الأزمة الخانقة

بقلم : د.صلاح مهدي

بقدر ضعف بنية الاقتصاد السوداني التي خطط لها نظام الانقاذ، أصبح فاقداً لمناعة التصدي لأي مشكلة اقتصادية صغر أم كبر حجمها، باعتبار تركيز الصرف الحكومي (محرك التنمية الاقتصادية) في أجهزته القمعية، فالقاعدة الأساسية التي عرفتها تجارب الاقتصاد السوداني وغيره من الدول النامية، إنه في ظل غياب الإنتاج، والسياسات الوطنية الداعمة لمكونات الاقتصاد الوطني، وسد الاحتياجات المحلية للمواطنين، وتقوية أدوات ووسائل تجارته الخارجية بما في ذلك سعر صرف العملة المحلية، فلا أمل في سياسات مالية او نقدية للإفلات من الأزمة والنجاة من مصير المحتوم بالانهيار الاقتصادي، خاصة في ظل التبعية والرضوخ التام لتنفيذ توصيات المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وذلك ما تجسده الأزمة الحالية التي اشتعلت عقب إجازة النظام للموازنة العامة.

فخلال أقل من شهر أصبح نظام الانقاذ يواجه أزمة خانقة، يطوقه فيها مد الحركة الجماهيرية المتصاعدة الرافضة لسياسته التي تقود البلاد نحو الانهيار الاقتصادي، وزيادة معدلات الفقر والجوع، مما دفع أجهزته وفي مقدمتها البنك المركزي المتخبط في قرارته لايجاد حل ولو مؤقت لانقاذ الموقف المنهار فتوالت قراراته أحدها ينسخ الآخر، وإن كان محورها كيف يحد من ارتفاع أسعار صرف النقد الأجنبي خاصة الدولار، بعد أن فشل تماماً في رفع القوة الشرائية للجنيه السوداني وحماية أعداد جديدة من المواطنين للانزلاق نحو دائرة الفقر التي تحوي ما بين 70ـ 90% من السكان.

وفي ظل هذه الزمة تأتي توصيات صندوق النقد الدولي الناتجة عن محادثاته مع حكومة الانقاذ في ديسمبر 2017م، وهي التوصيات التي ظلت تجد طريقها للتطبيق الحرفي بميزانيات النظام المتعاقبة بدءاً بإعدادها، وإخراجها وذلك ما جسدته ميزانية عام 2018 المؤدية لمزيد من التجويع والإفقار للشعب، تطرقت تلك المحادثات لعدة قضايا (عدا الفقر، والفساد، وغسيل الأموال، وغيرها من قضايا ساعدت سياسة اغفالها من تمكين رأسمال الطفيلي الإسلامي من العبث باقتصاد البلاد وتدميره).

ومن قضايا تلك المحادثات: أسعار القمح، الوقود، الأدوية، الكهرباء، التعويم المطلق للعملة، تعدد أسعار الصرف، إلى جانب ما بحثه وأوصى به الصندوق بإعادة تجارة الحدود التي صدر بشأنها قرار رئاسي "وليس وزاري"، باعتبار الطبيعة الأمنية لهذه التجارة حسب النظرة العسكرية للانقاذ، فبعض أسواق هذه التجارة يقع في ولايات تم إعلان حالة الطوارئ فيها "كسلا، شمال كردفان" إلى جانب دارفور، والمناطق المتاخمة للجنوب المفصول، وكذلك هناك ما تم تسميته بالسيولة الزائدة. فقد أوصى الصندوق أن يتبع بنك السودان كافة الوسائل لامتصاص السيولة الزائدة، من أجل خفض التضخم الجامح، وهنا تكمن الطامة الكبرى التي ستساهم بالتعجيل بعمر النظام تحت تواصل ضغط الحركة الجماهيرية. من خلال القضايا التي تداولتها تلك المحادثات والتنفيذ الذي تم التوصية به ندرك أن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها النظام وتلف عنقه تماماً، إنما هي في طبيعتها أزمة مركبة، فهناك أزمة توفير الخبز القوت الأساسي للسكان، أزمة التضخم والتي ستتحول بفعل الاجراءات الأخيرة لبنك السودان إلى ازمة تضخم ـ انكماش أو ما يعرف بـStagflation ، النقد الأجنبي وأسعار الصرف وتعويم الجنيه السوداني، وأزمة المصارف السودانية في ضعف قدراتها لتمويل التجارة الخارجية.

