احياء الذكرى الـ 31 لاستشهاد المفكر الشيوعي حسين مروة

الحزب الشيوعي اللبنانى:

  • أسلوب الظلاميين في التصفية الجسدية تجاه طليعة المفكرين أدت، بالفعل، إلى التوقف القسري لمشروع حسين مروّة الفكري
  • نستطيع استكمال وتطوير ما بدأه الشهيد حسين مروة ، في شكل يتناسب وقضايا هذا الجيل الاجتماعية والسياسية والفكرية لتحقيق التحرر الوطني لشعوبنا العربية، والثورة السياسية الديمقراطية

 بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني، قيادة بيروت الكبرى، قُدّمت تحية رمزية عشية الذكرى الـ 31 لإستشهاد الرفيق المناضل حسين مروة (أبا نزار)، بحضور العائلة وأعضاء من المكتب السياسي واللجنة المركزية وقيادة بيروت الكبرى بالحزب وحشد من الرفاق. وذلك مساء الجمعة 16 فبراير الجاري في المركز الرئيسي للحزب الشيوعي اللبناني، في الوتوات بيروت.

افتتح اللقاء بكلمة ترحيب ألقاها سكرتير هيئة قيادة بيروت الكبرى الرفيق د. خليل سليم الذي أدار الجلسة واستهلها بالوقوف تصفيقاً تحية لشهداء الفكر والرفيق حسين مروة.

بدوره ألقى الرفيق ألكسندر عمار مداخلة بعنوان "في راهنية شهادة حسين مروة". وتلاها كلمة ابنة حسين مروة الدكتورة هناء ألقتها باسمها حفيدة الشهيد رانية مروة، ثم تابعت بإلقاء كلمة باسمها أيضاً.

واختتم اللقاء بكلمة مقتضبة للرفيق سمير سكيني. ثم تسلمت عائلة الشهيد درعاً تكريمياً وصورة للشهيد حسين مروة تحمل عبارته الشهيرة "موت الشهيد الشيوعي موت آخر/ إنّـه ليس موتاً، إنّـه موت الموت".

وفيما يلي النص الكامل لمداخلة الرفيق ألكسندر:  

  • في راهنية شهادة حسين مروّة:

لا يسع أي من أفراد جيلي، للأسف الشديد، التحدث عن شخص الشهيد الرفيق حسين مروّة وعن خصاله المتعددة الجوانب، ولا عن ذكريات لنا معه أو حتى سيرته الذاتية، إلاّ وكانت نسخاً عما كُتب حوله ممن عاصروه. لأن عملية الاغتيال السياسي المجرمة قد حرمتنا التعرف إليه شخصياً وعن كثب. وفي كل الأحوال، فإن تعاقب الأجيال، كان سيؤدي – في نهاية المطاف – إلى حرمان الأجيال القادمة من اللقاء به والتحاور معه والاستزادة من علمه وخبرته وتاريخه النضالي الطويل، عبر التماس المباشر معه والتآلف مع تفاصيل حياته اليومية.

لكن الحرقة تزداد تأججاً، عندما يعي رفاقي من أبناء جيلي، بأن أسلوب الظلاميين في التصفية الجسدية تجاه طليعة المفكرين في صفوف نقيضهم النظري والأيديولوجي والسياسي، قد أدت، بالفعل، إلى التوقف القسري لمشروع حسين مروّة الفكري، وحرمتنا من الإطلاع على كنوز المعرفة التي كان سيكشف لنا عنها، فيما لو استطاع استكمال كتابه الموسوعي والوصول به – بعد تغطية كل أجزائه – إلى الاستنتاجات المنطقية بشكل أكمل وأشمل. والحقيقة المُرّة التي تتطلب منا جميعاً جرأة استثنائية للاعتراف بها – ونحن نجتمع هنا لإحياء ذكرى استشهاده الواحدة والثلاثين – بأننا فشلنا، ولأسباب كثيرة، عن متابعة خطاه في مشروع عمره للبحث في مسألة التراث العربي الإسلامي؛ إن كان من خلال إصدار المجلد الثالث من كتابه الموسوعي: "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" أو في أي شكل آخر متاح.

