انتخابات 2020م وتقاطعات المواقف(2/1)

بقلم/ أحمد الفاضل هلال

يجب الإقرار بأن الأزمة الوطنية العامة قد بلغت درجة من التعقيد والإرباك تجعل من ثبات بعض القوى على المواقف في ظل عملية الفرز والاصطفاف اليومي مسألة شديدة الحساسية، ومن تجلياتها إذ أصبح التشظي ظاهرة سياسية واجتماعية وواقعاً ملموساً.

ويجب الإقرار والاعتراف بأن لا أحد يمكن أن يحدد للخصم تحالفاته وإختيار مكان للمعركة وأسلحتها، إن كل ما يقوم به النظام من عراقيل وألغام في سكة القوى المناهضة له يجب أن يكون متوقفاً وأن السلطة سوف تعمل على كل ما يساعد في زعزعة القوى المعارضة وتفكيكها، إن ما يهم النظام هو بقاءه.

ويجب الإقرار بأن مفهوم الانتخابات أصبح حلقة أصيلة في الصراع السياسي ، وهنا لا يمكن اعتبار الانتخابات مجرد أداة أو وسيلة لتنظيم وإدارة الصراع السياسي والاجتماعي عبر مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة. وبجلاء فإن ما يدور في أروقة السلطة والقوى المعارضة ليس مجرد اختلافات عابرة وسطحية، لكن يدور الصراع بالضبط حول استغلال النظام لهذه الوسيلة للمحافظة على البقاء، إنه صراع السلطة، لكن تصبح الوسيلة هي أداة السلطة للهيمنة. إن الحديث عن الانتخابات بلا شك قد أيقظ هواجس ووساوس المعارضة التي ترى في الانتخابات مجرد وسيلة لنقل السلطة تجد أن النظام قد اختطف هذه الوسيلة ويستثمرها ويوظفها للأبدية من خلال تكتيكات معلومة.

يجب أن يكون واضحاً بأن هذا الجدل المحتدم الآن حول الانتخابات هو تعبير صريح حول رؤيتين تشكلتا في غمرة الصراع السياسي ضد النظام. وتتجسد الرؤية الأولى في تبني الحوار واختراق النظام من خلال الانتخابات أو استخدام الفزاعات لتكريس الواقع السياسي لأن الجماهير فقدت الشهية الثورية كما يتخيل لها.

أم الرؤية الثانية فتتمثل في الانتفاضة الشعبية السلمية والعصيان المدني والإضراب السياسي:

 وتنطلق هذه الرؤية من واقع أن النظام قد سد أي طريق لحوار مثمر وجاد يؤدي إلى تفكيك شمولية وآحادية الحزب الواحد وإقامة دولة المواطنة والتعدد والتنوع دون اقصاء لأي مكون،أما مسألة النظام أن لا يعترف بأن هنالك أزمة وعدم الاعتراف هو سبب متاهات النظام والوطن. ويمكن القول بأن هذه المواقف لا زالت مبدئية لكلا الطرفين، وإنها ليست مواقف "عفوية" وأن جذورها سياسية، لكن يمكن القول بأنه لا يمكن لأي من الطرفين إغلاق باب مناقشة هذا الموضوع باعتبارات حرية التعبير وحق الاختيار، كذلك لا يمكن لأي جهة أن تدعي ملكية حق التحدث وامتلاك الحكمة وإلغاء الآخرين والطريق سألك أمام الخيارين. وهذا يصبح عطباً جديداً وشرخاً في صف المعارضة ، وليس هنالك عيباً في أن تطرح القوى السياسية مواقفها أمام الجماهير لأنها هي المعنية ولا يمكن أن تساق عمياء أو مهمشة.

على العموم نحن في سوق سياسي مزدحم بالعروض ولا توجد غضاضة في طرح أي منتجات سياسية، طالما الاعتقاد هو البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر فعالية. وفي هذا الحوار يجب التأكيد على وطنية كل هذه القوى وأن اختلفت في توجهاتها، فليس هنالك قطعيات في السياسة طالما ظلت السياسة تتميز بهذه الدينامية واحترام الرأي الآخر، تجنباً إلى كل ما يؤدي إلى التخوين والاستخفاف والإزدراء لأن حياة خضراء، وتجدد نفسها بأشكال مختلفة لأن ما هو مرفوض اليوم ربما يصبح مقبولاً غداً.

