تصريحات قوش

بمثابة تعليق الدستور

هل نحن في قبضتكم أم أنتم سجناء لعزتنا وكرامتنا؟

ماسحو الجوخ وحاملي البخور    اكتشفوا أن ليس في مقدورهم الدفاع عن سياسات الحكومة الاقتصادية

سنخرج دون أن حمل أوزار تقض مضجعنا وتجعلنا نستيقظ في الهزيع الأخير من الليل أثر كوابيس ظلت تلاحقنا

أثر إطلاق جهاز الأمن لعدد من المعتقلين السياسيين على خلفية تظاهرات النصف الأخير من يناير والأول من فبراير، عقد مدير جهاز الأمن القديم المتجدد  صلاح قوش مؤتمراً صحفياً استخدم فيه أحد أبناء الإمام الصادق لشيء في نفسه ليس بخاف  على أحد، ورغم أن عبد الرحمن الصادق قد اعتبر أن إخلاء سبيل سجناء الرأي خطوة نحو تحول ديمقراطي قادم سوف يسع الجميع؛ إلا  أن من بيده الأمر صرح للصحف  في الأيام التالية للإفراج عن بعض قيادات العمل  العام بأن إطلاق سراح الآخرين مرهون بتعديل السلوك السياسي لأحزابهم، وهو يقصد كيانات مثل الشيوعي، والمؤتمر السوداني وغيرهما. لكن ما فات عليه أن الاحتجاجات شارك فيها آخرون ينتمون للوطنية السودانية الرحبة، ولم يوضح لنا من ينوب عنهم في مسألة حسن السير والسلوك، فهل يذبح الحزب الشيوعي خروفين املحين؟ واحد عن أهل بيته والآخر لمجموع الذين اجتذبتهم هبة يناير المنصورة والمنتصرة ابداً، أم يعلن عن  حسن السير والسلوك مرتين؟ عنه وعن الآخرين. ما لا تريد أن تفهمه الانقاذ أن الصراع لم يعد بينها وبين الأحزاب السياسية، كما أنه لم يعد سباق رؤى وأفكار، ولكنه استقر نهائياً كصراع بين الشعب كله من ناحية   لكن القائمون على أمر الانقاذ لا يريدون أن يعترفوا بأنهم لم يحرزوا درجات كبيرة في اختبارات الذكاء حينما استيقظت أم درمان على أصوات المدافع الثقيلة قبل أعوام قليلة. ولازالوا  يتعاملون معنا بما يوحي بأنهم  يمتلكون قدرات ذهنية جبارة مع فشلهم في تتبع ورصد قوة عسكرية تحركت من وادي ازوم ووصلت شارع العرضة ثم انسحبت، وهم قصدوا بهذه الخطوة الأخيرة أن يقولوا لنا أن حزب الأمة قدم ما يثبت حسن السير والسلوك، وهذا تدبير نسفته الأمانة العامة للحزب حين وصفته بالمحاولة الخبيثة لدق اسفين بين قوى المعارضة، في الوقت الذي أدانت فيه الإبقاء على بعض المعتقلين ووصفت عملية معاقبة الذين يمارسون حقوقهم الدستورية بالجريمة وطالبت بإطلاق سراحهم فوراً، مما يعني أن هجمة الانقاذ قد ارتدت إلى وجهها كثير اللطمات المذلة. لكن ما فات على هؤلاء الأذكياء هو أن تصريحاتهم التي تطالب المواطنين بالتخلي عن حقوقهم تعد بمثابة تعليق للعمل بالدستور، وتفعيل لقانون الطوارئ مما يجعل أي مسؤول حكومي يتحدث عن تحول ديمقراطي  كاذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.

  • حافلات المعارضة:

قال الراحل قرنق إن بعض القيادات السياسية في السودان وبحكم أنهم لا يستطيعون الدفاع عن السودان القديم فانهم يستعيضون عن ذلك بمهاجمة السودان الجديد، وبصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع الرجل حول صيغته التي ابتكرها للسودان الجديد، إلا أن الملاحظة تبقى سليمة من حيث أن الإنسان الذي لا يستطيع الدفاع عن ما عنده من طرح فانه يلجأ إلى مهاجمة ما عند الآخرين.

 وماسحو الجوخ الملكي ولاعقو أحذية السلاطين وحاملي أبخرتهم من الذين طفحت بهم صحافة الإنقاذ، اكتشفوا أن ليس في مقدورهم الدفاع عن سياسات الحكومة الاقتصادية إلا على طريقة بائع السمك في قصيدة الشاعر الالماني بريخت، فالرجل يصيح في المشترين بأن الذي يفوح بالعطن هو أنا وليس السمكة، ولكن بحكم  أن من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، وأن صاحب الأموال المبذولة بلا عداد لن يصمت إذا لم يرى نتائج في الواقع، وهذا ليس متروك للتكهن والتوقعات، ولكن البشير نفسه قد صرح قبل عدة أشهر بأن (الصحفيين المعانا بقوا  ضدنا) ، وهو يقصد بعض المحاولات التي ظهر بها البعض في محاولة  إظهار قلمه بأنه مسنون لقول  الحقيقة، فانبرى في لحظات ظن فيها أن عين الرقيب غافلة وهاجم السلطة (على خفيف)، وكانت الإجابة أنه ليس مطلوب منك أنت الذي قبضت الثمن أن تكون على الحياد بين الإنقاذ والشعب ولكن أن تنحاز إلى الأولى بما يوازي ما قبضت من مال لذلك اتجه بعضهم إلى مهاجمة المعارضة.  وبما أن الأحزاب لم تفعل شيئا غير ممارسة حقوق يكفلها الدستور  وينظمها القانون مثل حق التظاهر، وأن السلطة هي التي تنتهك الدستور حين استخدمت العنف المفرط في مواجهتها، فإن مناقشة موقفها من حيث الخطأ والصواب يعتبر طريقة التفاف على الحقيقة لا يستطيع القيام بها أكبر عداء في العالم.  عليه تفتقت عبقرية السادة الصغار عن حيلة سخيفة سخافة المهمة التي ارتضوا القيام بها، وهى التقليل من شأن ما قامت به المعارضة، ونعني بها تظاهرات الأيام القليلة الماضية التي قامت الإنقاذ بموجبها بفتح سجونها لأكثر من 400 سجين سياسي،  ومع ذلك وجد صحفي مأجور القدرة على القول بأن تلك التحركات لا تملأ حافلة، هذا بافتراض أن التظاهرات فقط قام بها من احتجزتهم السلطة، حقاً أنه طفل كبير ولا يجيد حتى حبك التلفيقات العبيطة قدر حبكته للعمة على رأسه كموهبة يتيمة لا يجيد غيرها.

أوقات فراغ:

في أوقات فراغنا نحن الذين نكاد نخرج من هذه الدنيا بلا أمجاد أرضية     أو حتى كورية، لكن على الأقل بلا حمل أوزار تقض مضجعنا وتجعلنا نستيقظ في الهزيع الأخير من الليل اثر كوابيس ظلت تلاحقنا، اكتسبنا عادات ربما لو علمها الذين كرسوا حياتهم من أجل أن لا نصير نحن شيء يذكر لقاتلونا عليها بالسيوف من فرط ما تحققه لنا من رضا عن النفس ليس له مثيل لدرجة اننا نجد متعة في الاستحمام بالماء البارد صباحاً، وحين نستقبل ضيوفنا ونتصل بأهلنا ونمارس أشياء كثيرة عادية. لكن دعونا نسأل الذين راهنو على أن لا نكون شيئاً مذكورا، كيف تقضون اأوقات فراغكم؟ لا شك في أن عد العملات المحلية والأجنبية في مختلف الأوقات ليست عملية مسلية، كما أن الأغطية المخملية لا تمنع الكوابيس ولا ذكريات الذين عذبتموهم واصيبوا  بعاهات مستديمة، فضلاً عن الذين خرجوا ولم يعودوا،  أو الذين وجدهم ذويهم أو بعض المارة جثثاً قرب منازلهم أو في مكان قفر،  هل تستمتعون بصب الماء على أجسادكم ومضغ الطعام كما نفعل نحن الذين ننام ملء أجفاننا؟ وإذا حضرنا الموت سوف نبتسم في وجهه ونقول له من أنت سوى كفن من طرف السوق وشبر في المقابر؟ تلك الإجابة الجريئة لصلاح أحمد إبراهيم والتي لم يسوقها الله الى أحد من رموز الإسلاميين، ولكن جعلها تذهب إلى هذا اليساري مختالة تجر الذيول.

أراكم تصدق فيكم قولة الإمام المهدي، والذي شبه أسلافكم من علماء السلطان ممن تمتلئ رؤوسهم بالدين وبطونهم بحب الدنيا، فقال عنهم إنهم مثل المصباح فوق رأس البيت المظلم جوفه.

لكن شكراً لكم فلولاكم لما عرفنا قيمة الضوء الطليق، وطعم الماء الذلال، ووقع النسيم العليل على أجسادنا في ليلة صيف دونما ذنب يعكر علينا صفو الحياة. لقد وجدنا هذه المتع الدنيوية البسيطة والكبيرة بما كسبت أيدينا، لقد قاومنا ظلمكم بأشياء بسيطة، شيدنا حركة مقاومة مدنية بالتبرعات العادية نسبة مئوية من دخل كبيرنا وصغيرنا تقوم بها ذمة ادنانا على اعلانا وحفظنا بها ماء وجهنا وكرامة شعبنا في حين صرفت عليكم أموال الشعب، وها أنتم ترتجفون من مجرد دعوة يتقدم بها شاب نحيف إلى شرطة ولاية الخرطوم يخطرها  بأن الحزب الشيوعي سوف يسير موكب إلى مقر حكومة ولاية الخرطوم لتسليم مذكرة ضد ميزانية القهر والجوع، فالدنيا قامت ولم تقعد، ارتال من العدة والعتاد تكفي لاحتلال دولة بكاملها، ومع ذلك ترتجفون في قصوركم  ونضحك  نحن في منافيكم ومحابسكم الانفرادية التي تحوي أجسادنا وتخنق أرواحكم، فهل نحن في قبضتكم أم أنتم سجناء لعزتنا وكرامتنا؟ التي لا تطالون معشارها ولو انفقتم كل ما في الأرض.