وهذه الحقيقة الصادمة تضعنا وجها لوجه أمام قصورنا في وجه القوى الظلامية، التي لم تستطع تنفيذ حكمها اللاشرعي بإعدام مفكرنا الجليل جسدياً، فحسب، بل إنها كادت تنجح في اغتيال فكره، بالرغم من راهنيته في حياتنا المعاصرة وضرورته لمتابعة النضال الثوري في مجتمعنا الحاضر، وذلك من خلال إنفاذ مؤامرة الصمت عن موضوع بحثه. لقد تمكن الحزب السياسي الظلامي من جَسَد وحيوية رفيقنا الكبير حسين مروّة، بينما عجز الحزب السياسي الثوري، في المقابل، عن إيقاد شعلة الذاكرة الحية هذه في مسيرة التغيير، وغاب معها فكر حسين مروّة في لجّة النسيان القاسي والمؤلم.

صحيح أننا – رفاق حسين مروّة – ما زلنا نتداعى مرة كل عام تقريباً، أو بضع العام أحياناً، لإحياء ذكراه الطيبة بيننا، ولنعرب عن استنكارنا الشديد لاغتياله شخصياً، ولكل عملية اغتيال سياسي، مستذكرين معه رفاقه الآخرين الذين شاركوه المصير ذاته: طويلة ونعوس وواكد وعامل وسواهم؛ إلاّ أن ذلك لم يعد كافياً لضخ الحياة إلى مشروعهم النضالي الطويل في سبيل حرية الفكر والإبداع النظري، ولا بغية إعادة الإنتاج الموسع للنظرية الماركسية، وتطويرها بما يتلاءم مع مميّزات مجتمعنا العربي الإسلامي وخصائص تطوره الاجتماعي في مختلف مستوياتها. إذ يتهدد، دون استكمال هذا المشروع الفكري-النظري، بشكل خاص، استكمال صيرورة مشروعنا الثوري، بشكل عام، في بعديه السياسي والاجتماعي، وتحقيق برنامج حزبنا وهويته بما هو حزب شيوعي نقيض للرأسمالية التبعية السائدة في واقع عالمنا العربي الإسلامي. أولم ينبهنا حسين مروّة إلى الواقعة التالية، أنه "من غير الممكن أن نكون ثوريين في موقفنا من قضايا الحاضر، ونكون – مع ذلك – غير ثوريين في موقفنا من تراث الماضي ... إن ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر".

فاسمحوا لي، بهذه المناسبة، التركيز – نظراً لمحدودية الوقت المتاح أمامنا في هذا اللقاء – على جانب واحد من نتاج الرفيق حسين مروّة النظري، وهو الكاتب والمفكر الذي أبدعنا في المجالات الثقافية كافة، من خلال كتبه ومقالاته وأبحاثه المتنوعة الغنية بمواضيع الحياة المتعددة. فأرجو منكم المعذرة لأنني اضطررت، بعد التمحيص في الأمر، إلى اختيار مقاربة مسألة واحدة، فقط، من عصارة حياة حسين مروّة الفكرية. ألا وهي المسألة التي أرقته سنوات طوال، حيث أسرّ لنا في مقدمة كتابه الشهير "النزعات المادية ...." – وهذه المقدمة بالمناسبة عبارة عن كتاب مكتمل المتن قائم بذاته –؛ حيث كتب يقول: "... السؤال الذي طرح نفسه علينا منذ لحظة التفكير بمشروع تأليف هذا الكتاب، وظل يطرح نفسه طوال سنوات البحث والاستقصاء اللذين جعلا من الكتاب نفسه جواباً عنه. كان السؤال هكذا: أية ضرورة تدعو لإضافة كلام جديد حول التراث الفكري العربي-الإسلامي، والفلسفي منه بخاصة، بعد الكلام الكثير والحشد الضخم من المؤلفات الموضوعة عن هذا التراث منذ نهايات القرون الوسطى حتى نهايات النصف الثاني من القرن العشرين؟"

وقد وجد حسين مروّة ضرورة الولوج في هذا البحث، من الموقع النقدي، بهدف إنتاج معرفة جديدة بهذا التراث، تكون من حيث وجهتها وأسلوبها معا، بمثابة الرد – لا بل النقض – على كل المواقف السابقة، الوحيدة الجانب، من هذا التراث. وقد أتانا حسين مروّة بكل جديده في مساجلة المنطلقات والمضامين الفكرية لكل ما ورد عن التراث في منهج تيارات فكرية أيديولوجية ثلاثة، وهي على الشكل التالي:

أولاً، جاء كتابه الشهير تجاوزاً لنتاج المفكرين القدماء من العرب والشرقيين، حول التراث، التابعين أيديولوجياً لسلطة الدولة الثيوقراطية وحكم الإقطاع العسكري، في شكله الشرقي، في القرون الوسطى؛

ثانيا، كما جاء نقداً إيجابياً لما ورد في مجال "إحياء التراث" عند أولئك المحدثين منهم، وبخاصة رواد ما أصطلح على تسميته بحركة "النهضة العربية" منذ أواخر القرن التاسع عشر. واضعا بذلك الحد الفاصل – من موقع فكر الطبقة العاملة – ما بين المشترك من ناحية، وبين المتميّز من ناحية أخرى، مع فكر البرجوازية التجارية الصاعدة، آنذاك، من حيث كونها تقع موضوعيا في تناقض طبقي داخلي ما بين تبعيتها للإمبريالية وبين مهامها في قيادة حركة التحرر الوطني العربية؛

ثالثاً، كان كتابه من الناحية الأخرى المكمّلة، نقضا لرؤية المستشرقين وسواهم من الغربيين إلى تراثنا العربي الإسلامي، الذين ساهموا – بأشكال متنوعة – في تكوين أيديولوجية الطبقة البرجوازية التبعية السائدة في مجتمعاتنا الحديثة، التي وقعت تحت النير الإمبريالي وسيطرة مراكز الرأسمالية العالمية.

وقد اعتمد الرفيق حسين مروّة، في معرض مناظرته الفكرية هذه، على منهج المفهوم المادي للتاريخ، في سبر أغوار التراث الفكري، والفلسفي منه بالأخص، للمجتمع العربي الإسلامي في العصر الوسيط. فقد اعتبر في مستهل مقدمته، أنه "يقدم طريقة في التعامل مع التراث العربي-الإسلامي تعتمد منهجية علمية ... فمنذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا الفكري، بمختلف أشكاله، حتى الحقبة الراهنة من عصرنا، ظلت دراسة هذا التراث رهن النظرات والمواقف المثالية والميتافيزيقية التي تتفق جميعها، بمختلف مذاهبها وتياراتها، على خط عام مشترك تحكمه ... رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخيتها. بمعنى، أن هذه الرؤية ظلت قاصرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية، غير المباشرة، بين القوانين الداخلية لعملية الانجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي. لذا بقي تاريخ الفكر العربي-الاسلامي تاريخا ذاتيا سكونيا أو "لا تاريخيا"، لقطع صلته بجذوره الاجتماعية، أي بتاريخه الحقيقي الموضوعي".

ويتابع حسين مروّة في شرح جديده وضرورته الراهنة، إذ يقول: "ان المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف تلك العلاقة ورؤية التراث في حركيته التاريخية، واستيعاب قيمه النسبية، وتحديد ما لا يزال يحتفظ منها بضرورة بقائه وحضوره في عصرنا كشاهد على اصالة العلاقة الموضوعية بين العناصر التقدمية والديمقراطية من تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر ... إن ذلك كان من فعل ضرورة تاريخية ارتبطت بحاجة قومية موضوعية الى مثل هذه الممارسات في حقل التعامل المنهجي العلمي مع التراث الفكري للشعوب العربية في المرحلة الحاضرة من ثورتها التحررية. فقد نضجت الظروف في هذه المرحلة لحل مشكلة العلاقة بين حاضر الفكر العربي وماضيه التراثي على أساس جديد يتناسق مع التوجهات الثورية لمحتوى حركة التحرر العربية في لحظتها الحاضرة".

والمهمة هذه – والحق يقال – لم تكن سهلة المنال على الإطلاق. إذ لا يكفي تطبيق نظرية جاهزة وأدواتها المفاهيمية في شكلها القائم على موضوع البحث الجديد. والصعوبة هنا لا تكمن، فقط، في جدّة البحث وموضوعه؛ إنما هي تنوجد في التفاصيل المتشعبة والمترابطة التي كان على حسين مروّة أن يأخذها في عين الاعتبار عند خوضه هذا الفتح الفكري، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. الربط بين إنتاج هذا التراث الفكري، بما في ذلك الفلسفي منه فيما بعد، وبين قاعدته المادية في المجتمع العربي الإسلامي، علماً أن الباحث نفسه كان على دراية لما لهذا الحقل الفلسفي من استقلالية نسبية عن المستوى الاقتصادي المحدِّد له في آخر المطاف. فإن المنحنى البياني لتطور الفكر الفلسفي لا يتطابق بشكل تام مع هذا الأساس البنيوي، في مجرى التاريخ، إلاّ على شكل منحى عام، تتماثل وجهتاه على المدى الزمني الطويل. إن مسألة الارتباط هذه، لا يمكن تحديدها إلا بعد تحديد طبيعة البنية الاجتماعية العربية الإسلامية في العصر الوسيط، بما لها من مميّزات تاريخية، لا يمكن القبض المعرفي عليها إلاّ من داخلها، وارتباطاً بقضايا شعوبها بالذات.
  2. لذلك، كان لزاماً على الكاتب أن يبدأ بحثه هذا، منذ ما قبل عهد ظهور الإسلام، أي منذ المجتمع الجاهلي، للوقوف عند ممهدات التحول الاجتماعي من المجتمع القبَلي إلى مستوى اجتماعي أرقى، يعبر عنه إتحاد القبائل من خلال ما أطلق عليه حسين مروّة "البعد الاجتماعي للتوحيد" (أي دعوة التوحيد)، مرورا بكافة التناقضات والصراعات الاجتماعية، من حرب الردّة (وهي ثورة مضادة رجعية)، إلى الثورة الأولى داخل الثورة، في عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان، وصولاً إلى القرن الخامس عشر تقريباً. وبهذا المعنى كان لزاماً عليه أيضاً، أن يبدأ بحثه من عصر ما قبل نشوء الفكر الفلسفي (علم الكلام مثالاً)، مروراً ببدايات تكونه، ووصولاً إلى مراحله الناضجة (الأمر الذي لم يتسنَ للكاتب من تحقيقه كاملاً، حيث عاجلته الظلامية بممارساتها التصفوية).
  3. إن الإمتداد الزمني، على مدى قرابة القرون العشرة، الذي يغطيه البحث، قد شمل تطور الحضارة العربية الإسلامية، من كافة جوانبها، في شكله الأفقي، وشمول هذا التكوين الاجتماعي شعوباً من إثنيات وديانات متعددة، ومناطق جغرافية ذات خصائص متنوعة، من ناحية؛ وفي شكله العمودي، بالمعنى التطوري لتشكل هذه البنية، وما احتواه هذا التطور من صراعات سياسية وفكرية متغيرة المدلولات الطبقية، في الصراع على السلطة وفي شكل دولة الخلافة هذه، وفي علاقتها بباقي مستويات البنية الاجتماعية الأيدولوجية منها وغيرها.
  1. النظر في تطور الفكر الفلسفي، في قفزاته النوعية، لا في شكل صراع مباشر ومكشوف بين الفلسفات المثالية وتلك المادية، لكأن حاجزاً مادياً ناجزاً يفصل بين أشكال تطور كل منهما؛ إنما كان على أستاذنا الكبير، أن يطور النظرية الماركسية في مجال الفلسفة العربية الإسلامية، بغية استخلاص تطور العناصر المادية في إطار الفلسفات المثالية ذاتها. فوجد في المنهج المادي التاريخي معينا له في بلوغ أهدافه، عبر تطوير هذا المنهج ذاته، بما يتلاءم مع الصراع الأيديولوجي – وضمنا الفلسفي منه – على السلطة، ومن أجل إصلاح أشكالها التاريخية، آخذا بعين الاعتبار تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في المجتمع العربي الإسلامي، خلال كامل القرون الوسطى قبيل الفتح العثماني على وجه التقريب.
  2. 5. النظر إلى المجتمع العربي الإسلامي، خلال هذه الحقبة المديدة، بما أنتجه من حضارة عربية إسلامية متميّزة، تتجاوز البُعد الديني للكلمة. وبالتالي التطلع إلى الفلسفة العربية الإسلامية، بما هي الشكل الفكري الأعلى في تجلي هذه الحضارة، على اعتبارها حضارة ذات طابع تاريخي واجتماعي محدد، خيض ضمن غمارها، الصراع في وجه الشكل الديني للدولة التي تستمد سلطتها وشرعيتها من الشكل اللاهوتي الذي اتخذته في تحققها التاريخي. الأمر الذي يعقّد استخلاص النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، بعد أن استلهمت الفلسفات المثالية الإغريقية القديمة، ومن بينها فلسفات أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وسواهم، لتطرح – بعد تحويلها – القضايا الفكرية المتناسبة مع واقع مجتمعاتنا في تلك الحقبة.
  1. ضرورة تحديد العلاقة الديالكتيكية التي تربط تأثير الفكر الفلسفي من خارج المجتمع العربي الإسلامي (الفلسفة الإغريقية مثالا) بالفكر الفلسفي في داخل التكوين الاجتماعي العربي الإسلامي، واعتبار التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية الداخلية في هذا المجتمع العامل المحدِّد لكل المؤثرات الخارجية.

وقبل الختام، أود التطرق إلى بحث قدمه الرفيق حسين مروّة قبل شهر من استشهاده، ضمن أعمال الندوة اللبنانية-العربية-العالمية التي أقامها الحزب الشيوعي اللبناني في إطار أعماله التحضيرية لمؤتمره الوطني الخامس، التي انعقدت في طرابلس، خلال الفترة الممتدة ما بين 9 و12 ديسمبر 1986. والبحث الذي خصّه حسين مروّة لهذه الندوة حمل عنوان: "التيارات الدينية المعاصرة – تاريخها ومنحنياتها الجديدة".

وفي هذه الورقة البحثية النادرة في أهميتها، ينتقل بنا الرفيق الشهيد من ثنايا حقل المعرفة بمسألة التراث الفكري العربي الإسلامي – وذلك حتى قبل أن يصل بكتابه الضخم هذا إلى خواتيمه المنطقية – ينتقل بنا إلى رحاب قضايا العصر الراهن، دون القطع التعسفي مع مسألة التراث. فنراه يتناول "التيارات الدينية ذات الصفة الإسلامية" وبالتحديد منها، تلك "ذات المنحى السياسي والأيديولوجي" دون سواها. "لكونها جزءاً من موضوع الساعة في إشكالية الواقع العربي واللبناني القائم". وهو يصنفها جميعاً، على اختلاف منشئها وظروفها المكانية والزمانية، على أنها حركات أصولية تتشدد في الدعوة إلى مقاربة أصول الإسلام، والعودة إلى جوهر الدين الإسلامي في صفائه التاريخي. لكن المفاجئة الكبرى تتظهر، حينما يميّز حسين مروّة بين الحركات الأصولية الإسلامية ذاتها؛ وذلك على الأسس التالية: 1) موقفها من سلطة الدولة المستبدة القامعة للحريات، 2) شكل ارتباطها بالجماهير الشعبية على مختلف منابعها الاجتماعية، في حركتها النضالية في وجه هذه السلطة المستبدة، وفي سعيها للإصلاح السياسي في شكل هذه الدولة المستبدة، و3) موقف هذه التيارات من الامبريالية وموقعها ضمن حركة التحرر الوطني العربية.

لذلك كله، أمكن له أن يقيِّم عاليا دور عبد القادر الجزائري والإمام ابن باديس من بعده في قيادة النضال التحرري الوطني الثوري للشعب الجزائري وتحقيق الاستقلال الوطني لدولة الجزائر الحاضرة. وعلى نفس المنوال، نظر إيجاباً إلى حركة السنوسي، والمهدوية وسواها، بما في ذلك الحركة الوهابية في بداياتها، عندما تشكلت كحركة تحررية وطنية لمكافحة العثمانيين المسيطرين على العالم العربي؛ لكنه رأى في هذه الحركة الأصولية انعطافاً رجعياً حاداً، عندما تحالفت مع سلطة آل سعود المعادية بشكل تام لحركة التحرر الوطني العربية، بسبب من ارتباطها التبعي بالقوى الإمبريالية. أما أصولية حركة الإخوان المسلمين فقد عدّها أصولية رجعية معادية لأي إصلاح اجتماعي على طول الخط.

لنخلص إلى ما وصل إليه البحث في خاتمته، يقول حسين مروّة، في تناوله للتيارات التي تنطلق من مواقع سياسية مباشرة، مقدمة نفسها إلى الجماهير العربية والإسلامية كبديل عن القوى الوطنية البرجوازية السابقة التي فشلت في أداء مهاماتها المرحلية، وكبديل أيضاً عن القوى الثورية الجذرية اللاحقة التي من المفترض أن تكون هي البديل: "تتميز هذه التيارات الأخيرة بأنها تقدم للجماهير مشروعاً سياسياً متكاملاً كبديل "إسلامي ثوري" يطرح أهدافاً تحررية معادية للإمبريالية. فهي إذن لا تختلف من هذه الوجهة عن التيارات والحركات الدينية الإسلامية ... لكن مشروعها يطرح مسائل أخرى تختلف بها عن سابقاتها من التيارات الإسلامية ... اختلافاً جذرياً... ذلك بأن هذه التيارات الدينية تطرح في مشروعها الجديد التعارض بين الوحدة القومية والوحدة الإسلامية. وهي لذلك تقيم تعارضاً بين العروبة والاسلام، على غرار الشيخ حسن البنا ... في حين رأينا خلال السياق التاريخي السابق، كيف ترتبط القضية العربية بالقضية الإسلامية، ارتباطاً موضوعياً وعضوياً لدى جميع التيارات والحركات الإسلامية الاصلاحية منذ القرن التاسع عشر".

"إن هذه التيارات والحركات الدينية تحاول ضرب البديل الثوري ... وهي عبر محاولتها هذه تمهد موضوعياً لإعادة انتاج النظام البرجوازي التابع ولكن بحلة جديدة".

قد لا يتكرر وجود مفكر مناضل بمكانة حسين مروّة، بكل ما رافق نشأته وتطوره من ظروف، وبكل ما جسّده من مشاعر، وتطلعات وطموحات، ورؤى وأهداف، إلخ. لكنني أدعو جيلي، من الرفاق الذين لم يتعرفوا إلى قامة حسين مروّة، إلى أن يغرفوا من معينه الفكري الذي لن ينضب، علّنا – وبشكل جماعي – نستطيع استكمال وتطوير ما بدأه هو وحده، في شكل يتناسب وقضايا هذا الجيل الاجتماعية والسياسية والفكرية، ضمن الصيرورة الواحدة لتحقيق التحرر الوطني لشعوبنا العربية، والثورة السياسية الديمقراطية بقيادة الطبقة العاملة، والثورة الاجتماعية الاشتراكية.