وبصراحة أن هلاويس المشاركة في الانتخابات المضروبة ليست فتنة جديدة في تاريخ الدولة السودانية إبتداءاً من الجمعية التشريعية إلى المجلس المركزي ومروراً بدكتاتورية نميري وانتهاءاً بشمولية الجبهة الإسلامية، كان هنالك دائماً مبررات "مطاطة" وذرائع في الغالب تدغدغ المشاعر وتختزل الأزمة في مسائل إجرائية وثانوية وهذه النزعة المهادنة أحياناً هي إحدى أمراض نقص المناعة في السياسة السودانية واحدة من حلقات أزمة الدولة الوطنية عندما لا يحدث اختراق حقيقي في توازن القوى ويصل التناحر والصراع مستوى يهدد وجود الدولة، وهكذا تصبح الشفقة والعواطف هي العوامل الأكثر اعتباراً لما قد يحدث ويصبح الخوف هو الذي يوحد.

إن كل الانتخابات التي تمت في ظروف استثنائية للدولة السودانية كانت شاهد عيان على التزوير وتغييب الحقائق، وكانت الانتخابات ليس الرئاسية أو البرلمانية منها، وبل امتد تزييف إلى المنظمات المدنية والأهلية فالجو العام يطبع ويستنسخ نفس النماذج، وهكذا تصبح الانتخابات في مثل هذه الظروف غير العادية مجرد اجراءات "ديكورية" لاعطاء مسحة زائفة من الشفافية على الكذب ومجاراة للموضة وضغوط الحضارة والحصول على تعويض لممارسة الإقصاء على ما يسمى "الأغلبية" في قضايا ومبادئ لا تحتمل القسمة كالحقوق والحريات.

وقبل اتخاذ قرار بالمشاركة أو المقاطعة فإن الانتخابات هي وسيلة وليست غاية لتحقيق أهداف من خلال الالتفاف، ولا يمكن أن تكون مجرد موسم لاداء طقوس وشعائر تنتهك في ليلتها بكارة الديمقراطية.

إنها عملية ديمقراطية مستمرة وليست هبَّة أو منحة يوظفها الطرف المهين في حدود مصالحه وقواه الاجتماعية، لحصاد نتائج محددة تمكنه من الاستمرار والبقاء ولا مكان فيها للآخر إلا في يوم يأتي لصناديق الاقتراع، ليكتب تاريخ جديد للاقصاء وترسيخ الاحتكار والآحادية صحيح كل عملية في النهاية يترتب عليها نتائج، وهنالك ظروف يكسب فيها طرف آخر يكسب الاستعداد لجولة قادمة، ولكن على قاعدة الرضى والنزاهة والشفافية وأساس قوانين العملية الانتخابيةالتي يتفق عليها الجميع وليس من خلال رؤية آحادية استعلائية.

وعلى العموم في السياسة لا يكف دائماً صواب البرامج والمنطلقات،لكن المهم هو أن "الناس نفسهم" في البرامج ويعبر عنهم وهذا هو النجاح الذي يحقق المصالح الأكثر أهمية، ويؤدي إلى تعزيز القيم والمبادئ التي تؤسس لمستقبل صحي للقبول والتعايش، وليس النجاح هو في إقامة الحدث في حد ذاته، طالما لا يوفر الأسباب للتطور والاستمرار، وإن أي حصيلة تقوم على الخدعة والالاعيب الفنية هي عديمة الجدوى والقيمة من الناحية السياسية، وإن تزينت بكل مساحيقه الديمقراطية، وكل إنجاز يعتمد على التكتيكات فهو إنجاز شكلي ووهمي وفي هذه الحالة فإن الانتخابات لا تحل الأزمة، لكنها تصبح إحدى حلقاتها المستعصية.

هنالك مقومات لإجراء أي نشاط إنساني وفي كل الأحوال فإن المقومات الديمقراطية هي حرية التنظيم والتعبير والحركة ووجود دولة المؤسسات والقانون واستقلالية الأجهزة وقوميتها والمساواة أمام القانون والإيمان بالديمقراطية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة ليس كشعارات وتكتيكات، ولكن كممارسة حقيقية.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+