انتخابات2020م وتقاطعات المواقف(2/2)

بقلم/ أحمد الفاضل هلال

يجب الإقرار بأن الأزمة الوطنية العامة قد بلغت درجة من التعقيد والإرباك تجعل من ثياب بعض القوى على المواقف في ظل عملية الفرز والاصطفاف اليومي مسألة شديدة الحساسية ومن تجلياتها إذ أصبح التشظي ظاهرة سياسية واجتماعية وواقعاً ملموساً.

ويجب الاقرار الاعتراف بأن لا أحد يمكن أن يحدد للخصم تحالفاته وإختيار مكان للمعركة وأسلحتها. إن كل ما يقوم به النظام من عراقيل والغام في سكة القوى المناهضة له يجب أن يكون متوقفاً وأن السلطة سوف تعمل على كل ما يساعد في زعزعة القوى المعارضة وتفكيكها . إن ما يهم النظام هو بقاءه.

ويجب الاقرار بأن مفهوم الانتخابات أصبح حلقة أصيلة في الصراع السياسي ، وهنا لا يمكن اعتبار الانتخابات مجرد أداة أو وسيلة لتنظيم وإدارة الصراع السياسي والاجتماعي عبر مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة.

ومخطئ من يظن بوجود ديمقراطية ونزاهة في ظل القوانين الاستثنائية والمقيِّدة للحريات. ولا يمكن أن تكون هنالك ممارسة شفافة في وجود الاعتقال والحرب والاقتتال. فلا بد من توفير فضاءٍ ومناخٍ متكافئ لأي عملية سياسية. إن الانتخابات ليست فرض كفاية تقوم كيفما تيسَّر لها من الظروف التي تتنافى مع الغرض.

عن المقاطعة، أولاً يمكن القول بأعطاء شرعية للنظام ليست هي النقطة الأكثر جوهرية، لأننا في ظل نظام الأمر الواقع وكثير من قضايانا اليومية تمر عبر نقاط تفتيش هذا النظام، ولا زال يمثل البلاد في المحافل الدولية ومعه تعقد بعض الصفقات الخفية وتتبادل وتجمع المعلومات، وهذا لا يعني بأن المقاطعة ليس سلاح فاعلاً وإنها رسالة قوية وتعبير عن موقف تمثل فيه المقاطعة أكثر الوسائل حزماً. وصحيح هنالك ازدواجية في المعايير في أوساط القوى المهيمنة في العالم. ولا شك لاحظنا حالة التوتر والقلق التي انتابت الدوائر الغربية وهي تتابع الاستفتاء الذي تم في كاتلونيا الاسبانية ورغبتها الصريحة في ضعف المشاركة حتى لا تكون هنالك نتائج على الأرض. إن للشعب السوداني تجربة في آخر انتخابات كيف جعلت النظام يتحرك بهيستريا لتغطية الهزيمة الجماهيرية.

إن العملية الانتخابية ليست لحظة التصويت، إنما فقط سلسلة من الحلقات المترابطة والإجراءات التي تسبق هذا الاستحقاق وبدونها تصبح شهادات المراقبة التي يصدرها المجتمع الدولي "مجرد أوراق مزورة وتعكس رغبات جهات ما لها مصالح".

 إن تقارير المجتمع الدولي لا تعطي الشرعية وتكفي شهادة مركز كارتر المتناقضة. إن المجتمع الدولي وعبر آلياته يعطي في كثير من الأحيان صوراً مبتورةً الأجزاء وأن المنظمات ليست جهات محايدة كما قد يبدو للبعض أحياناً وفي الغالب إن الشرعية تصديقاً أحادياً من أي جهة مهما سمت مكانتها لممارسة القهر والاقصاء، وبدون توافق المكوِّنات لا يمكن الحديث عن أي شرعية وما فائدة أي نتيجة لا تجد الاحترام ولا الاعتراف من أصحاب الحق. ونعلم بإزدواجية المعايير وانتقائية "المجتمع الدولي".

