"عركي أمام محكمة الردة الفنية"(2/3)

هل تنزلق كوميديا عوض شكسبير إلى زَبَد الجمالية الطفيلية وحضيضها؟

  • عبد الجبار عبد الله

في ذات السياق الذي كتبتْ في مقالي السابق، أعودُ من حيث وقفتْ لمواصلة ما انقطع من حديث وأفكار حول القضايا ذات الصلة بموضوع هذه المناقشة. وهي قضايا -في مبتدئها ومنتهاها- من صميم مبادئ حقوق الإنسان وديمقراطية الثقافة وحق التعبير الفني الجمالي للفنانين والكتاب في شتى ضروب الفن وألوان الكتابة الإبداعية وغير الإبداعية، كونها جزءا أصيلا ولا تنفصم عراه عن مبدأ حرية التعبير وحرية الفكر. وهو ما لا يمكن اختزاله أو ابتساره في الأفق الضيق المحدود لمناقشة مادة الفيديو الذي أنتجه عوض شكسبير حتى نجد أنفسنا غارقين في "فنجان موية" ولا تكون محصلتها النهائية سوى انتصار أو هزيمة لأحد الطرفين مع/ضد عوض. فمثل هذه المعادلة هي التي تسد أفق النقد الذي يضيق أمامه صدر النظام ومؤسساته وقنواته الإعلامية، لا صدور الحادبين أصالةً على صون حقوق الإنسان وحرية التعبير في أرحب معانيها وممارستها الحقة، لا الصورية. وفي ذلك كله، فإننا نستند إلى مادة شريط الفيديو نفسه وهذا اللقاء التلفزيوني الذي تلاه.

وما دام مذيع هذا البرنامج التلفزيوني -الذي سيلازمني مثل ظلي طوال هذه المناقشة- قد "دقّ صدره" مشكوراً وأكدّ حرص الإعلاميين على امتلاك الحقيقة كاملة فيما يتعلق بموقف عركي، فليتسع صدره لنا كثيرا لأن الرياح قد لا تأتي بما تشتهي السفن دائما كما يدري. وأول تلك الرياح هذا المقال الذي ليس خاتمة لها بطبيعة الحال. تجدون فيما يلي الرابط https://www.youtube.com/watch?v=f7myg4X0Cdg

 

للبرنامج التلفزيوني المذكور وأرجو إيلاءه عناية فائقة لأن حوارنا هذا لا يستقيم بدونه. ولذلك السبب، وحرصا على ألاّ "أقوِّل" أي من المتحدثين فيه ما لم يَقُل، فقد أمضيت وقتا طويلا في تفريغ مادته كتابةً.

 

وبذات الحرص على استقامة منهج النقد، استثمرت وقتا ثمينا وضروريا في مقالي هذا حتى لا يكون الحكم النقدي النهائي الصادر على فيديو عوض شكسبير مجرد حكم قيمة  value judgement أي بلا أسانيد وأدلة وقرائن وبراهين وتحليل نقدي عميق للعمل قبل معايرته نقدياً.

  • تنازُع الشكل والمضمون :

وفي مقام اللجاجة الكلامية التي أحاطت بتحليلي لعلاقة الشكل والمضمون في فيديو عوض شكسبير ومدى صلته بحرية التعبير -وهو ما نراه جليا في الحوار التلفزيوني هذا- خطرت إلى ذهني تلك اللجاجة الأثرية الشهيرة في تاريخ الأدب العربي، التي ردَّ عليها الشاعر أبو تمام عندما سئل "لماذا لا تقول ما يُفهم يا أبا تمام" فجاءت  إجابته استنكارية صاعقة:  "ولمَ لا تفهم أنت من الشعر ما يقال يا أبا سعيد"؟  فما أردتُ قوله في "شعر النقد الفني" هنا لمزيد من الإيضاح وخروجا عن المماحكة واللجاجة التي ستغرقنا في فنجان الماء، هي أن الخلاصة النقدية التي توصلتُ إليها من تحليلي لمادة الفيديو أنها ذات عنصرين ومكوّنين، هما الشكل والمضمون مثلما هو الحال في جميع الأعمال الفنية. وبما أن شكل التعبير الفني في الفيديو هو "التعبير المسرحي" افتراضا، فهو ينتفي منه ولا ينطبق عليه بما أوضحت بتفاصيله في مقالي السابق. وبذلك لم يعُد هناك "تعبير جمالي كوميدي" يُنسب للفيديو كي ندافع عنه أو نختصم عليه في الأساس. غير أن ذلك لا ينفي أن لعوض رأياً يود قوله، وهو مضمون رسالته التي أخفق في إيصالها فنياً وجمالياً، بل أساء إلى فنه وذاته بتلك المحاولة في واقع الأمر. فما المضمون الذي تبقّى لعوض، عارياً مجرداً عن شكله الفني؟

هذه هي الإجابة كما فرّغتها "حرفياً" من شريط الفيديو:

"الآن أنا ما عندي إحساس بالغُنا

لكن اليورو بيحلها، مشكلتي اليورو بيحلها

الآن أنا... تقصد شنو؟ تقصد شنو؟

مشكلتي اليورو بيحلها.. وما عندي إحساس بالغُنا...

أحيّ يا اليورو."

يشد انتباهنا لغوياً ومسرحياً "تأكيد" عوض على اليورو و"مشكلتي" و"بيحلها" في توازٍن وتكرارٍ وتردادٍ بايخ سخيف للثيمة الأساسية "أنا ما عندي إحساس بالغُنا".  والغاية كما أراد، هي أن عركي لا يغنّي إلا لليورو وفي مقر الاتحاد الأوروبي، أما جمهوره من عامة "الرجرجة والدهماء المقطّعين" فلا شأن له بهم ولا هو "فاضي ليهم" لأن جيوبهم أفرغ من بطونهم الخاوية، فلا يرجى منهم مليم واحد أحمر!

وهذا هو المعنى الذي التقطه المذيع موجها به سؤالا إلى الأستاذ حسين ملاسي: شكسبير قدح في شخص الرجل ووصفه كأنه يسعى إلى المال، وأن مبادئه قد تركها من أجل اليورو تحديدا. كيف نقدر نقول أنو دا حرية تعبير، وهو قدح في الشخصية وكأنو بيحرق فيها يعني؟

حسين ملاسي: لا زالت في الإطار بتاع حرية التعبير. وعلى حسب الكلام القالو الأخ البراق، كل الأمثلة القالها للحفلات العملها عركي في نيروبي، في قطر، في أمريكا وما فيش حفلة منهم في السودان. فدا بعزّز نفس وجهة النظر الطَرَق عليها عوض. الفكرة المركزية للفيديو إنو عركي ما بيغني في السودان لجمهوره!.

وبالمثل تعجبتُ أيّما عجب وأنا أرى الأستاذ حسين ملاسي ينبري بصفة القانوني ليجيب عن سؤال المذيع مقدم البرنامج الذي سأله عما إذا كان ممكنا أن يشكّل ذلك أساسا لإثارة اتهامات قانونية بحق عوض شكسبير، في استجابة لتعليق الأستاذ البراق النذير الوراق. صُعقت لملاسي وهو يرد بثقة القانوني الواثق الضليع: أنا بدّعي أِّني قانوني ومُجاز في القانون. ما بفتكر أبداً ممكن تكون في مساءلة قانونية لأنو لو واحد ادّعى في اسكتش أو كاريكاتير أو كده، فلان أخد مبلغ بكاش بينما المبلغ مكتوب بشيك، ما حيكون في فرق في المعنى. فالفرق كله في إنو غناء بمقابل في حفل معمول للاتحاد الأوروبي من جهة، مقابل عدم الغناء للجمهور البترجّا عركي كل مرة يعني عركي غنّي لينا، والتظاهرات البتحصل دي تترجّاه أنو يغني ويعود للغناء.

 

  • خدعة التمويه الفني:

سأعود لتفنيد هذا الفهم التبسيطي المُخل لمعنى قصيدة عركي ولمجمل موقفه في موضع لاحق في حينه. ولكن فلننتبه الآن بشدة إلى فكرة استخدام الفن لتفادي المساءلة القانونية " لأنو لو واحد ادّعى في اسكتش أو كاريكاتير أو كده..إلى آخره".  والشاهد الآن أن ادّعاء عوض بحق عركي قد أصبح ادّعاء عارياً "ملوص ساكت" بلا اسكتش ولا كاريكاتير ولا يحزنون. يا أستاذ ملاسي، إن لعركي -إن شاء- أن يلجأ إلى القضاء وأن يأخذ حقه قانونا، ولو من باب الاعتداء على نص شعري كتبه وشوّهه عوض شكسبير واستخدمه دون إذن من مؤلفه. هذا من حقوق عركي بموجب قانون الملكية الفكرية. ودعك عن حقه في القذف وإشانة السمعة التي لا مراء فيها. أليس هذا بعضُ ما يمليه عليك الضمير القانوني المدافع عن الحقوق كل الحقوق، بما فيها حماية الملكية وصون أعراض الناس وكرامتهم الإنسانية التي ينهى "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" عن تحقيرها والحطّ منها؟

  • الطفيلية الجمالية وإقصاء المبدعين:

إلى مغزى الطفيلية الجمالية ندلف الآن لنرى كيف ينزلق الفنان إلى غثائها وحضيضها.

هنا نخرج من "فنجان موية" عوض شكسبير لندخل إلى صلب الموضوع الأساسي وجوهره.

"الطفيلية الجمالية" مصطلح نقدي جمالي نحتّه من عندي في وقت باكر من عهد الإنقاذ يعود إلى عام 1990. وقد أردت به وصف أشكال التعبير الفني والأدبي الغُثاء التي أفرزها المشروع الثقافي للدولة الدينية في السودان في ظل نظام الإنقاذ الحاكم منذ عام 1989. والفكرة التي يقوم عليها هي أن رأس المال الطفيلي العاطل وغير المنتج اقتصاديا، ينتج نمط وعيه وأنموذجه الثقافي الطفيلي العاطل عن الإنتاج ثقافيا ومعرفيا وجماليا. وألاّ سبيل لهذا الأنموذج سوى "المحاكاة" الطفيلية الشائهة لمختلف أشكال المعرفة التي منها الفن والتعبير الجمالي. ومثلما يفتح الطفيليون المغالق والمطاعم وشركات الاستثمار الطفيلي ويضاربون في رؤوس الأموال، فإنهم يعملون أيضا على استنساخ شتى أشكال المعرفة، بما فيها أشكال التعبير الفني الجمالي بعد مسخها وتشويهها وحشوها بمضامين وقيم الثقافة الاستهلاكية الطفيلية الفجّة، وبما يلبي متطلبات واحتياجات وجدان الكائن الطفيلي المشروخ. وبذلك، يحرص هذا الأنموذج كل الحرص على فعل "الإزاحة الثقافية – بأثرها الفيزيائي- لكل ما هو أصيل ونقيض لذلك الأنموذج.

وأرى أن هذا هو المدخل النقدي الذي سيعيننا على تحديد السياق الثقافي السياسي الاجتماعي الذي ننظر من خلاله إلى محنة عركي البخيت وغيره من فناني بلادنا وكتّابها ومبدعيها على امتداد سنوات الإنقاذ الطوال العجاف. إذ كيف يمكن النظر إليها بغير ذلك وهي محنة لحمتها وسداها الصراع الاجتماعي السياسي المتصاعد والمحتدم حول حقوق الإنسان وحرية الفكر والتعبير والضمير، بما فيها حرية التعبير الجمالي الإبداعي

إن ما يريده لنا صديقنا عوض شكسبير، وكذلك الحلقة التلفزيونية المشار إليها آنفا -بل والترسانة الإعلامية لنظام الإنقاذ كلها- أن ننظر إلى غياب عركي عن جمهوره في السودان كما لو كان "غياباً اختيارياً ذاتياً" وأنّ عركي قد ابتعد عن جمهوره داخل السودان بمحض اختياره وإرادته. لا أستبعد أن يكون عوض قد وقع في هذا الفخ دون وعي واحتراز منه، وبالتالي دون قصد منه أن يكون جزءا من الخط الدعائي الإعلامي للإنقاذ. ربما، غير أن ذلك لا يعفيه من حقيقة الاندغام فيه عملياً على أية حال. وأعيد هنا ثانية رد أبي تمام الاستنكاري على السؤال الموجه إليه: "ولم لا تفهم أنت ما يقال  من الشعر يا أبا سعيد"؟

والمقصود بفهم "الشعر" هنا -في مدلوله الثقافي الاجتماعي السياسي - هو لماذا يلح علينا نظام الجبهة الإسلامية القومية -لا يهمني كثيرا جلد الثعبان والمسميات التي يرتديها ويخلعها كل مرة حسب الحاجة وبما يمليه عليه فقه الضرورة-  ألاّ ننظر إلى واقعنا في عمومه وشموله وكلياته، وأن ينحبس الأفق والنظر عِوضا عن ذلك، إلى ظواهر الواقع الماثل أمامنا، والذي هو واقعٌ من فعل سياساتها وممارساتها هي- وكأنها ظواهر وأحداث فردية اعتباطية معزولة ومجتزأة من بعضها البعض؟ من قال أنّ عركي ظلّ "مشحوطاً" واقفا وحده على طرفٍ منزوٍ على الرصيف أو قارعة الطريق منذ انقلاب الإنقاذ، بينما تتلألأ وتسطع في سماء ليل الطفيلية الجمالية الكالح أنجُم ما كان لها أن، ولا حتى في خيال المجتمعات والأمم والشعوب؟ لننظر هنا في مجال المسرح ابتداءً.

فمشكلة مَنْ مِن الفنانين المسرحيين نناقش، بينما يجلس على الرصيف مُبعداً منتبذا ركنا قصيا فرضته عليه سياسات الإنقاذ أستاذه الفنان المسرحي العملاق محمد عبد الرحيم قرني، الذي هو أيضا من أميز من يدرّس مادة التمثيل والإخراج المسرحي في أي مؤسسة أو أكاديمية علمية متخصصة بحق، وإلى جانبه الرشيد أحمد عيسى وقاسم أبو زيد، والعشرات من خيرة الممثلات والمسرحيات، فضلا عن أستاذنا جميعا هاشم صديق..وغيرهم مما لا يسع المجال لذكرهم. وفي المقابل تصعد إلى السماء أسماء أنصاف الفنانين وأرباعهم عبر استكتشات الكوميديا الهزيلة الرثة البائخة، وأرتال مروجي النكات العنصرية التي تبث مختلف أصناف السخف باسم الفن والفكاهة والدراما. بل أين المسرح القومي نفسه؟ أين تبخرت المواسم والمهرجانات المسرحية؟ هل باختيار المسرحيين يا ترى أم بفعل فاعل؟ واسألوا بربكم السني دفع الله ومصطفى أحمد الخليفة ومحمد نعيم سعد في فرقة الأصدقاء، أسألوا أعضاء فرقة الهيلاهوب بأي ذنب طوردوا وحوربوا واُعتقلوا وتم استدعاؤهم مرات ومرات إلى أجهزة الأمن. ولكم أنت محظوظ يا صديقي "تروِس" تصول وتجول هناك في عوالم "الكوميديان الفرد" المبدع الذي تخلقه وتبنيه بكامل حريتك من ثياب "حاجة المؤتمر الوطني" وما إليها وحولها من مسخٍ وتشويهٍ و"قرف"، مستظلاً بنسائم الحرية التي تتيحها لك مدينة لندن. ولكن هل كان ممكنا أداء هذا الدور في السودان؟ عندها تكون محظوظا إن لم يبتلعكما الغول معا أنت و"حاجة المؤتمر الوطني بتاعتك دي". أُدرك قيمة وأهمية ما تفعل. فأنت أذكى ممن يتهافتون وينحدرون بفنهم عموديا إلى قاع حضيض الجمالية الطفيلية وغثائها. ولكنّ لا مناص من الحذر والاحتراز إن كنت تعتزم السير في هذا الطريق الوعر المحفوف بالفِخاخ وبالمخاطر والصعاب.

  • أنا ما عندي إحساس بالشعر!

وفي مقام الشعر هل كتب محمد طه القدال قصيدة قال فيها أيضا "أنا ما عندي إحساس بالشعر" وبذلك صاغ له "مبدأ حنبلياً" بمقاطعة جمهور شعره الواسع العريض في السودان؟ كان شاعر الشعب محجوب شريف منفيا محبوسا وراء القضبان، وكان هناك أيضا زميله الشاعر كمال الجزولي، كان عمر الطيب الدوش منفيا مشردا من مملكة الشعر -التي كان وما زال أحد نواصيها الراسيات- شقياً  طريداً من عمله في معهد الموسيقى والمسرح حتى لحظة وفاته، كان حميد والياس فتح الرحمن ومحمد مدني وهاشم صديق ونجاة عثمان ورقية وراق وغيرهن بعيدين عن دوائر وقنوات الإعلام الرسمي، وكذلك كان أزهري الحاج وعاطف خيري والصادق الرضي وحافظ محمد خير وغيرهم ممن لا يسعهم المجال. ولكن في مقابل تغييبهم وحبس أنفاسهم وإحصائها من قبل جهاز الأمن وعسس الليل، كانت هناك روضة الحاج شاعرة الإنقاذ وأندادها الذين يدفعون بشبابنا في الجامعات والمدارس الثانوية إلى أتون محرقة حربهم "الجهادية" في جنوب السودان.  وقد سطعت أنجم هؤلاء عبر برنامج شعري وُلد ميتا أسموه حينها "شعراء بلادي". أذكر جيدا أنني نظرت إليه فلم أر شاعرا ممن أعرف، فقلت لنفسي يا ترى هل أنا مواطن في بلاد الواق الواق، أم أنّي الآن مقيم في بلادي التي اسمها السودان ويتحدث باسمها هذا البرنامج؟

فانظر كيف انتابني شعور عميق بالاغتراب -بمعناه الفلسفي- عن وطني الذي خُلقتُ له مثل سيجارة البرنجي المكتوب على علبتها "صُنعت خصيصا للسودان". هذه هي العبارة المحببة التي كان يصف بها صداقتنا المشتركة محجوب شريف. فهي ملكٌ له وحده بلا منازع وتظل كذلك في حضوره شعراً وإلهاماً وروحاً وجمالاً رغم غيابه جسدياً عنّا.  فتأمّل كم من مثقفي السودان ومبدعيه ينتابهم ويؤرقهم هذا الشعور المُمِض كل يوم ويوم. بل إنه الشعور نفسه الذي يدفع عددا لا يستهان به من السودانيين إلى الفرار من وطن لم يعودوا يشعرون بأنه ملكٌ لهم وينتمون إليه، ما أحالهم قسراً ورغما عنهم إلى "مغتربين" منفيين داخليا. "أنا ما عندي إحساس بالغنا رغم الغنا الجواي كتير".

وأين أنت من مقررات كليات الآداب في بلادنا يا الطيب صالح، منذ أن دمغوا رواياتك وأدبك بعدم توافقهما مع التوجه الحضاري للأمة، وطردوك أنت واتحاد الكتاب السودانيين شرّ طردة من داركم العامرة التي أنشأتموها في المقرن لتصبح مقرا لاتحاد الطلاب السودانيين الموالي للنظام؟ وبما أن التداعيات تترى والكلام يسوق بعضه بعضا: أين فرقة الفنون الشعبية؟ هل أصابتها لعنة عبد الله دينق نيال، ذلك الإبن العاق لقبيلة الدينكا، الذي سرعان ما تنكّر لتراث أهله وتعالى عليه واحتقره بعد أن لبس العمة والجلباب وتأسلم واستوزر مع مستوزري الإنقاذ فما ارعوى عن وصف رقصات فرقة الفنون الشعبية بأنها رقصات خليعة ومسيئة للإسلام، وأن على الراقصات إن أردن أن يرتدين زيا إسلاميا؟ بالله أنظر كيف تكون "لغوسة" الرقص في تناقضها مع التراث والأزياء إن أذعنت الفرقة واستجابت. فهل من خيار آخر أمامها سوى أن ينفض سامرها وينفرط عقدها! فما لم يقع من سياط الإنقاذ و"حسبو نسوان" على ظهور النساء تحت أحكام قانون النظام العام سيء الصيت، يقع على ظهور الراقصات والفنانات منهن في شكل قرارات ذكورية مغلظة تعيدهن قسراً إلى "الخدور" والمخادع وبيوت الطاعة. فثقافة التمييز ضد المرأة وقهرها واضطهادها ظلت ركنا أصيلا من أركان التوجه الحضاري ومشروعه الثقافي الطفيلي الغُثاء.

 

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).