إزاء تنفيذ توصية الصندوق بخفض السيولة قام بنك السودان خلال الشهرين الماضيين منذ إجازة ميزانية الإفقار والتجويع، باتباع عدد من الإجراءات النقدية التي لم تفعل سوى تعميق الأزمة.

فكما نعلم أن السياسات النقدية لا تستطيع وحدها الحد من التضخم في ظل غياب إنفاق الدولة على التنمية الاقتصادية، إلى جانب النهج الذي يتبعه بنك السودان والذي يستحيل في ظله استخدام الأدوات التقليدية المصرفية لمكافحة التضخم، والتي من أبرزها التحكم بأسعار الفائدة، إلى جانب وجود سوق للأوراق المالية مهترئ وضعيف ولا دور له في الحياة الاقتصادية، وفي سبيل تنفيذ هذه التوصية اتبع البنك ثلاث اجراءات، أنكر استخدام أحدهم "فالشينة منكورة" باعتبارها خطوة لها أثارها المدمرة، فهي تعمق الأزمة الاقتصادية للنظام وإنها كفيلة بأن تؤدي إلى الإنهيار الاقتصادي. فقام البنك بتغيير منهج احتساب الاحتياطي القانوني الذي يجب أن تحتفظ به البنوك لدى البنك (بنسبة 18%) فبدلاً من أن يتم حساب هذه النسبة على أساس الودائع( بالعملة المحلية والأجنبية) لدى البنك المعين وذلك تحسباً لأي نوع من تبعات ما خطط له البنك المركزي، بتحيد سقف السحب النقدي بالنسبة لكل بنك، ومن ثم تحديد حجم السحب بالنسبة لعملاء البنوك الأمر الذي نجم عنه التزاحم على المصارف، وصرافات (الـ(ATM الصرافات الآلية  التي فرغت من أرصدتها تماماً، وهو الإجراء الكفيل بإحداث حالة من الانكماش الاقتصادي في الأسواق وذلك ما هو ملاحظ من ضعف حركة البيع والشراء وشبه التوقف في حركة البناء التي تمثل أكبر مستودع لمدخرات واستثمارات الكثيرين في ظل استمرار معدلات التضخم الآخذ في الارتفاع، والذي يقدر أعلى مستوى له في يوليو 2017م(ناهيك عن الواقع الحالي) بحوالي 181.5%بينما يقدر الرقم القياسي لمستويات المعيشة (رقم أسعار المستهلكين CPI) بحوالي 800,78 نقطة في ذلك الشهر. استمرار هذه السياسة في المدى القصير سيقود المودعين إلى اللجوء للسحب التدريجي والبطئ لمدخراتهم، وأوقف كثيرون من عدم التوريد في حساباتهم الجارية، والاحتفاظ بأرصدتهم بوسائلهم الذاتية، مما سيقلل من الدورة النقدية للنقود في يد الجمهور والتي شكلت مانسبته 30% من حجم الكتلة النقدية بالبلاد حتى ديسمبر 2017م (النشرة الاقتصادية ـ بنك السودان) الأمر الذي أدى إلى حدوث تباطؤ في حركة السوق. فإذا ما تراجع بنك السودان عن هذه السياسة فإن هذا الأمر كفيل بخلق حالة من الذعر الاقتصادي، وهي الحالة التي تدفع بالمودعين إلى سحب ودائعهم المصرفية، نتيجة فقدان الثقة في الجهاز المصرفي، وذلك ما تم خلال السنوات الأولى من عمر الانقاذ حين لجأت لذات السياسة وتحديد سقوف للسحب اليومي. كذلك لجأ بنك السودان إلى توجيه البنوك لوقف تمويل التجارة المحلية والتي تحوز على حوالي 12% من حجم تمويل البنوك (حتى ديسمبر 2017) بينما يتم إعفاء قطاع الإنشاءات والذي حاز على حوالي 14% في ذات الفترة.

يترافق هذا الاتجاه مع تعقد أزمة النظام وتخبطه تجاه أرصدة وأسعار صرف النقد الأجنبي خاصة الدولار، وتوصية الصندوق بتعويم سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية. فكما هو معلوم أن هناك نوعين من تعويم العملة الوطنية، فأما ان يترك سعر صرفها للعرض والطلب وبصورة مطلقة دون تدخل من جانب البنك المركزي، وهذا ما يطلبه الصندوق من بنك السودان، والذي يتبع النوع الثاني من أشكال التعويم، وتحت ما يسمى بالسعر المرن المدار، والذي يخضع أيضا لعرض وطلب النقد الأجنبي مع تدخل البنك المركزي وفقاً لمجموعة من العوامل، لا يتوفر لبنك السودان منها سوى سعر صرف العملات الأجنبية في السوق الموازي، في ظل مواصلة الجنيه السوداني فقدانه لقوته الشرائية بفعل ارتفاع مستوى التضخم، وانخفاض الإنتاج والذي يعكسه متوسط انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بين السنوات 2011ـ2016 إلى 3,3% مقارنة بحوالي 7,1% للسنوات 2000ـ2010(انظر African Economic Outlook2018)، إلى جانب تآكل سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وفشل ما سمى بالاستثمار الأجنبي في زيادة الناتج المحلي، وهي قضايا مترابطة تنعكس في انخفاض عائد الصادر بين 2012ـ2016م بما نسبته حوالي 24% بين الفترتين بمتوسط سنوي 6% (انظر العرض الاقتصادي ـ بنك السودان ـ يوليو2017) . تتفاقم الأزمة الاقتصادية للنظام في ظل تخبط بنك السودان تجاه سياسات الاستيراد متقلباً بين تبني اجراءات الاستيراد من موارد العملاء وبدون تحويل قيمه ثم الاتجاه إلى منعه (باستثناء القمح والمشتقات البترولية ومستوردات الاستثمار الأجنبي) خلال أقل من أسابيع، وذلك للحد من ارتفاع العملات الأجنبية بعد أن فشل التدخل العسكري في هذا الشأن، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه البنك المركزي من النقص في موارد النقد الأجنبي، في ظل اتجاه تدفقات مصادر تلك الموارد نحو الانخفاض كما هو الحال بالنسبة لتحويلات المغتربين التي انخفضت بما نسبته 40% بين يناير ـ يوليو 2017م ، وذلك إلى جانب توجهات السياسة النقدية لبنك السودان لترتيب الاستفادة من موارد البنوك من النقد الأجنبي، أي استخدام موارد العملاء رغم التطمينات التي يبديها المسؤولين في البنك من لقاءاتهم وتوجيهاتهم الشفهية للمصارف العاملة بالبلاد، إلا أن مثل هذه التوجيهات قد تثير القلق لدى أصحاب تلك الودائع في كيفية استخداماتها حسب ترتيب اولويات البنك، وبالتالي فإنها تصبح جزءاً من الأزمة الاقتصادية التي يعانيها النظام، خاصة بعد تدخل بنك السودان في وقف الاستيراد إلا بعد الحصول على موافقته، حتى وإن كان تمويل عمليات الاستيراد من موارد العملاء، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ عمليات التصدير، نظراً لعدم قدرة المصدرين من استخدام مواردهم من النقد الأجنبي كذلك يصبح من الصعب وقف الاستيراد، واختصاره على عدد من السلع الأساسية والتي يأتي في طليعتها القمح الذي يشكل الهاجس الأكبر بالنسبة للانقاذ، في ظل النقص الواضح في الإنتاج المحلي، فالنظام يواجه أزمة مركبة ولكن مهما تشابكت تفرعاتها وتعقدت فإن النظام سيظل سائراً في تخبطاته تارة باستخدام السياسات النقدية والمالية، وأخرى باستخدام القوى العسكرية لتطبيق وتمرير قرارات اقتصادية، ولن يغل من يده ويسقط سياساته سوى تواصل ضغط الحركة الجماهيرية التي ينفتح الطريق أمامها لتنظيم صفوفها وتوسيع دائرتها، فحتى في حال الانهيار الاقتصادي لن يسقط هذا النظام تلقائياً عدا بفعل وضغط الحركة الجماهيرية.