الخرطوم تُمزِّقُ  صمتها

حينما ظهر خطاب السكرتير السياسي للحزب الشيوعي بالعاصمة القومية في وسائط التواصل الاجتماعي، والمقدم إلى رئاسة الشرطة الولائية يخطرها فيه برغبة الحزب في تسيير موكب سلمي إلى حكومة الولاية ليسلم من خلاله مذكرة ضد ميزانية 2018م كانت في الواقع اكتملت استعدادات أكثر من(4)أشهر من العمل المتواصل حتى تخرج الخرطوم وتمزق صمتها،  وتهتف في ليل الدجى. فعاشت الأسافير أسبوعاً ولا يشغلها إلا التعبير عن شوق دفين لمعانقة الشارع، وإلتقت إرادة الفاعلين السياسيين والناشطين الاجتماعيين لتضع الثلاثاء16يناير في المكان الذي يليق به إلى جانب أيام الشعب الخالدات.

  • اليوم الموعود:

وقبل أن تكمل الشمس استدارتها في كبد السماء كانت المدينة قد لبست حلتها المعروفة، والتي تحتفظ بها لمثل هذه الأيام، حيث توافد رموز المجتمع المدني والسياسي، والناشطون من كل حدب وصوب،  واحتشدت الجماهير بكل ما تملك من إرث حضاري في التعبير السلمي عن مطالبها، رغم وجود مختلف الأجيال وبشهادة مراسلي القنوات ووكالات الأنباء العالمية لم يحمل صبي حجر ليحطم زجاج سيارة أو واجهة محل تجاري.. كانت الحركة تسير بشكل طبيعي.. المتاجر لم تغلق أبوابها، بل حتى الباعة المتجولين و"الفريشة" لم يغادروا أماكنهم.. كان الفعل رغم ضخامته تجمع في باحة شارع القصر وحسب تقديرات جهات مختصة أكثر من ألف رجل وامرأة من مختلف الأعمار، إلا أنه لم يؤثر على سير الحياة الطبيعي، لاشيء غير الهتافات السلمية. ثم تحركت الجموع جنوباً يتقدمها السكرتير السياسي للحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب.

  • سلوك متوقع

لكن السلطة وكما هو متوقع منها عدم احترام الدستور والقانون قامت باستخدام العنف، وكان لابد لمعدن الشعب النفيس أن يظهر، أولاً تصدت النساء كما تصدى الرجال لعنجهية الأجهزة الأمنية بشجاعة أبناء وبنات السودان يذكرون عناصر الأمن والشرطة بأن المسيرة (سلمية..سلمية) لكن دون جنوحاً للعنف أو التخريب. الجماهير شعبنا ظهرت منضبطة وهي تواجه الصلف، بينما أجهزة الدولة كانت منفلتة من كل قيد قانوني أو أخلاقي كما تظهر ذلك حالات الضرب المبرح التي قاموا بها تجاه الشباب وكبار السن. فتجلَّت عظمة الشعب السوداني في تقديم العون لمن يحتاجه هذا ينبه ذاك أن أحداً يتبعه من رجال الأمن وذلك يبعد شرطيا قام بخنق شاب، وبائع الملابس يساعد مصورا على تبديل ملابسه بتقديمه(تي شيرت)جديداً ويرفض أخذ الثمن. كانوا أبناء وطني كما قال الشاعر محمد المكي إبراهيم:

 ينحنون على جراح بعضهم باللطف والتقبيل

 وتتواصل المسيرة بهيبة لم تمنعها الحواجز الأمنية دونما خوف وتتجمع سريعا كلما عملوا على تفريقها في اماكن داخل السوق العربي وتأخذ اتجاهات مختلفة لتسمع الطغاة صوت الشعب الذي ظنوه أنطفأ لكن هيهات.

  • رسائل في بريد السلطة

كانت السلطة تعتقد أنها قد أمنت وجودها بالحديد والنار بعد الذي حدث في سبتمبر 2013م واستشهاد(250)شاب وشابة من أبناء السودان، لم تقوم السلطات بإجراء تحقيق لمعرفة قتلتهم، وحاولت أن تقدم فيهم تعويضات، رفضتها أسرهم بكل إباء وشمم، ظن الطغاة أن أهل السودان يتخوفون من مصير دول الربيع العربي، وراح سدنتهم يرددون في صحافة الذل والعار أن اشتعال الأسعار أفضل من اشتعال شوارع الخرطوم بالنار، وأعلنت السلطات أنها يمكن أن تصل أقصى درجات العنف في الدفاع عن حكمها غير الشرعي حد قطع الرقاب!

ونود تذكيرهم قول حميد شاعر الوطن:

إن سديت دروب الأرض وأن طامن على أبوابا

 كيف تضمن سماء الخرطوم سماها الماها كضابا

 لكن جماهير الشعب من خلال موكب الثلاثاء16يناير رفض استلام رسالة رسالة السلطة ـ رسالةالإرهاب والتخويف ـ وأعلن للعالم أنه مسالم ويعرف كيف يدافع عن مطالبه بشكلٍ متحضرٍ، تسنده في ذلك تجربة مقاومة مدنية سلمية يصل تاريخها إلى ما يقرب الـ(100)عاما، وأهل السلطة لم يكونوا جزءً من هذا الإرث لأنَّ كيانهم الفكري والسياسي لم يكونوا ضمن الكيانات المؤسسة للدولة السودانية، حيث لم يكن لهم تمثيل في تاريخ الحركة النقابية المطلبية السلمية ولا في البرلمان الذي أُعلن من داخله استقلال السودان وميلاد الدولة السودانية.

هم نبت شيطاني لا يدري أحد من أين جاءوا.  كما أن اشتعال الأسعار سوف يجعل المواجهات تستمر بين الشعب بأسلوبه المشار إليه، والسلطة بإنفلاتها وعدم احترامها للدستور القانون، مما يعني أنها على استعداد لتعريض أمن البلاد واستقرارها لهزات عنيفة، والعالم يتفرج، ولن يكون مقبولاً من الجهات الدولية المعروفة وعلى رأسها الأمم المتحدة والإتحاد الاوربي وسفارات الدول المعتمدة في الخرطوم أن تأت بعد أن يقع(الفأس على الرأس)وتطالب بفتح تحقيق حول الضحايا وهي ترى بأم عينها الخرطوم تذبح في صمت، ولم تحرك ساكناً.

الرسالة الثانية:هي أن المعارضة لازالت بخير، ورغم التخريب الذي مارسته تجاهها الانقاذ، وحالة الوهن والضعف التي فرضتها عليها حتى ظنت أنها قضت عليها وأنها قد أعادت صياغة السودان وفق مشروعها (الطفيلي) الهمجي وأن لا أحد في استطاعته أن يقول لها:(عينك في رأسك)إلا أنها تفاجأت بحالة التنظيم الجيِّد للموكب والانضباط الذي مارسته الجماهير وهى تهتف بمطالبها ثم الدخول والخروج من ميدان المعركة دون التأثير على حياة الناس العاديين الذين شاركوا في المواجهة كل على طريقته. كما ان الموكب كان بمثابة إعلان لوحدة المعارضة على طريق إسقاط النظام بعد ان تراجعت الخيارات الاخرى التي فرقت الصفوف، خاصة انتخابات 2020م التي ولدت ميتة وأن من يقفون خلفها سيجدون أن البون شاسع بينهم وبين مزاج الجماهير وهي تهتف في الشوارع خلال قادمات الأيام.

  • شهود عيان

شهود عيان من العدول والمختصين من خلال مقابلات معهم، وبعضهم من خلال الفضاء المفتوح اعربوا عن تقديرهم واعجابهم بما حدث، مشيدين بالدور الريادي للحزب الشيوعي، الذي لم يكتفي بالدعوة للموكب، وإنما تقدمت قيادته الصفوف، وأنه بذلك قد كسر حاجز التردد ونقل الحركة الجماهيرية خطوات على طريق المواجهة.  كما أشادوا بالبسالة التي تعاملت بها قيادة الموكب وبثباتهم وهم يعلنون البداية ويشهرون الهتافات غير آبهين بالنتيجة متحملين ما حدث لهم بعد ذلك من ضرب وتنكيل واعتقالات، على طريق لن ينتهي إلا على اعتاب البديل الديمقراطي الذي ترفعه المعارضة، وسوف تشهد الأيام القادم مزيداً من الوحدة والترابط على صراط الانتفاضة الشعبية وإسقاط النظام واستعادة الديمقراطية.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+