الديمقراطية

من منظورٍ ماركسيٍ

الديمقراطية المتعارف عليها اليوم في دهاليز الفكر والسياسة، يشار دوماً على انها تعني الديمقراطية الليبرالية، والتي يؤخذ مثالاً لها ديمقراطية ويستمنستر.

فهل الديمقراطية بمفهومها الليبرالي تحقق تطلعات كل طبقات المجتمع؟.

وإن لم تكن كذلك فماهي القوى التي تستأسد لتطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي، أو بعبارة أخرى ما هي المكاسب الإقتصادية والسياسية التي تحققها  قوى طبقية بذاتها في مجتمع ما! من تبني نظام حكم ديمقراطي ليبرالي؟.

يتجسد النظام الديمقراطي الليبرالي في حشد المجتمع لإنتخابات ينتج عنها برلمان يفترض أنه يمثل التوجه العام لذاك المجتمع.!. ولكن السؤال الذي يبرز دوماً! هل البرلمان المنتخب يعبر تعبيراً حقيقياً عن المجتمع؟ أو بعبارة أخرى هل إنتخاب برلمان بهذا المفهوم يعني إن شرط إستيفاء الديمقراطية قد تحقق..!؟.

الواقع يقول أن وجود برلمان منتخب لا يعني بحد ذاته! تحقق النظام الديمقراطي في المجتمع وخير دليل على ذلك إن خيار المواطن الإنتخابي يمكن أن يوأد بذات العناصر التي تم إنتخابها وخير مثال لذلك طرد نواب الحزب الشيوعي السوداني  من البرلمان بعد ثورة إكتوبر.!.

من الواضح أن البرلمان المنتخب في ظل النظام الديمقراطي الليبرالي يعبر عن نفسه من خلال إنتماء أعضائه الطبقي! وهو ما يعني أن تشكل البرلمان يخضع للصراع الطبقي داخل المجتمع، ومن ثم فالبرلمان يعبر عن سيطرة طبقية، قبل أن تكون سياسية، لإحدى مكونات المجتمع وبالتالي فهو يعبر عن مصالح طبقية هي حتماً منحازة للقوى التي تشكل لها الديمقراطية الليبرلية وسيلة لتهيئة وعاء سيطرتها على أجهزة الدولة..!.

ولمعرفة البنية الطبقية لمكونات مثل هذا البرلمان، فيتوجب علينا أن نتساءل!، عن موقع الديمقراطية الليبرالية من مسألة فصل السلطات في المجتمع الديمقراطي!.

إذا أسلمنا جدلاً بأن البرلمان بؤرة صراع طبقي وتسيطر عليه قوى هي التي تستظل بالديمقراطية الليبرالية لتحقيق أهدافها، حينها يكون الحديث عن فصل السلطات الثلاث " التنفيذية، التشريعية  و القضائية " ضرباً من التخبط، فالقوى الطبقية التي تسيطر على البرلمان الليبرالي هي التي تفرض رؤاها على مجمل مسار الدولة وبصورة أكثر وضوحاً فهي تمارس دكتاتوريتها على بقية طبقات المجتمع وهو ما يوحي بعدم تنازلها عن حقوقها هذه إلا من خلال معركة أو معارك فاصلة تهدف لتغيير بنية الدولة.

إن الدعاية المتواصلة لتبني الديمقراطية الليبرالية هي في الأساس دعوة لتمكين القوى البرجوازية والرأسمالية من السيطرة على مقاليد السلطة ومن ثم فرض توجهها! وهذا هو الوجه السافر " دون رتوش أوأصباغ " الذي تمارس فيه ديكتاتوريةً تستند على هذا النظام الديمقراطي الليبرالي الذي يدعي بأن كل المواطنين سواسية في تحديد مسار الدولة، فهل نعي ذلك..!؟.

من خلال تجاربنا تسعى القوى البرجوازية للسيطرة على حركة المجتمع من خلال إخضاعها لهياكل الدولة التي تسيطر عليها وحالما يبدو لها في الأفق إن الطبقات الكادحة من المجتمع " العمال وصغار المزارعين " في طريقها لإجراء تعديلات جوهرية في بنية الدولة لمصلحة الكادحين!، لا تتورع هذه القوى البرجوازية من تسليم السلطة لنخب قوى البرجوازية الصغيرة، التي هي حتماً تعبير رصيداً لها في صراعها الطبقي، وذلك لكي تفرض ديكتاتورية عسكرية شمولية تستطيع من خلالها أن تشتت الترابط الذي أوصل قوى الكادحين لمقارعتها في الميدان الإجتماعي.!، ويتمدد هذا الوضع الشمولي في إنتظار اللحظات المناسبة للعودة لدعوتها القديمة – الجديدة، أي للنظام الديمقراطي الليبرالي الذي هو بالتأكيد يشكل في حد ذاته متنفساً للطبقات الكادحة مقارنة بما يحدث من إضطهاد وإستلاب لحقوقها في ظل الأنظمة الشمولية، وهو الداعي لأن تتصدر الطبقات المسحوقة الدعوة لعودة النظام الديمقراطي رغماً عن قناعتها بأن القوى البرجوازية والرأسمالية ستعود لممارسة دكتاتوريتها الطبقية تحت مظلة النظام الديمقراطي الليبرالي.

إن الحديث المموَّه عن فصل السلطات في النظام الديمقراطي الليبرالي مقصود به إخفاء سوءة هذا النظام، فلا يستقيم عقلاً وجود فصل لهذه السلطات في ظل سيطرة طبقية، هدفها الأساسي حماية مصالحها، وأفضل توصيف لهذا النظام هو أن يقال عنه، أنه تكاملٌ بين السلطات الثلاث خدمة للطبقة المسيطرة على بُنى المجتمع الفوقية. فالسلطة التشريعة المنتخبة هي نفسها التي تدير مؤسسات الدولة التنفيذية وهي التي تجيزالقوانين التي تحكم السلطة القضائية، أي بالنتاج فمنبعها جميعاً واحد وهو ما يهيئ لها الإطار القانوني لفرض رؤاها وبالتالي سيطرتها المطلقة على بنية الدولة خدمة لمصالحها الطبقية، وبالمحصل النهائي فرض لرؤيتها أي إعمالاً لديكتاتوريتها!، وهنا ينقشع الضباب الذي يلف الديمقراطية الليبرالية، حيث لا يستقيم عقلاً في هذا الحال أن تعبر عن نظام ديمقراطي حر! يتساوى فيه كل أفراد المجتمع.

يقودنا هذا إلى أن النظام الديمقراطي الليبرالي هو نوع من الديمقراطية ولكن داخل المكون الطبقي الذي يسيطر عليه " مع تعدد الأطر السياسية التي تغترف من ذات المنبع "، أما في تعامله مع بقية طبقات المجتمع فلا مناص له من إبراز وجهه الديكتاتوري، وإلا لن تستقيم له السيطرة على مجتمعه.!.  

يتضح لنا أن البرلمان الذي تفرزه الديمقراطية الليبرالية هو جزء من بنية الدولة البرجوازية، و بالتالي فهو خادم مطيع لها لا يمكن أن يقوض أركانها، ومن أوجب واجباته إلهاء الجميع بمسخ ديمقراطي يبيح للقوى البرجوازية والرأسمالية إحكام سيطرتها على بنية الدولة.!.

ويحضرنا هنا حل لينين للبرلمان الروسي عام 1918م عندما تحول البرلمان إلى أداة في يد الثورة المضادة، وتم حله بإسم مجلس السوفيتات الذي كانت السيطرة فيه لقوى البروليتارية، وهو ما يوضح بأن العبرة ليس في التسمية ولكن القوى الطبقية المسيطرة على المجلس برلماناً كان أم جمعية تأسيسية..!.

إن حق الفرد في الإنتخاب لا يشكل سوى فرجة في حقوق بني البشر المتعارف عليها اليوم في كل أصقاع العالم، فلا يمكن أن يستقيم عقلاً منح مجتمع ما الحق في زيارة صناديق الإقتراع وهو مكممٌ لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية أو يدافع عن معتقده أو ينتظم في قوى تعارض السلطة الحاكمة. إن إطلاق مثل هذه الحريات إضافة لحق التظاهر والإضراب يدخل القوى البرجوازية و الرأسمالية في نفق فقدان سيطرتها على الحراك الإجتماعي، وحتى في الدول التي ترسخت فيها الديمقراطية الليبرالية نجد أن هذه الحقوق قد أحيطت بسياج من التأمين لدولة الطبقة المسيطرة، فحق التظاهر والإضراب يخضع لموافقة ومتابعة السلطات الأمنية، وبذلك تستطيع الدولة البرجوازية والرأسمالية تحديد سقوف الحراك الإجتماعي في فضاء لا يمس سيطرتها المطلقة ويفتح في ذات الحين منفذاً لتنفيس الغضب لدى جماهير الكادحين..!.

وقد بين لينين ، أنّ سيطرة البرجوازية على جهاز الدولة  يمكنها من توجيه العملية الانتخابية  نحو المآلات التي تسعى لها وينطبق ذلك على غيرها من الممارسات المتعلقة بالحقوق والحريات الديموقراطية في دولتهم التي فصلوها على مقاسهم.

في الدول المتقدمة إستطاعت القوى البرجوازية في حلفها مع رأس المال المسيطر من أن تحد من قدرات الطبقة العاملة رغماً عن قدرات العاملين في الغرب، وإستطاع رأس المال أن يروض الحراك الإجتماعي وسط الكادحين من خلال تكديس الثروة في الغرب على حساب شعوب العالم الثالث الفقيرة التي تخضع للإستعمار المباشر، أو من خلال إخضاعها لدورة رأس المال العالمي التي تبدأ وتنتهي في القلاع الإمبريالية، وبدلاً من أن تخوض قوى الكادحين معاركها مع القوى الرأسمالية في الغرب وتصبح قدوة للصراع الطبقي الذي يستعر في ظل سيطرة القوى البرجوازية والرأسمالية، إلا أنها وبحثاً عن مصالحها تخوض صراعاتٍ خجولة وتنخرط في مجملها تحت راية قوى العدالة الإجتماعية الساعية لتحسين وجه النظام الرأسمالي العالمي لا الداعية إلى تحطيمه وبناء دولة الكادحين..!. 

من هنا فقد أصبحت حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية مبدأً أساسياً في الغرب الرأسمالي ما دامت لا تشكل خطراً على سيطرة رأس المال وعلى بنية الدولة في الغرب. وما عادت الطبقة العاملة المتمترسة في دول العدالة الإجتماعية المزعومة نصيراً حقيقياً للحراك الإجتماعي في الدول الفقيرة وقواها التي في مجملها تعيش أوضاعاً إقتصادية وإجتماعية وسياسية تستوجب التطلع نحو علاقات تتجاوز ما وقف عنده الغرب الرأسمالي.!.  

نستعيد مع فلاديمير لينين ما سبق أن أكده من إن تمثل المجتمع من خلال هيئات تعبر عنه هو شئ مطلوب في حد ذاته، وحق لا بد منه في ظل إي نظام حتى في المجتمع الاشتراكي. لكن أن يكون البرلمان وسيلة لقمع الكادحين وإبعادهم من التمثل في غرف صناعة القرار في دولتهم فهذا ما يعارضه لينين ويمضي موضحاً،  أن البرلمان الليبرالي لا يمكن أن يقدم أكثر من ذلك لأنه تعبير عن سلطة الطبقة التي يمثلها، وإن حاد عن الطريق المرسوم له فسيكتب لدولة طبقته  البرجوازية مشهد إضمحلالها.!.

إن لينين لا يحاول أن يبين مثالب للنظام الديمقراطي ولكن يوضح مشهده الليبرالي وحتمية سيطرة الطبقة البرجوازية على بنية الدولة فيه، وحين يطالب بأن تكون الغلبة في البرلمان لقوى الكادحين فهو يسعى لضمان سيطرة الفئات صاحبة المصلحة الحقيقة في التغيير وفي تقدم المجتمع، هذا المجتمع الذي تشكل فيه طبقات العاملين أدني حلقاته،  وبالتالي أي تطور لها يستوجب تطور كل مكونات المجتمع. ومن هنا تبرز مقولة دكتاتورية الطبقة العاملة حيث أنها تتأتى بحكم سيطرة هذه الطبقة على بنية الدولة، أي بسيطرتها على سلطاتها الثلاث تشريعة وتنفيذية وقضائية من خلال سيطرتها على البرلمان المنتخب، وهو ما يوصلنا إلى أن النظام الديمقراطي بكل أشكاله يفرض في النهاية دكتاتورية الطبقة المسيطرة على منافذ سلطته، وفي غياب دكتاتورية البروليتاريا ستكون هناك حتماً دكتاتورية البرجوازية والرأسمالية وهو المشهد الذي نعيشه اليوم في هذا العالم أن إتجهنا غرباً أو شرقاً..!، أي إن الذين يعارضون مبدأ دكتاتورية الطبقة العاملة هم في الحقيقة يتجاهلون حقيقة إن النظام الديمقراطي الليبرالي هو تقنينٌ لسيطرة طبقية أو بالأحرى ديكتاتورية القوى المسيطرة على رأس المال..!.

وهو ما يفسر مقولة إنجلزالتي تشير لديمقراطية إجتماعية منافية للديمقراطية الليبرالية "... طالما أنّ البروليتاريا تستعمل الدولة، فإنّها لا تستعملها لصالح الحرية، وإنّما لكبح خصومها، وفي اللحظة التي يصبح فيها من الممكن التكلم عن الحرية، تكون الدولة بوصفها دولة قد توقفت عن الوجود".

لقد بين ماركس ومن ثم لينين الفرق بين البرلمانات والمجالس الشعبية، وأوضحا إن تقسيم العمل المستدل عليه من خلال فصل السلطات الثلاث ما هو إلا أداةً برجوازية لمصادرة المفهوم الديمقراطي..!، لذا فقد طالبا بأن تطلع المجالس المنتخبة بفعالية تجعلها تمارس التشريع والتنفيذ وإن تخضع للمحاسبة المباشرة من قبل منتخبيها، إضافة إلى أن لا يصبح التمثيل في المجالس وسيلة لإكتساب عائد مادي يصبح محركاً لهؤلاء النواب ورابطاً لهم بالسلطات التي يشرفون عليها ومن ثم يجلسون على رقاب من إنتخبوهم..!.  

والهدف الذي وضعه ماركس، ومن بعده لينين، نصب عينيهما هو تحويل الدولة من جهاز فوق المجتمع إلى جهاز تابع للمجتمع وفي خدمته.

ومن هنا فإنّه يمكننا أن نجادل بأن الديموقراطية الحقيقة تشكل مرتكزاً أساسياً في الفكر الماركسي. وإن المسخ الديمقراطي الليبرالي ما هو إلا أداة من أدوات القوى البرجوزاوية والرأسمالية لإلهاء طبقة العاملين من القيام بالدور المنوط  بها لتسريع الحراك الإجتماعي ومن ثم تهيئة الأرضية لضرب سلطة رأس المال وقواه الطبقية.

ولعل أولى الخطوات للتحرر من أوهام البرلمانية بنموذجها الليبرالي هي محاكمة عملية إتخاذ القرار في مثل هذه المجالس.

كيف يتم إتخاذ القرار فيها؟

وهل تلعب الآلية ألإنتخابية دوراً في قرارات هذه المجالس!؟

وهل لجموع الناخبين القدرة في تعطيل أي قرار يصدر عن ممثليهم في هذه البرلمانات؟.

وأي طبقات المجتمع تسيطر فعلياً على آلية إتخاذ القرار في هذه المجالس؟.

وكيف تتحدد قوة تمثيل طبقات المجتمع في النظام الديمقراطي الليبرالي؟.

المهمشون غالبية المجتمع السودانى:

لا أحد يمكنه أن يجادل في أن المهمشين وحتماً هم غالبية مجتمعنا السوداني يعيشون فقراً وضنكاً يصبح فيه التهافت على صناديق الإقتراع ترفٌ ما بعده ترفَ، وإذا إجتمع مع ذلك حقيقة أن القوى البرجوازية هي التي تمتلك أجهزة الإعلام وقدرة التواصل مع المجتمع في وقتٍ تحجب الآخرين من طرح رؤيتهم وتبصير المجتمع بما يحيق به، يتضح لنا إلى أي مدي يمكن لهذه القوى البرجوازية والرأسمالية أن تطوق أي ممارسات لا تتفق ورؤيتها لمسار الدولة والمجتمع، وحينها يصبح الحديث عن الحريات وحقوق المواطنين عبارة عن ذر الرماد في العيون لإخفاء طبيعة السلطة الديكتاتورية الموشحة برداء النظام الديمقراطي الليبرالي.

كما أن نظام الإنتخاب في الديمقراطية الليبرالية هو محاولة لتموية حقيقة أن المجتمع يتكون من طبقات في صراع مستمر من أجل مصالحها، حيث أن نظام الإنتخاب في ظل الديمقراطية الليبرالية يقوم على صوت واحد لفرد واحد بغض النظر عما يحمله هذه الصوت تمثلاَ في البرلمان المنتخب، حيث يتضح وبما لايدع مجالاً للشك أن ممثلين للقوى البراجوازية ينتخبون للبرلمان الليبرالي بأصوات الكادحين من أفراد المجتمع، وهم من يجب أن يكون الصراع ضدهم، وتستفيد القوى البرجوازية من التوازع العرقي والطائفي والديني في السودان لتستلب أصوات الكادحين خدمة لبناء دولتهم البرجوازية.

قد يكون هناك مبررٌ لجمهور الكادحين أن يسيروا في هذا الطريق دون وعيٍ بعواقبه، لكن أن تسير القوى التقدمية والديمقراطية الحقيقة في ركب دولة البرجوازية والرأسمالية تحت لافتات الديمقراطية الليبرالية فهذا ما لا يستقيم إلا لدى تلك النخب من قوى البرجاوزية الصغيرة المتطلعة للحاق بركب أسيادها في النظام الرأسمالي العالمي.!.

إن الدولة ذات البنية المرتكزة على القوى البرجوازية والرأسمالية، هي دولة في الأساس تقوم على إضطهاد وقمع الفئات الكادحة من المجتمع، وعليه فإن إنتزاع أي مكاسب منها يؤدي إلى تقوية دور الفئات الساعية لتغيير جذري في بنية المجتمع بما يؤدي إلى ضرب النظام الطبقي وتحقيق المساواة وهزيمة دكتاتورية رأس المال، وهذا وإن يعد مكسباً للقوى العاملة إلا أنه لا يلغي وجود الدولة المتسلطة، وهو ما يحتم النضال ليس من اجل تمثيل صوري في برلمان الديمقراطية الليبرالية بل السعي لبرلمان الغلبة فيه لقوى العاملين والطبقات الكادحة من المجتمع.

ومن هنا يمكن لنا أن نتبين الوجه المظلم للديمقراطية الليبرالية الذي تستغله القوى البرجوازية والرأسمالية لفرض سيطرتها على جموع العاملين وإستغلال قوة عملهم لإكتناز مزيدٍ من الثروات، ويجب أن لا يغيب عنا وجه مشرق للديمقراطية الليبرالية حيث تمكن القوى العاملة من تنظيم نفسها والإنخراط في التنظيمات النقابية ومقارعة القوى البرجوازية تحت الحماية المجتزأة لهذه الديمقراطية المنقوصة.  

ومن هنا جاء قول ماركس في المقدمة التي أعدها لبرنامج حزب العمال الفرنسي عام 1880  : ( بأنّ حق الانتخاب العام سلاح ذو حدين. فالبرجوازية تستغله لخداع الطبقات العاملة واكتساب الشرعية لهيمنتها ونظام استغلالها. لكنه يمكن أنْ يستغل من جانب الطبقة العاملة أداة للتنظيم الذاتي على جميع الأصعدة.)

إن الديمقراطية هي وعاءٌ ماركسي حين يتجسد في تولي أغلبية المجتمع للسلطة فعلياً، منتجاً مساواة حقيقة  بين أفراده، وبالتالي مفرزاً إرادة الأغلبية في ممارسة حقوقها الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وهو ما لن يتحقق إلا في ظل نظام إشتراكي يتوسَّد على ديمقراطية حقة، تعطي كل فرد من المجتمع حقوقه المشروعة في مراقبة حركة دولاب دولته..!.  

ولكن، هل يمكن لقوى التغيير الحقيقية أنْ تحقق تحول نظام الدولة من نهج ديموقراطي ليبرالي إلى ديموقراطية بمفهومها التقدمي؟

يقول لينين: " إن سلطة الدولة تستمد من الطبقة المسيطرة، ومن ثم فإنّ جهاز الدولة هو في النهاية أداة تسخرها الطبقة الحاكمة لتحقيق أهدافها الطبقية. فهيمنة البرجوازية مثلاً مكتوبة في بنية جهاز الدولة البرجوازية ونسق فعله، بما في ذلك البرلمان والعملية الانتخابية. فالبرجوازية لا تستمد سلطتها السياسية من الانتخابات الرسمية. بل إنّ الأخيرة هي التي تستمد سِماتها الرئيسية من سلطة البرجوازية".

ويؤكد أن" الانتقال من الديموقراطية الليبرالية إلى الديموقراطية الاجتماعية يتم عبر إقامة دكتاتورية البروليتاريا، بل إنّ هذه الأخيرة هي الديموقراطية الاجتماعية."

وهذا يعني أنّ دكتاتورية البروليتاريا هي ديموقراطية فعلية للغالبية الكادحة ودكتاتورية واقعة على الأقلية المستغِلة في آن واحد. فهي باستمرار تسعى إلى جذب الكادحين إلى السياسة والمشاركة في إدارة شؤون المجتمع وفي عملية اتخاذ القرار السياسي، وتسعى إلى وضع الموارد المادية والمعنوية في أيدي الكادحين التي تتيح لهم إمكانية الممارسة الفعلية للحقوق والحريات الديموقراطية.

فهل تفاكر معنا المبهورون بالديمقراطية الليبرالية في مقولة لينين "بأنّ النظرية ليست مصنعاً أو مخزناً للإجابات الجاهزة، وإنّما هي مرشد للفعل التاريخي." ولنتجه للتركيز على إنتخابات المجالس المحلية " الشعبية " فهي المعبر الحقيقي عن نبض الشارع السوداني في ظل الديمقراطي الليبرالي!!!!