ليس بالاسعافات وحدها يحيا الاقتصاد

كتاب البوفيه المفتوح تحولوا من خانة الهجوم على المعارضة إلى الدفاع عن الحكومة

الرقابة الحكومية على السوق لا تحتاج الدعاية والادوار المسرحية

أصحاب الأقلام   الذين طواهم النسيان  ولم يعد لهم دور   دفعهم نهمهم إلى بوفية الإنقاذ المفتوح

بقلم/ قرشي عوض

 مدخل

بينما الأزمة توالي صعدوها، والأوضاع تتفجر في الشارع، تحاول السلطة إعادة إنتاج نفسها في إطار ذات السياسات القديمة، التي قادت إلى ما نحن عليه، مما يعني إن كنانتها قد نضبت،  ولم يعد فيها سهماً تستله. لذلك لجأت إلى أساليب وطرائق تفكير سبق لها أن جرَّبتها، ولم تمنع عجلة التدحرج من أن تصل إلى الهاوية، وإعادة تدويرها يعني إضافة أصفار على حسابات قديمة كما يفعل التاجر المفلس الذي يبحث في دفاتره القديمة، بدلاً من جرد المحل لمعرفة الربح من الخسارة.

الإنقاذ الآن تعيد الاعتبار لـثلاث دعائم قامت عليها، وهي: (الدين/ والقوة/ والدعاية المجافية للحقيقة) كما يتضح ذلك من خلال فض التظاهرات السلمية بالقوة والاعتقالات وما شاع من أحاديث التعبئة وسط القوات النظامية والمليشيات الحكومية. وعادت أيضا نبرة "استخدام القوة" و"عدم الركوع لغير الله" رغم انتهاج سياسة التطبيع. وأخيراً تحميل الأزمة للفاسدين والمدنيين من خلال الترويج الإعلامي الجوي والبري وزيارات مؤسسة الرئاسة لمواقع البيع المخفض، باعتبار أن السلطة لا تعلم! وتريد أن ترى الحقائق على الأرض!! كلها محاولات تحولت إلى نكتةٍ في الشارع الذي يغلي كالمرجل.

* سبعُ ودائع والبخت ضائع

أحاديث حكومية رشحت عن الأزمة الأخيرة، بعضها ليست للحوار مثل تلك التي تحاول أن تحمل الأزمة للمدنيين، وأخرى ترمي اللائمة على المفسدين وتحددهم في(10) وأطلقت عليهم وصف "اللئام" وكلها لا تقدم حلولا، بل أن من أطلقوها لا يعتقدون أن ثمة ضرورة لإيجاد حلول اقتصادية، وراحوا يستعدون لمواجهة الفتن التي تقودها المعارضة ـ حد قولهم ـ مهددين تارةً باستخدام العنف وأخرى بالتحذير من مصير دول الربيع العربي، لكن وسط هذا الهرج والمرج طرح من بعض المحسوبين على السلطة معالجات، بعضها يتعارض مع سياسة السوق الحر لجهة أنها توصي بفرض رقابة حكومية على السياسة المالية وعلى السوق، والبعض الآخر يطالب الدول الصديقة بوضع ودائع في البنك المركزي، وأن تحذو حذو قطر التي سارعت لإنقاذ السودان.

نقول لهؤلاء:إن هذه الدول سبق وقامت بهذا الدور، ولم يجدِ فتيلا، طالما أن أسباب ارتفاع سعر الدولار موجودة، وأن المتلاعبين يسرحون ويمرحون، ولن تطالهم يد العدالة في ظل قوانين تعاني عيوب فنية كبيرة مثل(التحلل) وتطبيق فقه (السترة)عند كشف الثراء الحرام،  وغيرها من أساليب الاحتيال المقنن.

لكن حتى إذا استجاب جسد الاقتصاد لتلك الإسعافات،  فان العلاج شيء  آخر،  ويتمثل في إزالة العقبات أمام إنتاج سلع الصادر، وهذا ما يتعارض مع السياسة الاقتصادية المعلنة. كما أن هذه الدول التي وصفت بأنها صديقة للسودان والمقصود السعودية والإمارات، لا أظنها تصادر أموال الأثرياء والمترفين من ذوي القربى، لتضعها تحت تصرف لصوص السودان، على الأقل من وصفتهم جهات رسمية بالـ(10)اللئام، فالأقربون أولى بالمعروف.