إن النقطة الأكثر أهمية هي أن النظام لا يريد تقديم أي تنازلات لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والالتزام بمشاركة حقيقية للأطراف الأخرى في صناعة القرار وتنفيذه، وإن النظام لا يؤمن بمبدأ التداول السلمي للسلطة ويدرك قبل غيره الانتخابات لا تعطيه أي شرعية وسط شعبه، ولكنها تصبح ديكوراً وإحدى مستلزمات الحضارة وإتخاذ الانتخابات مجرد أداة تضمن البقاء في السلطة بهذه الطريقة الهزلية، وهي(فيزا) للبرلمانات الإقليمية والدولية ولزوم "المواكبة".

إن الانتخابات كمفهوم لا مكان لها في الأدب السياسي لجماعات الإسلام السياسي، لكنها لا تمانع عندما تصبح وسيلة للوصول إلى السلطة والانقلاب عليها لتصبح أداة قهر وتكتيك لشق صفوف المعارضة وإرباكها والإلهاء بين المشاركة والمقاطعة، وفي الأثناء ليستمر النظام في صناعة المخططات التي تمكنه من البقاء من خلال اعتماد الالاعيب وفنيات الخداع.

إن موقف قوى الإجماع لا ينطلق من مقولات ومآثورات على نحو " لا تُجرِّبُ المُجرَّب" ولكن حصيلة عملية لكل من جرَّبً أن يصعد إلى سفينة الجبهة الإسلامية وفي دولتهم العميقة، والتي تقسم بألا تراجع (عن شرع الله)السلطة وامتيازاتها الدنيوية، بالإضافة إلى النقطتين السابقتين لا يمكن تكون المشاركة في المجلس الوطني الانتقالي الذي أعقب التوقيع على اتفاقية نيفاشا والإعلان عن المشاركة في انتخابات2010م ومقاطعتها أخيراً، لا يمكن أن تكون مصدراً للابتزاز السياسي وإجبار القوى المعارضة على المشاركة، باعتبار أن هنالك سابقة وتحقير كل من يحاول التعبير عن مقاطعته بأن هنالك سقطة سابقة، وبل مذلة كما يعبر البعض، ولكن هذا الفهم خاطئ وخلافي، وتلك كانت في سياقات مختلفة والتاريخ كفيل بكشف حسابات الأخطاء. أليس توقيع اتفاقية السلام الشامل تتويجاً لنضالات وتضحيات وانحرافاً في ميزان القوى بشكل مؤقت للقوى السياسية في ذلك الوقت.

لا أحد ينكر أهمية الانتخابات كمعركة سياسية لنشر الوعي والتبشير بنيل الحقوق ورفع القدرات الحقوقية والقانونية، عندما لا تكون الديمقراطية إلا هامشاً.

أليس ما تقوم به القوى السياسية المعارضة من ورش وسمنارات ووقفات في قضايا البديل وقضايا الأراضي والسدود والدعوة لإيقاف الحرب والحريات والمعيشة...الخ حتى وإن أتى من جهات ومراكز غير منظمة أليس كل ذلك يصب في مجال نشر الوعي والتنوير؟

إن النشاط السياسي عمل تراكمي ووارد فيه اختلاف أساليب العمل وإن عملية البناء معقدة كتعقيدات الواقع. وإن الشعب ليس جباناً أو خائفاً كما يعتقد البعض من خلال التلميحات والإسقاط كل ما حصل نهوض في بلد ما ليصبح ذلك المعيار للشعب السوداني، وهذا خطأ لاختلاف الظروف من بلد إلى بلد آخر.

وإن الشعب ليس يأساً من قواه السياسية وستظل الأحزاب هي أهم أشكال التنظيم على الرغم من كل محاولات العداء والتربص. وفي نفس الوقت فإن القوى السياسية لم تفقد الأمل في إرادة التغيير، وهذا لا يعني بالمرة بأن أداء القوى السياسية هو مُرضي ومثالي، يجب الاعتراف بأن هنالك قصور ويجب الالتحام أكثر بالحركة الجماهيرية والتصدي لقضاياها. هنالك مجموعة لا ترى بعينٍ منصفةٍ ما تقوم به القوى السياسية، وإن كان محدوداً من وجهة نظرها فهي تغض الطرف واحترفت سلخ حتى الجلدة الوطنية لها. وهي تتحدث عن معارضة افتراضية خارج معطيات الواقع، ويعزلون أنفسهم ويبرعون في تقديم صور مثالية عما تكون عليه المعارضة والواقع في تغييراته العميقة من ناحية ديموغرافية أو سياسية.

إن حركة الثورة والتغيير ليست دائماً خطاً تصاعدياً وفي عام 1966م حدث انقلابا عسكريا في اليونان صاحبة التاريخ في الديمقراطية وفي العام المنصرم أتت الانتخابات الأمريكية بترامب كأكبر مهدد للسلم العالمي والحقوق المدنية في بلد ما يسمى بالمؤسسات. إن حركة الشعوب تحكمها قوانين التطور الاجتماعي هبوطاً وصعوداً وليس كل التاريخ انتصارات دائمة وكذلك ليس كله هزائم دائمة.

إن المقاطعة هي حق دستوري وهي ليس هروباً أو عجزاً أو بحثاً عن إجابات مريحة وسهلة، وهي تقوم على مقومات منطقية.

 إن الكرة منذ 1989م في ملعب النظام، ويجب ألا يخشى المعارضة في مطالبتها بالشفافية، وهو يملك أكبر حزب سياسي ليس في السودان ولكن على مستوى المنطقة(8 ـ 10)مليون عضو على حسب تقريره، والسؤال المنطقي كان من المفترض ألا يوجه للمعارضة ولماذا تقاطع؟ بل من الأجدر أن يوجه للنظام: لماذا لا يوفر مناخاً معافاً؟ ولماذا يرفض فكرة إسناد مهمة إنجاز الانتخابات لحكومة انتقالية من كل المكوِّنات، وفي ظل استقلالية كل أجهزة الحكم لضمان الحيدة والنزاهة والابتعاد عن شبهة التزوير.

إن الاجتهاد في تصغير نضالات الشعب واستهداف المعارضة من خلال موقفها من مقاطعة الانتخابات لا يخدم القوى التي تريد المشاركة على طريقة(سبكة النظام) ولا يضعف موقف القوى الرافضة للمشاركة في الانتخابات، هذا الجدل يخدم النظام لأنه يحقق الإنشطارات في صف القوى المعارضة ويضعف وحدتها.

صحيح قد تبقى عامان للانتخابات، ويبدو الحديث عنها على الرغم من أهميته يعد قفزاً على الواقع وإقراراً صريحاً باليأس من مقدرات الشعب. على العموم هنالك معركة محتدمة بين النظام وقاعدته الاجتماعية من جهة، والمعارضة بكل مكوِّناتها من جهة أخرى لإحداث خللٍ واختراقٍ في موازيين القوى.

في حسابات الزمن فإن العامين هي فترة طويلة هنالك إرادة دماء في عروق حياة المناضلين فلن يقبلوا في هذه الانتخابات لأداء المهمة الأكثر ثورية في التغيير.

إن وحدة القوى المعارضة هو ما يزعج النظام، هذا يجب ما تدركه القوى السياسية على الرغم من إدراكنا بأن هنالك تناقضات جوهرية بينها، ولكنها لا تمنع الإتفاق على برنامج حد أدنى يمثل هذه اللحظة التاريخية والمفصلية للدولة السودانية.

يلاحظ أن النظام لا يلتفت أن أصبح الوطن كله معارضة! وهذا ليس تخيلاً، لكنه استنتاج للممارسات والسياسات المعادية لقطاعات عريضة من الشعب، ويخيف النظام التنظيم ووحدة القوى المعارضة.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )