تعليقات في السياسية الداخلية

الحزب الشيوعي وانتفاضة مارس/أبريل1985م دروس وتجارب...ما أشبه الليلة بالبارحة

بقلم/ سليمان حامد الحاج

بعد شهر وبضعة أيام تهل علينا ذكرى انتفاضة مارس/ أبريل المجيدة، وهي فترة ليست بعيدة في تاريخ الشعوب، خاصة عندما تكون الظروف التي نعيشها الآن لا تختلف كثيراً عن تلك التي قاسيناها قبل(33)عاماً. والسياسات التي اتبعتها ولا زال تتبعها.

نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة هي ذات السياسات التي مارسها نظام السفاح نميري "وقع الحافر على الحافر" نفس الخضوع للإدارة الأمريكية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ورهن الوطن لرؤوس الأموال الأجنبية بإقامة محطات الاستخبارات للمخابرات الأمريكية والقواعد العسكرية. ذات السياسات الاقتصادية التي دمرت اقتصاد البلاد وأفقرت الشعب وجرعته وأذلته. اشعال الحروب في معظم ولايات الوطن وتأجيج الصراعات القبلية. فساد غير مسبوق جعل المتظاهرين في أول خطوات انتفاضتهم يحرقون المؤسسات التي تجسد رموز الفساد وتجويع الشعب مثل حرق جمعية ود نميري وتحطيم واجهة بنك فيصل الإسلامي وعدداً من دور حزب الإتحاد الاشتراكي الحاكم.

إذا كان نظام السفاح نميري قد اعترف باتفاقية كامب ديفيد وهو اعتراف سري وفخري باسرائيل، وتطوع بنقل اليهود الفلاشا من اثيوبيا عبر السودان إلى اسرائيل فإن النظام الطفيلي الراهن يستبطن الاعتراف، ويتردد في إعلانه ويشجع البعض على التصريح والجهر به كبالونة اختبار.

القواسم المشتركة بين النظامين كبيرة ومتشابهة كـتوأمين سياميين خاصة فيما يتعلق بقهرهما وبطشهما بالشعب اعتقالاً وتعذيباً، وتحت التعذيب وعلى أعواد المشانق وبفوهات البنادق على كل من يرفع صوته مندداً بسياسات النظام ومطالباً بإسقاطه.

في يوم السبت الموافق 30 مارس 1985 وبعد يومين من اندلاع المظاهرات ضد الغلاء والزيارات في الأسعار واستنكاراً لممارسات البطش والقهر رمياً بالرصاص واستشهاد عدد من الشابات والشباب، وفي بداية المظاهرات التي دشنها طلاب الجامعة الإسلامية بأم درمان في يوم الثلاثاء26 مارس وحذا حذوهم  طلاب معهد الكليات التكنولوجية يدعمهم عمال المنطقة الصناعية في الخرطوم وسكان الأحياء المجاورة رافعين شعار:(لن يحكمنا البنك الدولي) و(مليون شهيد لعهد جديد)و(عائد عائد يا أكتوبر) وصار سوق الخرطوم بكل ساحاته وشوارعه مسرحاً للمظاهرات، وخروج طلاب جامعة القاهرة في مظاهرات هادرة التحمت بالجماهير في ملحمة رائعة علت هتافاتها بـ(العصيان المدني هو المخرج)و(إسقاط النظام هو الحل) وبلغت الاعتقالات(450)طالب وطالبة في تلك الأيام الثلاث وأصيب أكثر من ثلاثة وعشرين من المتظاهرين بجروح بالغة نقلوا على إثرها للمستشفى.

في ذلك اليوم الخميس 28مارس1985م  قررت الجمعية العمومية لأطباء مستشفى الخرطوم تبني الإضراب السياسي لإسقاط النظام والتنسيق مع النقابات الأخرى والإضراب لمدة(48)ساعة، وذلك حتى يتم تبيلغ مركزية النقابة لإصدار قرار بتعميم الإضراب.

في يوم السبت 30 مارس 1985م  أصدر الحزب الشيوعي السوداني. بياناً واصل فيه دعوته التي أعلنها قبل عدة سنوات للإضراب السياسي والعصيان السياسي حتى الإطاحة بنظام الديكتاتور السفاح نميري. ولأن البيان يحمل الكثير من التجارب والخبرات التي تعين شعب السودان في نضاله الراهن ضد نظام طبقة شريحة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، فإنني أنشر نصه كاملاً.

"نداء من الحزب الشيوعي السوداني إلى جماهير العاصمة الثائرة، لندعم ونواصل انتفاضة مارس المجيدة"

وكان لابد أن ينفجر غضب الشعب المشروع مواكب هادرة ومقاومة ضارية وجسارة بطولية في مواجهة الرصاص والموت فـ(للصبر حدود) لكن نميري السفاح المستبد المستهتر تجاوز كل حد في اضطهاد الشعب بفرض زيادة في الأسعار لا يقبلها عقل على جماهير طحنها الغلاء وسحقتها المجاعة، حتى تحول السودان إلى متسول يستجدي الإغاثة ولقمة العيش. وعبثاً تحاول أجهزة إعلام نميري تشويه الانتفاضة الشعبية باسنادها للأخوان المسلمين أو تخريب العاطلين والمتسكعين والمشردين"فالمساكين العاطلين هم الطفيليون حكام مايو وأثرياء مايو الذين امتصوا دماء الكادحين ونهبوا خيرات الوطن؛ وحولوا المنتجين في الريف والمدن إلى نازحين وجياع بلا مأوى ولا قوت. وعبثاً تحاول أجندة القمع المايوي تنظيم الكشات الهمجية التي لا مثيل لها حتى في جنوب أفريقيا لإفراغ العاصمة في حين أن حكم التاريخ والواقع يحتم إفراغ العاصمة وكل السودان من وباء حكام مايو وأثرياء مايو. أما الإدعاء بأن الانتفاضة من تدبير الأخوان المسلمين فهو تكرار لعادة نميري المعروفة بالتنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين. فالهتافات والشعارات التي رفعتها الجماهير في عفوية وأصالة هي الهتافات والشعارات التي ظلت تتمسك بها حتى عندما كان الأخوان شركاء في حكم مايو الأسود (لن ترتاح يا سفاح)و(رأس نميري مطلب شعبي)و(لن تحكمنا حكومة الجوع)و(لن يحكمنا أمن الدولة)و(لن يحكمنا البنك الدولي)و( لن يحكمنا الاستعمار)و(عائد عائد يا اكتوبر)و(مليون شهيد لعهد جديد)و(داون داون يو اس ايه) .

 واختارت الجماهير بوعي تام الأهداف التي صبت عليها غضبها بوصفها رمز الفساد والطفيلية مثل جمعية ود نميري وبنك فيصل الإسلامي وفنادق البذخ الطفيلي. وزحفت نحو السفارة الأمريكية رمز السيطرة الامبريالية على الوطن ومصدر السند الأساس السياسي والعسكري لحكم الفرد.

فالتحية لطلاب الجامعة الإسلامية ومعهد الكليات التكنولوجية وجامعة القاهرة على اختلاف اتجاهاتهم، والتحية لعمال المنطقة الصناعية الخرطوم والتحية لأطباء مستشفى الخرطوم الذين أعلنوا الإضراب وطلبوا من نقابتهم التعاون مع بقية النقابات لإعلان الإضراب السياسي. تحية لجماهير المدن الثلاث رجالاً ونساءاً وأطفالاً وشباباً.

التحية لشباب العاصمة البواسل الذي قدم الفوج الأول من شهداء الانتفاضة: عبدالجليل طه علي، و أزهري مصطفى باشا والشاب وليم والطفلة مشاعر محمد عبدالله وغيرهم وأكثر من 40 جريحاً في مستشفى الخرطوم وحده.

لقد استعادت جماهير العاصمة بسرعة فائقة قدراتها النضالية بعد حالة الانحسار التي اعقبت نهوضها عام 1978م وتجاوزت كل الخسائر والضربات ومختلف أشكال الإرهاب. وها هي تستعيد دورها القيادي الطليعي الذي تتطلع إليه جماهير الأقاليم وهي تنظم وتقود مظاهرات الاحتجاج في عطبرة وكوستي وسنار والقضارف ومدني وسنجة ومدن الغرب. وتتطلع الجماهير في العاصمة والأقاليم إلى توحيد إرادتها وتكوين منبر لقيادة وتوجيه نضالها. وهذا يفرض على طلائع العمال والمهندسين والموظفين والمعلمين والفنيين في العاصمة المبادرة، بتعبئة القاعدة النقابية لدخول المعركة وتخطى القيادات الانتهازية عميلة السلطة وممارسة كافة أشكال التنسيق والتضامن النقابي دفاعاً عن حقوق ومطالب العاملين وعن الحريات النقابية والديمقراطية والإسهام في انتفاضة الشعب. ويفرض على جماهير الأحياء السكنية بعث تقاليدها وتجاربها في حشد قواها للمظاهرات والمواكب وحماية المتظاهرين وكشف عناصر الأمن والمندسين. ولشباب العاصمة أساليب الشجاعة في الإثارة والخطابة وتوحيد شعارات وهتافات المظاهرات كيما تتخذ طابعها السياسي الشعبي السليم.

لقد دشنت انتفاضة مارس فترة جديدة في مسار الحركة الشعبية ودفعت حركة المعارضة السياسية خطوات إلى الأمام وشقت طريقها في الشمال لتلتقي مع حركة تحرير شعب السودان وذراعها العسكري في الجنوب في التوجه الحازم خطوة إثر خطوة نحو الإضراب السياسي والانتفاضة للإطاحة بحكم الفرد وتصفية مؤسساته واستعادة الحرية السياسية والسيادة الوطنية. وفي هذه الوجهة يفرض الواجب الوطني على أفراد الوطن في الجيش والبوليس والقوات النظامية أن ينضموا بسلاحهم للشعب. فما زالت الحركة في بداية أطوارها ولن يستسلم السفاح نميري والقوى الاجتماعية المنتفعة بحكمه بسهولة، وما زالت تحت يده أجهزة قمع وإرهاب وما زال يعتمد على مساندة أمريكا التي لن تقف عن التآمر لتخريب انتفاضة الشعب واجهاضها من الداخل أو قطع الطريق على انتصارها بانقلاب مشبوه للقصر، لكن وحدة شعبنا وكل أطراف المعارضة وتوسيع النضال الجماهيري ليشل إرهاب نميري وتآمر الأمريكان.

لقد حسمت جماهير العاصمة كل مظاهر التردد واليأس وأخرست كل لسان مكابر يتهم شعب السودان بالاستسلام.

فلتتحد قوانا وتتوحد عزيمتنا في الشمال والجنوب لتصفية حكم الفرد إلى الأبد من تاريخ الحياة السياسية السودانية ومستقبل أجيال السودان المستقل الموحد الديمقراطي.

المجد لشهداء انتفاضة العاصمة

النصر لانتفاضة جماهير العاصمة

سكرتارية اللجنة المركزية

للحزب الشيوعي السوداني ـ 30 مارس 1985

الآن فإن شعب السودان في كل ولاياته يعمق ذات المجرى الذي حفرته انتفاضة مارس ابريل المجيدة، مستفيداً من كل تجاربها الايجابية والسلبية وعلى رأسها التجربة القاتلة بأن المحافظة على الانتصار أصعب من صنع الانتصار نفسه. ولهذا تضع جماهير شعبنا اليوم في قمة أجندة نضالها وفي أم رأسها الاصرار على النصر ضد نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة والمحافظة عليه من السرقة والتآمر في حدقات عيونها.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+