* رقابة مباشرة

رفع صحفي كبير الهاتف ليتلقى دعوة من مجلس الوزراء لمرافقة رئيسه في جولة تفقدية لأسواق البيع المخفض مستغلاُ في ذلك عربة نقل عادية بدلاً عن التشريفة الرسمية التي كانت تسبق مواكبه يعني متخفٍ حتى لا يعلم أحد بوصوله ويستطيع أن يتأكد بنفسه من التزام هذه المنافذ بالبيع بأسعار مخفضة.

هذه الخطوة هللت لها صحافة النظام ولعلها أعادت إلى أذهانهم صورة عمر بن الخطاب الخليفة الثاني وهو يتفقد أحوال الرعية دون أن يتعرف عليه أحد ـ للدرجة التي أغرت امرأة بأن تقول(الله بيننا وبين عمر) منتهى الشفافية ـ لولا وجود لافتة تحمل توقيع المحلية ترحب بمقدم سيادته.

لكن ما تجنب الصديق الصحفي الإشارة إليه في غمرة فرحته بدعوة تصله من مجلس الوزراء الموقر وهو: هل هناك تسعيرة وديباجة على السلع حتى تتم محاسبة الموزعين بها؟ إن كانت الإجابة(نعم)وهذا ما نشك فيه، لماذا لا تعمم الحكومة تسعير السلع وتجعلها في الأسواق، وترتب عقوبات على من يخالفها، عبر جولات تقوم بها مباحث حماية المستهلك دون أن يتكبد السيد المسؤول الثاني في الدولة مشقة الطواف على الأسواق بنفسه، في حين أن المهمة تستطيع أن تقوم بها جهات اقل وزناً من مجلس الوزراء، ولا أظن أن الصحفي الهمام سيرفض مرافقتها، أن لم تكن الإنقاذ قد وصلت مرحلة انهيار النظام الديواني، ولم تعد هناك دولة خارج نطاق الرئيس ونائبه الأول.

الرقابة الحكومية على السوق لا تكون بمثل هذه الدعاية التي يحاول من خلالها بعض المسئولين إن يصنعوا لهم دوراً ولو مسرحي بعد أن وضعت   السلطة التنفيذية تحت جناحين وحول كل مجلس الوزراء إلى مجموعة مقررين في مجالس يرأسها هو وعاد بكري حسن صالح كما كان مجرد نائب، وجرد نوابه، خاصة مبارك الفاضل من أدوارهم التي مكنتهم منها رئاسة قطاعات مهمة في الدولة، مثل القطاع الاقتصادي وتمرير روشتة صندوق النقد الدولي بسهولة ويسر تحت دعاوي تشجيع الاستثمار.

 كانت الرقابة الرسمية على السلع موجودة في الماضي بشكل مؤسسي فقد يتمثل في مؤسسات حكومية مثل المؤسسة الحكومية لتجارة السكر والدقيق على سبيل المثال لا الحصر، تضع الأسعار لتاجر الجملة والقطاعي مع تحديد هامش الربح لكليهما، ولا تستطيع جهة ما ان تخالف التسعيرة الحكومية ولا تحتاج أن يقوم الرئيس او نائبه بجولة تفقدية على الأسواق، وتقدمها لنا صحافة النظام كفتح غير مسبوق في عالم الشفافية والالتصاق بالجماهير.

* الكلام "لو بينفع بتقال"

الحكومة وعلى مستوى عالٍ قالت إنها سوف تضرب المفسدين، طبعاً هذا بعد أن طفح الكيل وأصبحت إمكانية التستر على الفساد مستحيلة عن طريق المغالطات القديمة من على شاكلة أن تقرير المراجع العام يهزم الشعب نفسياً، أو أن من يملك(بينة) فليذهب إلى القضاء، علماً أن مواجهة  التعدي على المال العام مسؤولية  الدولة  وليس المواطن.

لن يختلف معنا أحد في أن الفساد اصبح على درجة كبيرة  أوقف معها سيطرة الدولة على الاقتصاد، ولذلك لا أظن المفسدين الذي تتوعدهم الإنقاذ صغاراً، وإلا كان الضرر صغيرا. ولن يكون معقولاً تقديم بعض الأسماء او الكباش الصغيرة لفداء التماسيح الكبار، وما يتوقعه الرأي العام ولا أظنه يحدث هو ظهور(تماسيح "عشارية") دون ذلك سيكون الحديث للاستهلاك السياسي وكسب الوقت وسوف يتحول إلى سخرية بين المواطنين، ولا أظنهم يحتملون أكثر.

* سقوط الأقنعة

كانت الحكومة تعول على الاستهداف الخارجي، خاصة من قبل مصر وإريتريا في امتصاص أثار الصدمة الاقتصادية، فانطلق قلم إسحاق احمد فضل الله يصورها على طريقة أفلام "الجاسوسية" مضيفاً لها من الخيال ما وسعه، لكن بمجرد إعلان ميزانية الجوع والفقر انفجر الشارع غير مبالٍ بأفلام الكرتون الحكومية.

 وحين سقط القناع واتضح أن لا حرب قادمة يمكن ان تتعلق بها الإنقاذ أو تتقي بها غضبة الشعب دخل منتجو فيلم الرعب السياسي في حرج بالغ، وكان لزاماً عليهم أن يجدوا للسلطة و أنفسهم مخرجاً من هذا المأزق، فانطلقت ذات الأقلام التي لم تعد في وجهها مزعة لحم تحدثنا عن انتصارٍ للسلطة يتمثل في زيارة السيسي للبشير بمقر إقامته بأديس إبان القمة الأخيرة، مما يعني انتصاراً للموقف السوداني وتهافت الجانب المصري، والذي عده البعض انتصاراً لوزير الري السوداني الذي(تحطمت على صخور شلالاته هجمات مصر على السودان) هكذا قالوها.

لكن هزيمة المخطط انتهت بإعلان حقيقة أن ليس هناك حربا تلوح في الأفق وان دول حوض النيل الثلاث قادرة على احتواء موقفها بالدبلوماسية، إذاً أيها السادة دعونا من هذه "الخزعبلات" وعودوا إلى أزمتكم الاقتصادية يرحمكم الله، فماذا أنتم فاعلون؟ لأنّ مغالطة الحقائق بإنتاج الأوهام لم تعد مجديةً.

* سيرة وانتهت

بعض أصحاب الأقلام من الذين طواهم النسيان، ولم يعد لهم دور بعد انتهاء الحقب التاريخية التي خدموا فيها، دفعهم نهمهم إلى بوفية الإنقاذ المفتوح، لكن عملتهم لم تعد متداولة فماذا يفعلون؟ سددوا قيمة الفاتورة بشيكات مسحوبة على مهاجمة المعارضة، مركزين على ضعفها وعزلتها المزعومة عن الجماهير. اقتاتوا على موائد الإنقاذ على هذا الرصيد ردحاً من الزمن، لكن السلطة وبحكم أنها تملك أجهزة رصد تسمع (دبة النملة) كانت تعلم أن الحقيقة على العكس مما يروج له السادة ( المعازيم) وأنها تتظاهر أمامهم بأنها تستمع لما يقولون للمرة الأولى، طالما  أنه يصب في خانة الحرب الإعلامية بينها وبين المعارضة، إذا كان سادتنا يمضون للحكومة على(شيكات من غير رصيد) من الحقائق، حتى نفد ما عندهم. حينها طالبتهم الإنقاذ بان يقوموا بعمل حقيقي، خاصة وان انفجار الشارع وتقدم قيادات المعارضة للمسيرات والمظاهرات قد اثبت زيف وخداع ما كانوا يكتبونه،  وتظاهرات الإنقاذ التي قابلت الوضع بطريقتها المجرَّبة بأنها انخدعت فيما كان يقدم لها على أساس انه حقائق عن ضعف المعارضة، وكان على الملتحقين بها أن يكفروا عن سيئاتهم بالالتحاق بالسلطة( عديييل) ويتحولوا من خانة الهجوم على المعارضة إلى الدفاع عن الحكومة، حتى وهى في هذا الوضع الذي اعترف فيه الرئيس بضرب المفسدين للمشروع الحضاري الذي استشهد من أجله إبراهيم شمس الدين والزبير محمد صالح.

وبذلك تكون الانقاذ قد عادت الى المربع الأول باعتماد أدوات التمكين التي قامت عليها، وهي(الدين/والقوة العسكرية والدعاية الإعلامية المجافية للحقيقة)لكن الأمر انكشف وأن كل ما يعاد "تدويره" يعتبر فيلماً شاهده الشعب بمختلف أجياله حتى الذين ولدوا في ظل الإنقاذ، أين المفر.       

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )