المشهد السياسي

بقلم/ قرشي عوض

مقدمة :

يبدوا أن للنظام جنود آخرين غير الذين تصدوا للجماهير يومي  الثلاثاء  والأربعاء من الأسبوع الماضي، وهؤلاء ينشطون في مجال تغبيش وعي الجماهير عن طريق تقديم معالجات غير حقيقية  لأزمة الغلاء المتصاعدة، والتي تشير كل الدلائل أن الحكومة لا تمتلك حلاً لها،غير ترديد أكاذيب تجري بها ألسنة "مطبلاتية" تتقدمهم ألقاباً علميةً معتبرة.

  • الجداد الاقتصادي

هذا الاشتقاق من على شاكلة(الجداد الاليكتروني) وهم مجموعة  تنشط في مواقع التواصل الاجتماعي بغرض التشويش على ما يكتبه الناشطون خدمةً ودعما لخط الحكومة، ومثلهم من ينشرون الأكاذيب هذه الأيام، لكن بطريقة قالوا إنها علمية بحكم تخصصهم الاكاديمي، فيقعون في تناقضات أقل مايمكن أن يقال عنها أنها مضحكة، ويتفقون على أن سبب الضائقة المعيشية هو جشع التجار،مع أن الحكومة حكومتهم وأن الدولة اتخذت ما اتخذت من إجراءات لتمكنهم من البيع بحرية، لكن لنقل أن السلطة بعيد عن هذا النشاط ، فهل وقف جشع التجار مسؤولية المواطن أم الدولة؟ قال احدهم ان ارتفاع الاسعار يخص سلع بعينها وليس كل السلع، والرجل رغم كونه دكتور في الاقتصاد لكنه لم يتوقف عند التناقض الذي أدخل نفسه فيه، فمن ناحية اقتصادية لايمكن أن يرتفع سعر سلعة دون أن يؤثر على السلع الأخرى، خاصة القمح والمواد البترولية. وهذا مانعلمه نحن الذين لم ندرس الاقتصاد ونتحصل فيها على أرقى الدرجات. كما ركزوا جميعهم على ضرورة تدخل الدولة وتحديد الاسعار وتفعيل القانون،والمباحث ومحكمة حماية المستهلك، فانطلق الصحافيون والصحفيات، من الذين يسمح لهم بالكتابة هذه الأيام إلى مكاتب الجهات المسؤولة عن المؤسسات المشار إليها (وهاك ياتصريحات) سودت صحف الخرطوم الصادرة أمس،  دون أن يتوقف أحد عند حقيقة أنه وفي ظل التوجه الاقتصادي الحالي للدولة، لايمكن تحديد الأسعار، وإنما تترك لتحددها العلاقة بين العرض والطلب، وأن التاجر لن يشتري سلعة خضت لسعر الدولار الجمركي الجديد الذي رفع سعرها إلى(3)أضعاف ليبيعها بسعر تحدده الدولة،  إلا أن كان يعمل لوجه الله، ثم اذا كانت هناك امكانية موضوعية لتخفيض أسعار بعض السلع، لماذا لا تحدد الدولة سعرها في كل المنافذ، دون تحديد أماكن بعينها. حقاً أنهم "جداد" اقتصادي ويقوم بجهد غير عادي لجعل الأمور تبدو على غير طبيعتها، ولكن هيهات.

  • طي الكتمان

برغم الألم الذي تسببه مطالعة مواضيع لم تعد للنقاش، وإنما أعدت للتهريج ، لكنني تحاملت على نفسي وقرأت كل ما كتب عن اجتماع شورى حزب المؤتمر الوطني ولم أخرج بشيءٍ يركن له، رغم أن البعض حاول أن يوهمنا بأنه عليم ببواطن الأمور، فراح يحدثنا عن أسباب اختفاء بعض الرموز، وأن بعضهم قد توفت حماته، وآخر سافر مع زوجته المستشفية خارج السودان وغيرها من الأمور تشير إلى أن الزميل متخصص في أشياء أخرى ليس من بينها الصحافة ولا السياسة والعياذ بالله( واللهم لاتمحنا ولاتبلينا)لكن فيما يخص مادار داخل الاجتماع لم يقدم أو يؤخر، وكل ما قيل عن مناقشات تمت للورقة الاقتصادية، والأداء التنفيذي للدولة وللحزب كلها رجم بالغيب، لأن الاجتماع كان طي الكتمان وفق إجراءات أمنية مشددة سبقت الإشارة لها قبل الجلسة، وما قدمته صحافة الخرطوم ـ أمس وأمس الأول ـ لا يعدو كونه معالجة لظاهرة سياسية لم تتوفر عنها معلومات، ويجب علينا أن نرفع قبعاتنا تحية لمن قاموا بهذا الجهد لأنهم عباقرة في حرفتهم، أما ما قيل وما حدث داخل أروقة الشورى سيظل سر من أسرار الدولة العليا، وربما تتعرف عليه الجماهير بطريقة دراماتيكية في الأيام القادمة، والناس العاديين لا ينتظرون معرفة الأداء التنفيذي للدولة لأنه معلوم لديهم كما لا يعنيهم أداء حزب هم ليسوا اعضاء فيه،

عاد أهل الإسلام السياسي كما وصفهم الشهيد محمود محمد طه بأنهم(يفوقون سوء الظن العريض، حتى حين يتعلق الأمر بالقيم التي يتبجحون بها).

  • والي الخرطوم... الله عليك الله عليك

يبدوا أن رموز الانقاذ وحين يجدون أنفسهم أمام الكاميرات تعتريهم حالة من النشوة، فيقولون أشياءً ليست للنقاش، وإنما للدهشة!

  مثال لذلك ما تفوه به والي الخرطوم في لقاءٍ تلفزيوني ـ أمس الأول ـ من أنه مستعد للقاء الشيوعيين وأن مكتبه مفتوح لهم ليسمع رؤيتهم ويطرحها على حكومة الولاية!

قبل الرد على مثل هذا الحديث دعونا نتساءل هل السيد الوالي جاد فيما صدر عنه، أم أنه يحاول ذر الرماد في العيون، بقصد التشويش على خط الحزب الشيوعي السياسي كما ترجمه موكب الثلاثاء الذي تقدمته قيادة الحزب، مما أسكت كثير من(خشامة)مستخدمي وسائط التواصل الذين اعتمدوا في تقديم أنفسهم للجمهور على نقد الحزب الشيوعي. فأن كانت الأولى يبدو أن السيد الوالي يعاني من النسيان،  لأن الحزب أعلن موقفه من الجلوس أو الحوار مع النظام  من خلال رفضه للحوار الوطني، والذي حدد من خلاله أن على الحكومة أن تتنازل عن السلطة وتسلمها لممثلي الشعب السوداني، وكثف دعوته للجماهير ولقاعدته بالعمل الجاد والمثابر من أجل إسقاط النظام، أما إن كان يحاول أن يؤثر على خط الحزب وسط الجماهير، فأن مثل هذه المهمة قد فات أوانها، والحقيقة أصبحت ساطعة كالشمس في رابعة النهار، بعد أن ردت قواته على الجماهير قواعد الحزب في العاصمة القومية التي كانت  في طريقها إلى مقر حكومته لتقديم مذكرة احتجاج على ميزانية الجوع، وتقديم ومقترحات وبدائل لها. ثم اعقبت ذلك بحملة اعتقالات طالت القوى الوطنية والناشطين والصحفيين وقيادات وقواعد الحزب الشيوعي،  ونستطيع القول أن كامل قيادتنا الآن في المعتقل ولا ندري عنها شيئاً، موقفنا واضح ياسيد الوالي، لن نجلس معك أو مع غيرك من رموز الانقاذ، لأنكم تفتقدون الشرعية التي تخولكم الحديث عن قضايا شعب لم يفوضكم، لكن يمكن للسيد الوالي أن يذهب لقيادتنا في المعتقل، وفي هذه الحالة نقول له لا تتعب نفسك،  فالشيوعيين لم يتعودوا طوال تاريخهم الذي يصل إلى(71)عاماً أن يتفاوضوا من مواقع الأسر والاعتقال،  وبدلاً من هذه المحاولات اليائسة فمن الأفضل للسيد الوالي أن يأمر زبانيته بإطلاق سراح المعتقلين، وأن تسمح حكومته بالمواكب السلمية كحق يكفله الدستور، ويصونه القانون،لكن حتى أن فعل ذلك فلن نجلس معه أو مع غيره ما لم يقبل نظام الانقاذ تفكيك نفسه،  ونقول له بلغة العسكرية:( ضع نفسك في الحبس) ودع القوى الوطنية الديمقراطية تتفاوض في شأنك أنت وحكومتك.

  • الصحافة... حضور مميز

كل قطاعات الشعب السوداني كانت حضوراً مميزاً، لكن حضور الصحافة السودانية كان لافتاً، ولذلك كان عناصرها الأكثر استهدافاً من قبل قوات الشرطة وعناصر الأمن حتى فأصيب بعضهم بالصعقات الكهربائية، مثل الزملاء بهرام وأمل هباني.

كانت السلطة تريد مدينة صامتة تنفرد فيها عناصرها بالجماهير وتفعل بهم ماتريد، لكن الصحفيين استشعروا واجبهم المهني والأخلاقي والوطني، ولم تنطلق الخرطوم خرساء نهار الثلاثاء، وكان الثمن تصدير أكبر عدد منهم إلى السجون، ولازال معظمهم يرابض هناك في جسارة أهل السودان المعهودة والمجرَّبة.

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+