ما لا بد من قوله

النوبيون واللغة، فترة ما قبل التلاشي (3/3).

 ميرغني ديشاب

(1)

كان منجم دوشات (كما كان يسمى) قد قام شرق منطقة دوشات (الدويشات الآن) على بعد 69 كلم جنوب وادي حلفا عام 1948م. أقامه عبدالله الفاضل المهدي اتفاقاً مع شركة بريطانية، وكان يعمل فيه ثلاثة مهندسين ايطاليين، ما زال الناس يذكرونهم (جواني- أنتوني- ألدو). خدَّم ذلك المنجم أهل المنطقة؛ نعم لكن ذلك التخديم كان وبالاً عليهم.

          كان أشقّ عمل في ذلك المنجم، إدارة آلة (دربكين) ضخمة تثقب بها الجبال داخل مغارات، وكان لا يقدر عليها سوى الأقوياء من الشباب. يُدخل الواحد منهم مقدمة الدربكين في حجر يحددونه له، يضغط على الآلة بما أوتي من قوة ليحدث تجويفاً وسعة محددة هو الذي سيضع فيه (الخواجة) متفجرات تفجّر من بعيد. وهذا التفجير هو الذي يصنع تلك المغارات، ويظل الواحد متنقلاً من ثقب إلى آخر، والخواجة متنقلاً من تفجير إلى آخر.

          كان (الرايش) يتدفق على من يعمل على تلك الآلة في ذرات حجرية دقيقة، عبارة عن غبار فيستنشقها المسكين. وبمرور الزمن يصاب بمرض رئوي قاتل، فيذوي قليلاً قليلاً حتى يموت، ونحن نجد أن مثل هذه الحالة المرضية القاتلة، قد حدثت لعمال مناجم ذهب في جنوب أفريقيا، وحدث في العام 2012م أن رفع هؤلاء العمال الجنوب أفريقيين قضية على الشركة البريطانية في المحاكم العالمية. وقد ذكرت هذا الخبر جريدة الامارات اليوم "النسخة الالكترونية" بتاريخ 18/ أبريل/2012م.

          وكان العمال الآخرون – أصحاب الأجر الأقل قياساً بهؤلاء الشباب- يعملون في استخلاص الذهب من الحجارة بعد طحنها باستخدام الزئبق. كان هؤلاء يحركون الزئبق بأيديهم ويستنشقونه، وبذلك يذوون قليلاً قليلاً حتى يموتوا كذلك. من هؤلاء من مات سريعاً، ومنهم من بقي أكثر في انتظار الموت، ذلك أن من عمل في ذلك المنجم في العملين المذكورين كان يعلم أنه سيموت في أي وقت كما كان الآخرون يعلمون أيضاً. اختصاراً نقول أنه مات جراء ذلك 106 من خيرة شباب دوشات. وقد قام ناشطون نوبيون برصد أسماء الموتى ونشرها في بعض المواقع الاسفيرية.

          من المعلوم أن مناطق أقصى شمال السودان مشهورة بالمعادن ومنها الذهب. وكان منجم آخر قد قام في منطقة المحس هو منجم أبوصارة متزامناً مع قيام منجم دوشات تقريباً. وقد حصرنا الموتى من العمل بمنجم دوشات وعلمنا أن هناك موتى في منجم أبوصارة، إلا أننا لم نحصرهم حتى الآن. والغريب في الأمر، أن الاستعمار الانجليزي كان قد صدّق لعبدالله الفاضل المهدي في منجم دوشات للتنقيب في حدود 2 كيلومتر مربع، أما الحكومة الوطنية الحالية فقد صدّقت لورثته بـ 230 كيلومتر مربع فتأمل.

 

(2)

          اكتشاف الأمر الخطير كان مفاجأة لنا، فبغتةً ظهر في دوشات أمر غريب، كنا نجد عصافير ميتة حول جدول ماءٍ يسيل إلى النيل من الشركة التي صارت تسمى شركة الدويشات بعد أن كان اسمها مهوقني، كما صارت بهائمنا إذا ذهبت إلى ذلك المجرى الذي فيه نباتات تأكلها. ذلك الأمر المحير لفت نظرنا فصرنا نبحث عن كنهه حتى وجدنا أنه (السيانيد)، المادة القاتلة للإنسان والحيوان عن طريق اللمس والبلع والاستنشاق، الضار بالتربة والبيئة والنبات والماء، والذي ينتشر على نطاق واسع يؤدي إلى استنشاقه، إذن هو الموت وفناء الحياة حولنا. كان ذلك في أحد أيام 2012م.

          كان هناك صراع طويل بين أهالي (دوشات- اتيري) الذين تمتد الشركة في أرضهم وبين الشركة التي ترى نفسها شركة امتياز، وبالتالي لا تتقيد بالمسؤولية الاجتماعية (كما قيل لأعضاء لجنة الأهالي التي تحاور مسؤوليها مؤخراً). طالبنا بمركز صحي فأقامت لنا الشركة مكتباً يحوي أمصال عقارب وثعابين في موضع الشركة شرق النيل، على الرغم من وجود كثيرين غرب النيل يلقون عنتاً في التعدية إلى الشرق إذا حدث حادث ولجنتنا المذكورة مفوضة من جمعيتي دوشات واتيري التعاونيتين، لكن التفاوض بينها وبين مسؤولي الشركة لا يمضي إلى الأمام في الغالب.

          في يوم 30/10/2013م استدعي صاحب هذه الكلمة لمكتب جهاز الأمن بوادي حلفا. تكرّم المسؤولون في جهاز الأمن باحضار مدير شركة الدويشات (السيد عثمان). حكينا في ذلك الاجتماع عن تاريخ المنجم، ومن ماتوا جراء العمل فيه كما حكينا عن السيانيد وطالبنا بأمور، كان المستشار القانوني للشركة يتحدث كأنه مالك الشركة، فأهملناه وكان مدير الشركة أميناً في اجاباته على أسئلتنا:

-         س: هل تستخدمون السيانيد يا سيد عثمان؟

-         ج: نعم.

-         هل هناك أي وقاية أو اجراءات سلامة في المنجم؟

-         ج: لا.

-         س: اذن، سيموت الناس وتموت الحياة، ولو باستنشاق السيانيد.

-         ج: سـ (نعمل) على الوقاية.

 

تكمن المشكلة هنا في القرار الذي انتهى إليه ذلك الاجتماع. وهو أخذ عينة من المادة المستخدمة في استخلاص الذهب، وإرسالها إلى المعمل المركزي في الخرطوم، (ونشوف النتيجة). ذلك على الرغم من أن بحثاً قليلاً في الانترنت كان يكفي للتعرف على مخاطر السيانيد. وحتى الآن نحن في انتظار النتيجة.

     كانت محلية وادي حلفا قد فتحت أبوابها لمنح تصاديق تعدين أهلي لبعض أهالي دوشات واتيري فعملوا في التعدين الأهلي في الأرض، حتى إذا جاءت الشركة صاحبة الـ 230 كيلومتر مربع تعارضت مساحة عملها مع هؤلاء الذين لهم تصاديق عملوا بها قبل مجيء الشركة في عام 2007م. والآن هم متمسكون بما يرونه حقاً لهم، فتصاديقهم من الحكومة وقد دفعوا فيها أموالاً، وتصديق الشركة من الحكومة، وقد دفعت فيه أموالاً، وهما بذلك متساويان. والحل أن تتنازل الشركة عن مساحة مقدرة لهؤلاء وتلتزم بالوقاية من السيانيد، وتنزل إلى مستوى مطالب الأهالي فتجيزها كاملة غير منقوصة. أما المماطلة بأفعال المضارعه التي يتقدمها حرف السين (سنعمل- سنبحث) فلن يكون وراءها إلا الصراع.

     كان خبر إنشاء سدي دال وكجبار شديد الوقع على النوبيين، وهم قد رأوا ماذا فعل السد العالي بأهالي وادي حلفا. واشتدت التعبئة ضد ذلك عبر لجنتي السدين فكانت تظاهرات المواطنين في صواردة ووادي حلفا وغيرهما. وكان مقتل الشهداء الأربعة في 13/6/2007م داعياً للتأبين السنوي لهم في ملاحم التعبئة تلك في غضبٍ ثائر. وكانت تظاهرة الخرطوم ابان تمويل بناء تلك السدود في اطار ذلك الغضب.

     لقد غطت مياه السد العالي كثيراً من الآثار إضافة إلى الأرض التي تحدثنا عنها في المقال السابق وقد هُجّر من هُجّر إلى أرض لم يتكيفوا معها، وبيئة لم يألفوها، وأمراض فتكت بهم، فلم يبق منهم سوى القليل كما أوردنا من قبل. ومن الطبيعي – مع هذا- أن يرفض الناس إعادة ذلك.

     يتحدث النوبيون الآن عما سموه باسم (الابادة الجماعية). وهي لاحقة – لا شك- بامتداد شركات تعدين الذهب على طول مناطقهم من وادي حلفا حتى دنقلا (حوالى 18 شركة). ويردون ذلك الحديث إلى الرقعة الجغرافية الواسعة التي يؤثر فيها السيانيد أرضاً وناساً وحيوانات ونباتات وماءً، خاصةً وقد كثرت حالات الموت عندهم، وصارت هناك أمراض لم يعرفوها من قبل، ووافدون كعمال في التعدين الأهلي ينيفون عن مليون نسمة. واذا أضفنا إلى ذلك صلف الشركات في تعاملها مع الأهالي، وسرقة الآثار وإهدار موارد البلاد، لوصلنا إلى أنه يحق للنوبيين ما يفعلونه. ولا يستطيع أحد – يعرف حالهم الآن- أن يقول غير ذلك.

     في مدينة وادي حلفا وحدها 4 شركات تستخلص الذهب عن طريق السيانيد ومن المعروف أن أي شركة لتعدين الذهب ينبغي أن تكون على بعد 15 كيلو متر من مساكن الأهالي، ولانتشار السيانيد في مساحة لا تقل عن 150 كيلومتر دائري فان الأهالي الذين يسكنون في المنطقة الواقعة بين وادي حلفا ودنقلا معرضون لمخاطر السيانيد.  ففي وادي حلفا نجد شركات (دوسة) على بعد 2كيلومتر منها وشركة (فو) الصينية على بعد حوالى 7كيلومتر وشركة (رويال) الهندية على بعد حوالى 10كيلو متر وشركة (دويشات) على بعد 69 كيلومتر. معنى هذا أن مدينة وادي حلفا قريبة جداً من مدى انتشار السيانيد الذي يبلغ 150 كيلومتر دائري.

     ولعل الحزب الحاكم يكون قد قرأ تراجعه من نتائج مرشحيه في انتخابات 2015م. فمرشحه في الجنوب – دنقلا- فاز عليه برطم المستقل، أما مرشحه في الشمال – محلية وادي حلفا- عصام الدين ميرغني علي، الذي كان مرشحا ونائبا برلمانيا عن الحزب الحاكم فقد صوّت ما يزيد عن 77 ألف ناخب في انتخابات 2010م، وفي تراجع حزب المؤتمر الوطني في انتخابات 2015م حصل على ما يزيد عن 17 ألف صوت بقليل، ومعنى ذلك أنه فقد ما لا يقل عن 60 ألف صوت. وفي صمت هذا الأخير عن الكلام المفترض قوله تحت قبة البرلمان إزاء كل الذي قلنا من مظالم ما سوف نراه في المستقبل.

 

(3)

     اللغة هي الهوية، أو هي من أهم سمات الهوية، اللغة النوبية من اللغات الأفريقية القديمة في السودان. موطنها في أقصى شمال السودان وفي شرق السودان في مدينة حلفا الجديدة ومصر والمتحدثين بها أهل دنقلا والمحس والسكّوت وبطن الحجر والفديجّا – في السودان ومصر- والكنوز. وقد تحدثنا عن الشتات النوبي من قبل، وهو شتات لم يستطع معه أحد من تعداد النوبيين. لكن هناك بعض الانحراف عن الاعتراف بهم في كتب منشورة.

     في كتاب (أوضاع اللغة في السودان) الذي صدر في جامعة الخرطوم في 2011م تم تفصيل أمر اللغات في السودان، خاصة عدد المتحدثين بها، لكن عندما جاء واضعو هذا الكتاب إلى اللغة النوبية قالوا إن عددهم حوالى 600 ألف، دون إشارة إلى أنهم يتحدثون لغة تنتشر في دنقلا ومصر ومناطق لغة نوبيين وليست هي من اللغات الكبيرة في السودان. هذا الكتاب ذاته عندما تحدث عن لغة فلفلدي (الفولاني) ذهب إلى أنهم ينتشرون في سنار والقضارف وكسلا ودول غرب أفريقيا. ولهذا كان عددهم مليون وخمسمئة ألف نسمة. فهي استناداً على ذلك من أكبر 14 لغة في السودان. كان ذلك أخذاً عن قائمة لغات عدّها د. سيد حامد حريز وبروفسور هيرمان بل عام 1975م.

     كانت كتابة اللغات الأفريقية بالحرف العربي قد بدأت في السودان عام 1957م بكتابة ست لغات من جنوب السودان. رفض كتابتها أهل الجنوب فيما بعد. كان ذلك في هوس تعريب أهل الجنوب. ذلك أن هذه اللغات ينبغي أن تنمو في جو معافى حيث لا قامع لها، لتصب آدابها وتراثها في نهر الإبداع السوداني، والمساس بها من حيث كتابتها بهذا الحرف ينبغي أن يستشار فيه أهلها، خاصة وأن هناك لغات مكتوبة منذ القدم مثل النوبية.

     فوجئنا في وادي حلفا بقافلة قبل عامين جاءت لكتابة اللغة النوبية بالحرف العربي، حاملة كتب مطالعة تقول بكتابتها بالحرف العربي الممغنط، ومن المعروف أن الدكتور مختار خليل كبّاره كان قد بعث الأبجدية  النوبية في منتصف التسعينات من القرن الماضي وصار النوبيون يكتبون لغتهم بحرفها هي ولم يكونوا في حاجة إلى حرف آخر.

 

(4)

     لا ندري إن كانت الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر الوطني فيما يسمى بالحوار الوطني، قد ناقشت أمر أن يحكم السودان فيدرالياً أم لا؟ لكننا نقول أن السودان قابل للتشظي الآن، ومن الخير أن (يلحقه) السودانيون حكومة وأحزاباً ومعارضة وشعباً فإما:

  • حكم فيدرالي.
  • أو كونفيدرالي.
  • أو حكم ذاتي لكل جماعة لغوية في إطار الدولة الواحدة.

هذا ما كنا نقول عنه: (كيف ينبغي أن يُحكم السودان؟) لا ( كيف يُحكم السودان؟). وقد تلقف قولنا هذا (كيف ينبغي أن يحكم السودان) أحدهم ونسبه لنفسه وربما تباهى به.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+