يا لها من مسيرة مفصلية !!

نجاح منقطع النظير لمسيرة ميدان الشهداء

مسيرة الثلاثاء 16 يناير 2018، التي انطلقت من ميدان الشهداء المطل على القصر الجمهوري، كانت رغم الإرهاب والقمع المفرط، مسيرة مفصلية ألهبت المد الثوري في البلاد. لقد دشنت تلك المسيرة عبور حركة الجماهير لأن تأخذ زمام المبادرة بين يديها في مواجهة أمهات سياسات الشمولية والخراب الاقتصادي.

تلك السياسات التي أفصحت عن نفسها بصورة سافرة في موازنة 2018م التي ألقت على كاهل الجماهير كل ثقل وطأة الأزمة الاقتصادية. تلك الموازنة التي تضمنت رفع الدعم عن القمح، ورفع قيمة الدولار الجمركي إلى ثلاثة أضعاف قيمته السابقة، وسجلت عجزاً بأرقام فلكية، وهذا سيقود حتماً لانفلات جنوني غير مسبوق في أسعار كل السلع والخدمات ، وبصورة متوالية هندسية وليست حسابية.

ومعروف أن كل علماء الاقتصاد وآثاره الاجتماعية، بدءاً من المفكر الإسلامي، ابن خلدون، وحتى كارل ماركس ، قد أكدوا أن العمران والنماء ومعيشة الناس هي العوامل الحاسمة حقاً في بقاء أنظمة الحكم أو زوالها واندثارها.

وكانت انتفاضة سبتمبر 2013م اندلعت بسبب رفع الدعم عن المحروقات ورفع قيمة الدولار الجمركي، وقتذاك واجه النظام مظاهرات الاحتجاج بالرصاص الحي، ورغم ذلك فتحت تلك الانتفاضة المعمدة بدماء الشهداء الباب لمواصلة الصراع السياسي الجماهيري ضد سياسات النظام في قضايا الأراضي والميادين والسدود والقضايا الصحية والتعليمية وما إلى ذلك، الثابت والأكيد أن مقاومة جماهير الشعب لم تنقطع أبداً.

ولا شك في أن مسيرة 16 يناير المفصلية ستدشن الطريق لمواصلة الصراع السياسي والاجتماعي المباشر ضد أمهات وركائز نظام الانقاذ، والسير على هذا النحو قدماً نحو الانتفاضة التي ستطيح بالنظام.

إنها حقاً وفعلاً مسيرة مفصلية لأنها دشنت الطريق أمام حركة الجماهير لاستعادة زمام المبادرة وكسر حواجز التهيب من جديد بعد انتفاضة سبتمبر 2013م. وفي هذا الخصوص لقد أحسنت قوى المعارضة السياسية صنعاً بإعلانها برنامج الخلاص الوطني.

*اتساع المشاركة في المسيرة المفصلية:

رغم القمع المفرط بالغاز والهراوات، ورغم الحشد الكثيف لقوات الأمن وشرطة العمليات، ورغم منع عناصر الأمن للجماهير من الوصول لميدان الشهداء من كل الشوارع الفرعية المؤدية إليه، بحجة أنها شوارع مقفولة ، رغم ذلك لبت الجماهير بحماس دعوة الجرأة والإقدام التي أطلقها الحزب الشيوعي بالعاصمة القومية وباركتها كل قوى المعارضة. لقد شاركت في المسيرة قرابة 40 من أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.

ولعل خريطة الطيف السياسي لمن تم اعتقالهم تفصح بجلاءٍ عن اتساع المشاركة، فقد تجاوز عددهم الـ(50)وشمل اعضاء وقيادات من عدة أحزاب وصحفيين نساءاً ورجالاً.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حزب المؤتمر الشعبي قد أعلن في بيان له أن تلك المسيرة مشروعة ودستورية، وطالب بوقف الكبت ومصادرة الحريات، وانتقد استخدام العنف في مواجهة المحتجين. وذلك رغم ان الشعبي ضمن أحزاب الحوار وحكومة الوفاق الوطني.

*مسيرة لها ما بعدها:

لا شك في أن ما قامت به الأجهزة الأمنية المختلفة، من حرمان آلاف المواطنين من المشاركة في تلك المسيرة بقفل الشوارع، والقمع المفرط للجماهير في ميدان الشهداء من قبل أن تتحرك المسيرة ، لا شك في أن كل هذا سيرفع حماس الجماهير ويفتح شهيتها لمواصلة التظاهر والتعبير عن رفضهم لسياسات الحكومة الاقتصادية في المدن والأحياء والشوارع. ويرفد هذا العامل ويعززه ما تكرر من ذات النهج للمسيرة من ميدان الأهلية.

وفي هذا الصدد كم كان صادقاً حزب الأمة القومي وكذلك حزب المؤتمر السوداني فيما وجهاه من دعوة للجماهير، للتعبير سلمياً عن رفضهم لسياسات النظام، في الأحياء والشوارع. إنها دعوة تبرر نفسها تماماً وكما يقولون فإن اول الغيث قطرة ، فها هي المظاهرات تبدأ في الانطلاق من مسجد ود نوباوي ومن أحياء عديدة

*وحدة كل قوى المعارضة شرط ذاتي هام:

إن وحدة كل قوى المعارضة بفصائلها العديدة هي شرط ذاتي هام لفتح الطريق لبرنامج الخلاص الوطني والانتفاضة الشعبية، للانتقال من الدكتاتورية والشمولية للحريات والديمقراطية، ومن دولة الحزب الواحد لدولة المواطنة المدنية والأجهزة القومية والفترة الانتقالية التي ستضع لبنات البديل الديمقراطي.

إن الطريق لوحدة قوى المعارضة قد أصبح ممهداً استناداً إلى ما حدث من تقارب، بل وتطابق، في المواقف العملية لفصائلها. وذلك على شاكلة رفض وضع الدستور في ظل الشمولية، ورفض المشاركة في انتخابات 2020، ورفض سياسات المحاور التي ينتهجها النظام على المستويين الإقليمي والعالمي، وكذلك بالطبع رفض موازنة 2018 ودعوة الجماهير لمقاومتها سلمياً.

كما أجمعت كل فصائل حركة المعارضة على أن تحركات النظام المكثفة خارجياً لن تنقذه من عزلته ورطته ونهايته الحتمية التي لاحت في الأفق.

واستناداً إلى كل ذلك فإن المحاولات الجارية من جديد لترقيع النظام وإطالة عمره عن طريق مخطط الهبوط الناعم وإلقاء طعم مواصلة الحوار لن تنقذ النظام من ورطته وأزماته المستحكمة.

لقد مات الحوار وشبع موتاً. ولعل موقف حزب الأمة القومي من كل هذا يغني عن سواه. فقد قال: إن النظام قتل الحوار ونحن سندفنه.

ليس هذا فحسب بل أن هناك(15)حزباً مشاركاً في الحوار وفي حكومة الوفاق الوطني قد هددت بفض الشراكة مع المؤتمر الوطني في حالة إصراره على موازنة 2018م.

*دلالة نجاح المسيرة المفصلية:

إن الاستجابة الجماهيرية الواسعة للدعوة النضالية التي أطلقها الحزب الشيوعي بالعاصمة القومية، ودعمتها وعضدتها سائر فصائل المعارضة، تعكس بصدق وحق أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمستفحلة تسير بخطى حثيثة نحو الانهيار الاقتصادي الشامل.

وكما يقولون، فإن للصبر حددوداً. فعند تفاقم الأزمة الاقتصادية واقترابها من الانهيار الاقتصادي، لن يجدي لا التضليل ولا القمع. عندها ستنضج الأزمة الثورية في جانبيها الموضوعي والذاتي. وعند ذاك ستتقدم الجماهير بجسارة من كل حدب وصوب نحو الفعل الثوري المباشر رغم القمع والرصاص وتعطيل الصحف والتهديد تقطع الرؤوس.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )