات هائلة من الغازات والملوثات في الهواء والبيئة المحيطة، يؤدي إلى خلل متزايد يصعب إيقافه في مناخ الكوكب والفضاء المحيط. ويقولون بضرورة إعادة نظر جذرية في التوجه الإقتصادي تضع حداً للنزاع بين الإقتصاد والبيئة، وتجعله يتصالح معها.

إن المهمة الصعبة المطروحة بإلحاح اليوم في حقبة العولمة واقتصاد المعرفة تتلخص في وقف تدمير البيئة، قبل أن تأخذ هذه العملية منحى لا يمكن العودة عنه، وقبل أن تُفضي في نهاية المطاف إلى زوال الحضارة البشرية، بكل ما حققته من تقدم وإنجازات وذرى معرفية. وهذا يعني الإنتقال إلى ما يمكن تسميته "الإقتصاد البيئي المقترن" باقتصاد المعرفة، أي الإقتصاد الذي يأخذ في تطوره ونموه بالإعتبار متطلبات الحفاظ على النظام البيئي على كوكب الأرض ومحيطها الحيوي، مستفيداً من المستوى الراهن، الذي بلغته المعرفة، وموظفاً إنجازاتها العلمية والتكنولوجية في حرصه هذا على البيئة.

إن "إقتصاد البيئة" يفترض أن تكون القوانين البيئية الأساس لرسم السياسات الإقتصادية، وأن يعمل الإقتصاديون والبيئيون يداً بيد. وأن يتصالح الإقتصاد مع البيئة. فالبيئيون يدركون أن النشاط الإقتصادي والحياة عموماً على الأرض تتوقف على سلامة النظام البيئي، أي على مجموع العناصر والمكونات التي تتعايش جنباً إلى جنب، وتتعاون وتتداخل فيما بينها في توازن بالغ التعقيد، وتتكامل في دورات غذائية ومناخية وهيدرولوجية. في حين يسعى الإقتصاديون إلى تجسيد المهمات الإقتصادية المطروحة أمامهم على شكل خطط وسياسات طويلة الأمد. لذا من الضروري أن تتضافر جهود البيئيين والإقتصاديين لوضع تلك الخطط والسياسات في سياق يتلاءم مع المتطلبات البيئية، ومستقبل الحياة على الأرض. عندئذٍ فقط يمكن الحديث عن إقتصاد البيئة.

المصدر: د. محمد دياب.. الإقتصاد والبيئة .. من النزاع إلى المصالحة

 

موجة سخرية

ياما تحت (المواهي) دواهي!!

(مهند) طفل يتدفق حيوية وذكاء.. فقد تعودنا أن تبدر عنه تعليقات وأسئلة تحتل (عنوة) مكانها من الأنس في ذلك الزمن. ومما تميز به في تلك السن (الآن مهند شاب يخزي العين ما شاء الله) أنه يبث بقدر ما يلتقط، عكس حالة الأطفال في سنه يلتقطون أضعاف ما يستطيعون قوله. نام الطفل تلك الليلة شحيحة النسيم، لتنشط فلول البعوض، حاثة الأم للبحث في مخزن الأسرة عن (نواميس) تشدها على أسرَّة الأطفال. فكان أول ما بدر عن (مهند) صباحاً أن سأل عن كنه هذا الشئ، فقد كانت أول مرة يرى الناموسية، فأعلموه بالإسم ليلتقطه وهو غارق في الضحك الطفولي. وما أن غابت الشمس في اليوم الثاني، وأُعِدت الأسرّة للنوم، حتى صاح في أمه (أمي ويني الماهية بتاعتي؟)، ضحكنا يومها وظللنا نردد المفارقة  كلما جاء ذكر المواهي التي باتت لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من الحاجة لدى الكثيرين في هذا الزمن. وقد شبهها احدهم بـ(شملة كنيش).. الـ(تلاتية.. لاكين قدّها رباعي)، أي أن مساحتها لا تتعدى (3  x3 أذرع(، بينما يتسع الثُقب في وسطها ليصل إلى (4  x4 أذرع).. وهي (الماهية) كذلك لدى عامة العاملين، (تتباقص) عن تغطية عُشر الحاجات، في ذات الوقت الذي تزيد فيه عن تغطية الضروريات والكماليات عند أهل الحظوة.

وأذكر مفارقة جديرة بالتوثيق.. فقد حكت إبنة أحد المسؤولين أن أباها بعد عودته من الأراضي المقدسة (ضبح تلاتة أتوار)، فسألت زميلتها الساخرة الأستاذ الأكثر سخرية عن تصريف الجمع (أتوار).. وأي نوع من الجمع هو؟ فعاجلها بسخرية أكبر أنه (جمع تبذير). والأرقام تحكي عن جمع تبذير لدى كل مسؤول، أمثال من يتقاضي مليوني جنيه عن كل يوم إجازة من إجازته البالغة (45 يوماً)، ومن يتلقى بدل ضيافة (6,300).. ومرتب شهري يقترب من ثلاثة أضعاف هذا المبلغ، وبدل لبس (76) مليون في العام، بينما يمشي في الأسواق، وتحت مكاتب هؤلاء المسؤولين الملياريين من لا يجدون ما يستر عوراتهم، وبعد كل ذلك  تجد من يتسلم (بدل مسؤولية) و(يا ما تحت المواهي دواهي).

 

إني أغرق

 

(بعض المكالمات الواردة ستحول) عبارك تطالعك على شاشة هاتفك الجوال قبيل إكتمال الإتصال بآخر. في البدء تساءلنا ما مغزى العبارة، ولما لم يشف أحدهم غليل الأسئلة تولدت الشائعات، ونشطت التأويلات حد إتهام الأجهزة الأمنية بمراقبة مكالمات البعض.. ويذهب البعض إلى أنه في زمن تفوق فيه أعداد أفراد الأجهزة الأمنية أعداد أقرانهم من عامة الشعب، وتفرد الميزانيات المفتوحة لهذه الأجهزة المتعددة، يمكن أن يتم تسجيل كافة المحادثات، ويسهل بعد ذلك مراجعتها، والعمل بموجب بعضها. غير أن البعض الآخر يؤكد إستحالة تسجيل ومراقبة كل المحادثات في بلد تنفتح فيه ملايين الهواتف على الفضاء و(الفراغ)، حيث لا يمكن أن يكون لواحد على كذا مليون مما يقال أهمية تذكر، وإلا لما غرقنا في كل هذا الكم الهائل من الهموم اليومية.... وإني أغرق.. أغرق.. أغرق.

إني أطفو

 

تحولنا بقدرة قادر إلى شعب مغني... على خلفية المقولة (أضرب الهم بي الفرح) فكل يوم يخرج علينا فنان جديد، وتفرخ لنا أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة من تتخطفهم صفحات (الفراغ العويص) المناسبات، الخاصة والعامة... بما في ذلك أنشطة أهل التربية والتعليم على مستوى تنظيماتهم المدنية.. وبدلاً من (إهتبال) فرص التلاقي السنوية (تصحيح الإمتحانات) لمناقشة المناهج، وتبادل الخبرات والمعارف كما كان يحدث في السابق، تنصب السرادق ويتبارى الخطباء في تعديد مآثر التنظيمات المدنية الحديثة للمعلمين والعاملين في الحقل، ليعقبهم إنفجار الدار بالغناء.. وماذا في ذلك ما دامت الأجهزة الإعلامية تفعل في المغنين (المفرخين حديثاً) ما يتقاصر عنه دور مؤسسات التنشئة الإجتماعية.. ولأن لكل قاعدة شواذ، فهناك من المؤسسات من يحرص القائمون عليها على إبقاء جذوة الإبداع متَّقدة.. الإبداع العلمي جنباً إلى جنب الثقافي.. وإن دفنت مثل هذه الجمرات تحت رماد ما يطفو من غثاثة... وإني أطفو.. أطفو.. أطفو.

موجة أخيرة

التربية وتقدم المجتمعات

 

أوقف الأب محرك سيارته أمام دار تستضيف أطفاله منتظراً قدومهم بعد إنقضاء الوقت الممنوح للعب. جاءه الطفل المضيف يدعوه للدخول، والسلام على أسرته. كان الرجل حينها قد اطفأ سيجارته للتو، فالقانون (هناك) يمنع التدخين داخل أي مبنى، وحرّم البعض على نفسه التدخين في حضور الأطفال. سأله الطفل (أكنت تدخن؟).. أجابه بنعم، لكنه لم يرد على سؤال (لماذا؟) سوى أنها عادة قديمة ضَعُف دون التخلي عنها.. ففاجأه الطفل: (هناك عدة وسائل للإقلاع.. إلا إذا كنت غير جاد). اقتاد أطفاله وشكر الطفل (القليص) ومضى.

