حكاوي معتقل شالا ومهرجان الفرح المعتمد

بقلم الأستاذ/ سامي طه إبراهيم

هذه الوقائع والأحداث حصلت في زمن السفاح نميري في الأعوام 77، 78،79 بدايتها أحداث حدثت في سجن كوبر إبَّان أحداث ما يسمى بـ"الغزو الليبي" أو "أحداث المرتزقة" وكلها مسميات للعملية العسكرية التي قادها الضابط محمد نور سعد، لتخطيط وتنظيم مجموعة أحزاب اليمين المتدثرة برداء الاسلام السياسي "الجبهة الوطنية".

كنا وقتها مجموعة من الشيوعيين موزعين بين أقسام الشرقيات والغربيات والحوش داخل السجن العتيق كوبر. وكالعادة بعد التمام الصباحي ما بين الخامسة والسادسة صباحاً دقت الصفارة عالية نبهت المعتقلين أن هناك حدثاً ما سيحدث. وحضر الضابط ومعه مجموعة العسكر وامرونا سريعاً أن نأخذ حوائجنا ونصطف لأننا مرحلون إلى سجن آخر في مدينة أخرى وليس إلى ولاية أخرى كما هو الحال الآن لآن هناك أعداداً مما يسمى بمرتزقة الغزو سيحلون مكاننا  في كوبر. وسرعان ما اخذونا في "الكوامر" المتهالكة إلى مهبط الطائرات,الذي يربط بين القيادة العامة ومهبط الطائرات بها وسجن كوبر وتحت الحراسة المشددة. أدخلنا الطائرة وكان عددنا وقتها 46 معتقلاً وبعد أن أخذنا أماكنننا حضر إلينا الكابتن ليطالبنا بربط الحزام. وعندما اقترب مني لم أكن أصدق ابداً أن قائد طائرتنا هو الكابتن "عبدالحميد حيدربي" وبين لحظات عمق واندهاش وعدم التصديق طايبني وسالمني كثيراً وسألني إلى أين؟ وأجبته لا نعرف وأكد أنه سيعرف ويعود لي وعاد مسرعاً ليؤكد أن التعليمات صدرت بالذهاب إلى الفاشر, وسرعان ما سرى الخبر بين الزملاء وأفاد البعض أن شالا بها سجنان "سجن الخير خنقه" وبناه السلطان علي دينار ويقع وسط البلد وسجن شالا وهو الأحدث ويقع خارج الفاشر بساعة. ووصلنا مطار الفاشر ووجدنا أيضاً كومراً متهالكاً في انتظارنا ليقلنا إلى سجن شالا. وبعيداً عن أعين المواطنين والسكان بطريق خارجي بعيداً عن المدينة حتى لا يسمع السكان هتافاتنا التي كانت تنادي بسقوط نظام السفاح. شالا سجن بعيدٌ تتوسطه وتحيط به قيزان الرملة البيضاء الناعمة لا مباني، لا أسواق، لا حياة عدا بيوت العسكر وأسرهم الذين يحرسون السجن. بني في وقت حكومة عبود وشاسع كبير به بئر واحدة يشرب منها المعتقلون السياسيون والسجناء بمختلف ظروفهم واحكامهم وعسكر السجن وأسرهم. شالا بها طقسان لا ثالث لهما صيف حار جداً وشتاء بارد جداً وكان التكيف مع هذا الطقس من الصعوبة بمكان. يضم بين دفتيه أعداداً كبيرة من السجناء والمعتقلين السياسيين ، وفي ركن قصي توجد عنابر المعتقلين كل مجموعة ذات لون سياسي وتوجه معين. لهم عنبر خاص تم حشرنا نحن الشيوعيين وان لم تخني الذاكرة فعددنا 19 معتقلاً وعند تقدم دخولنا واغلاق باب العنبر انبرى الزميل حسن قسم الله أمد الله في أيامه وطلب منا نحن الشباب أن نحفر هنا في منطقة حددها بعد ان حسب بايقاع اقدامه 11 خطوة. واجتهدنا بكل قوانا ليخرج "راديو عتيق" ملفوف بشوال. وهنا تتجلى قدرات الزملاء التأمينية العالمية ما أروعهم! كنت أصغر المعتقلين وكان عمري قتها 24 عاماً وكان معنا وقتها الاعمام الأشاوس والأكبر سناً وبوصلتنا في هذا الركن النائى من وطننا الحبيب العم عباس علي، سليمان حامد، حسن قسم الله، محمد عثمان محجوب "شكاك، خليل اليأس، د/عبدالقادر الرفاعي، د/فاروق مصطفى، حسن دفع الله، بخيت مساعد، محمد سيد احمد، كمال يعقوب، حسن خالد، الرشيد، الفاتح أبو رفات، السر النجيب، الخاتم عدلان، عباس الطاهر وربما آخرين لم تسعفني الذاكرة باستحضارهم . هذه الكوكبة بعضهم قضى نحبه والبعض ينتظر وما بدلوا تبديلا. ومن تبقوا مازالوا يقاتلون في صمت. شالا سجن مظلم ظلاماً دامساً. المساحة خارج العنبر كبيرة وبها راوبة نطبخ ونأكل ونمارس نشاطاتنا تحتها. سريعاً تكون المكتب القائد ووزعنا المهام، وفي شالا كل مجموعة تشكل فريقاً له يوم معين ويتكون من عدد من الزملاء يقومون في يومهم بالطبخ والغسيل والنظافة. وعلى عكس كوبر التي كان يسيطر ويهيمن عليها الأمن. كانت إدارة السجن تسلمنا موادنا التموينية لنطبخ لوحدنا. كان التنافس شديداً بين المجموعات وكان أحلاها وأمتعها إخراجاً وإعداداً مجموعتنا التي كانت تضم الزملاء د/الرفاعي، د/فاروق مصطفى، خليل اليأس، محمد سيد احمد وشخصي وكنا نطلق على نبطشيتنا "مهرجان الفرح المغلف " لأنها كانت الأفضل بامتياز.

تفتقت عبقرية العم عباس علي والخاتم عدلان من صنع الشطرنج من لب الرغيف أحدهما لون بالفحم والآخر ترك على بياض لب العيش وكنت محظوظاً إذ سرعان ما علماني لعبة الشطرنج ، كنا نستعد استعداداً خاصاً يوم الذهاب إلى مستشفى الفاشر نلبس ونتهندم بأفضل ما عندنا من ملابس لأننا سنقابل بعضاً من الزملاء وبعضاً من الحسناوات. يوم له نكهة وطعم خاص وهو يوم الترفيه والتغيير وشحذ الهمم وتجديد المعنويات.

داخل شالا كانت لدينا مساحة من الزمن للمشي والدوران داخل سور السجن من الرابعة وحتى السادسة مساء لتفعل الشمس فعلتها فينا وتمدنا بالكالسيوم والطاقة. كما يجب أن أذكر بالعرفان والامتنان مدير السجن محمد عثمان والضابط حجازي الذان أحضرا لنا كرة وشبكة ويمارسون معنا كرة "الفول بول" والقدم وكانوا أقرب إلينا نحن الشيوعيين من بقية تنظيمات الأحزاب الأخرى. ومن الروايات التى كانت رائجة وقتها ويراد بها تخويف السجناء والمعتقلين السياسيين حتى لا يفكروا في الهرب تقول أن سجيناً محكوم عليه بالاعدام استطاع كسر شباك زنزانته وهرب وعند تجريد الحملة والبحث عنه وجد على بعد مئات الأمتار من السجن ميتاً ولسانه خارج فمه وكان السبب في وفاته العطش. وكان في السجن ترزيٌ صديقٌ لنا نحن الشيوعيين ودوداً اسمه "عبدالله تشكا"  "من اغنية تشكا، التي كانت سائدة وقتها" يقوم بحياكة ما تمزق من ملابسنا ويعيد تأهيلها ثانية وكان البرنامج الحزبي مليئاً بالبرامج الثقافية والأدبية والفنية حيث اعتدنا على عمل سهرات غنائية ترفيهية باستمرار فتلاً  للوقت وكسراً لحاجز الرتابة والملل كان "الكميون" ولمن لا يعرفه هو خزينة بيت مال الشيوعيين على مر الدهور واختلاف السجون. حيث توضع امانات كل الزملاء من المواد التموينية والسجائر والفاكهة وخلافه التي يرسلها الاهل والاصدقاء. وهذا الكميون عادة يشرف عليه زميلان ومحتوياته تنتفي منها الخصوصية لتصبح حقاً عام مشاع للجميع. كانت الزيارات نادرة للبعد المكاني والزماني لشالا وكما أذكر زارنا الفنان القامة عليه الرحمة "وردي". ويزورنا باستمرار الزملاء من مدينة الفاشر متفقدين أحوالنا.

 وأذكر من خيبات وتقاعس الأخوان المسلمين بين كوبر وشالا عندما نعلن الإضراب عن الطعام وهو السلاح الوحيد والمجرب لدى المعتقلين السياسيين لتحسين بيئة وظروف الاعتقال والمعتقل وتحسين الخدمات وتحقيق المطالب يتم الاتفاق بين مكونات المعتقل من مختلف الأحزاب على الإضراب عن الطعام إلا أن جماعة الإسلام السياسي يمتنعون وحجتهم أن الاضراب عن الطعام يعذب النفس وربنا نهى عن تعذيب النفس هكذا وبكل بساطة يمتنعون وبكامل الانتهازية يقفون متفرجين وعند تحقيق المطالب تطبق إدارة السجن الاصلاحات على كل المعتقلين السياسيين وتأتيهم بإرادة كما يقول المثل أو المقولة "عفا الله عما سلف" واستروهم فمن ستر مؤمناً ستره الله" فهذه تقال وتردد عند الأحداث الجسام التي تلم بهم. وهكذا هم دوماً، كان الأمير "الحاج عبدالرحمن" من حزب الأمة رجلاً ودوداً هاشاً باشاً مناضلاً بحق وكان قريباً من الشيوعيين وصديقاً لهم  وهو الآن مريض نسأل الشفاء العاجل.

عن شالا يطول الحديث وتترى الذكريات إلا أنها والنسبة لي تجربة ثرَّة ومفيدة أعادت صياغتي فكراً وعملاً وتنظيماً وشحنتي بكم هائل من قوة الاحتمال والصبر, وعرفتني برجال أقوياء ذو بأس شديد لهم الإنحناءة.وآخر مشاهد شالا عندما تم اطلاق سراحنا بعد 19 شهراً من الاعتقال رفض جهاز أمن نميري اعادتنا إلى الخرطوم وقضينا ستة ايام جميلة ونضرة في الفاشر لا تمحوها الأيام قام الزملاء وأصدقاء الحزب بتأمين عودتنا إلى الخرطوم.

أسرد هذه الأحداث والوقائع قاصداً الزملاء والزميلات الشباب والطلاب والطالبات والمناضلون من أبناء شعبي أن لا بديل غير طريق النضال مهما طال التشريد والتعذيب والإعتقال للخلاص من هذا النظام الفاسد الذي أذل وأجرم في حق شعبنا كثيراً.         

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).