قلت لمن ساق لي الحكاية: لو أن هذا الطفل كان هنا، وقال نصف، أو عُشر ما قاله، لصرخ فيه الرجل (وإنت مال أهلك؟ أمشي نادي الزفت ديل.. ولد ما متربي.. بالله شوف الفنطوط قليل الأدب ده؟).. وتداولنا عدداً من الحكايات التي تشي بعدم إدراكنا لماهية التربية والتنشئة، خاصة ذات العلاقة بتغذية الوجدان الوطني، ومردود ذلك على أطفالنا، واحساسهم تجاه ما يجري حولهم. واتفقنا أن إفرازات هذا العطب التربوي تتجلى في ما نراه من تخبط سياسي، ودونكم ما كان وما هو كائن بشأن التربية والتعليم تحديداً، من تفريغ لمحتوى المؤسسات التربوية وتحويلها إلى مؤسسات ربحية، يعتريها ما يعتري السوق من صور فساد وإفساد. ألا يذكرون أنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل هذا المواطن الذي تعلموا بالداخل، وابتعثوا للخارج على حسابه، وهاهم يجازونه على ذلك بتهديم المؤسسات التي رضعوا من ثديها حتى (الترع).. أي جحود هذا؟ لماذا يفقدون من أكسبهم ذواتهم كل يوم قدراً ليس بالهين من نفسه، وثقته بالآخر، ومن موارده، ومستقبل أبنائه، من أرضه، ومنابع الخير في وطن قارة يعملون على تمزيقه دون أن يرف لهم جفن؟ وها نحن في كل ساعة نَحٍنُّ لمكتسباتنا التي فقدناها نتيجة لهذا التحول التربوي والتنموي الذي اتسمت به هذه الفترة العصيبة من تاريخنا.

يقولون أنه إذا كان لكل عصر سمات ثقافية وحضارية، فإن أهم ما يتميز به عصرنا هذا هو أنه عصر التنمية التربوية، حتى لقد وصف المجتمع الحديث بأنه عبارة عن مدينة تربوية كل ما فيها من مواقف وخدمات، يضع نصب عينيه تربية الجيل الصاعد، باعتبار أن تربية الشعب هي المسؤولة عن تقدمه وتخلفه، فقوة الأمم لا تكمن في الكنوز المدفونة في أراضيها، أو في الذهب الذي يملأ خزائنها، بقدر ما تكمن في رأس المال البشري. في هذه القدرة على التي تنمو رأسياً وأفقياً. فمن المسؤول عن إعداد وتربية الأجيال؟

هل تقتصر المهمة على المدرسة فحسب؟ أم هي قضية تفاعل مختلف القوى من أشخاص، ومؤسسات في المجتمع؟ وماذا تعني هذه العملية الدينامية؟ وما دورها في الإعداد والتكوين والبناء في ظل الصراع الحالي بين الحضارات، والذي لا تكون الغلبة فيه إلا للدول التي تهتم بتربية أبنائها مسايرة للتقدم التكنولوجي والعلمي، محافظة على أصالة الشعب وانفعاله مع بيئته الجغرافية والإقتصادية، مساعدة إياه على استعمالها، والسيطرة عليها. وتذكرت أستاذ الأجيال، والتربوي المطبوع المرحوم (عصام حسونة) حين كان ينادي في إطار التربية البيئية، أنه يلزمنا الإلتفات أولاً إلى ما أسماه (التربية المواطنية)، لأن المواطن المسؤول هو من يدرك حقوقه ويؤدي كل واجباته، وتلك هي معادلة المواطنة المسؤولة، وهو ـ أي المواطن المسؤول ـ قمينٌ بالحفاظ على موارده. مسؤول عن سلوكه البيئي.

رحم الله من قضوا يغرسون التربية المواطنية، ويؤسسون للتنشئة الوطنية في بلادنا.. ولأجيالنا اللاحقة (رب يحميهم) مما فعل المفسدون في الأرض. الذين لا ندري من أين جاءونا بكل هذا الغل.. زرعوا حقدهم وفسادهم، وهم يظنون أنهم يصلحون.. وهل يأتي الصلاح إلا ممن هو صالح لنفسه والأقربين؟؟

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).