«دولة واحدة بنظامين» قابلة للتحول إلى «دولتين بنظام واحد»


محمد إبراهيم نقد 
الحوار المتمدن-العدد: 1138 - 2005 / 3 / 15 - 10:40 
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان 
     
محمد إبراهيم نقد يكتب لـ «البيان» قبل أيام من الخروج من مخبئه: 

«دولة واحدة بنظامين» قابلة للتحول إلى «دولتين بنظام واحد»


سبق للسكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، محمد إبراهيم نقد، المختفي حتى الآن لما يربو على العقد من الزمان، أن فاجأنا مرتين من قبل، وعبر الوسائط الالكترونية، باختياره نشر آرائه على صفحات «البيان». 
وها هو يفاجئنا، أيضاً، وللمرة الثالثة، بهذا المقال المهم عبر اتصال اليكتروني يعلن في ثناياه إنه الأخير من مخبئه، حيث ينتظر خلال الأيام القليلة المقبلة صدور قرار خاص من اللجنة المركزية للحزب بخروجه إلى العلن بعد التوقيع النهائي على اتفاق السلام في السودان. 
ووجه نقد جزيل شكره لصحيفتنا، مشيداً بالمهنية العالية، على حد تعبيره، التي اتسمت بها في إتاحة هذه الفرص النادرة له شخصياً لمخاطبة الرأي العام حول مختلف القضايا. 
وفيما يلي الحلقة الأولى من سلسلة كتابات أعدها نقد من مخبئه وستوالي «البيان» نشرها تباعاً: 


الحاصل شنو؟! 
ظل زملاء وأصدقاء كثر في الشتات، لا عدمناهم، يجودون علينا، طوال عقد التسعينيات، بفيض مدرار من الكتب المنتقاة، خاصة خلال المواسم التي تنتصب فيها معارض الكتب في القاهرة وبلدان الخليج.. الشارقة بالأخص، وكذلك من وراء البحار. 
جفاف سوق الكتب وارتفاع أسعارها في الخرطوم القيا علينا التزاماً أدبياً بأن نقرأ الكتاب ثم نطلق سراحه للتداول، إشباعاً لنهم أولئك الذين ظل الكتاب جليسهم وأنيسهم لعقود خلت، ولطالما كانت في بيوت بعضهم مكتبات عامرة، بقدر ما كان للكتاب والمجلة حق معلوم في دخولهم، كثرت أم قلت، قبل أن تفتقد هذه المكتبات، رويداً رويداً، موارد التغذية بالجديد. 
وتتعدد الفجوات بين الكتب المنضدة على الأرفف، لتشي بمن تحايلوا وألحّوا في الاستعارة، متعهّدين بالحفاظ على ما استعاروا، وقاطعين الوعد، تحت اليمين المغلظة، بإعادته خلال أسبوع.. قرأنا قصة (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ، ونتلهّف لمن يتحفنا، من المبدعين السودانيين، بقصة (اللص والكتاب)! 
هكذا، ومع تسارع إيقاع التعقيدات السياسية، وتفاقم عوامل الصعوبات المعيشية، آل سوق الوراقين الداخلي، طرداً، إلى كساد، وتباطأ بريد الكتب من الخارج لتحل محلها تحويلات (الضروريات) من غذاء ودواء وكساء، وانحسرت ساعات القراءة تبعاً لتراجع موقعها القديم الأثير في اهتمامات الناس، على حين راح يتواتر أكثر فأكثر، ويوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، السؤال السوداني عفوي الاصالة: «يا جماعة الحاصل شنو؟!» 

ديالكتيك «شختك بختك» 
خلال صيفي 2003  و 2004، وهما، في الحقيقة، فصل واحد ممتد، تأنيت مليّاً عند كتابين تزامن وصولهما مع ما نحن فيه من حصار منظومة المفاوضات و(البروتوكولات)، وما ينتظرنا منها: ماشاكوس ـ ناكورو ـ كارن ـ نيفاشا ـ نيروبي، من جهة، وجدة ـ القاهرة، من الجهة الأخرى، إضافة إلى ابشى ـ سرت ـ ابوجا، من الجهة الثالثة.. هذا إن لم تفاجئنا الأقدار بمنتجع وارف آخر، أو بعاصمة قصية أخرى! 
الكتاب الأول للدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه بعنوان: (الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان «1936 - 1953»، ط1، دار الأمين، القاهرة 1998م). 
وقد صدرت مؤخراً طبعته الثانية الفاخرة عن مركز عبد الكريم ميرغنى بأم درمان صيف 2004م. أما الكتاب الآخر فللدكتور منصور خالد (السودان أهوال الحرب وطموحات السلام: قصة بلدين، ط1، دار ثروت، القاهرة 2002م). 
الكتابان يشكلان معاً خلفية مضيئة لدور المجتمع الدولي، ثم الدولي والإقليمي، في حل أو تعقيد أزمات ومعضلات الدولة السودانية منذ غزو محمد علي باشا، ثم الثورة المهدية، ثم اتفاقية الحكم الثنائي على مشارف القرن العشرين. 
ولا تعوزنا الأمثلة، بالطبع، على تجليات أزمة الدولة السودانية منذ سطو الجبهة الإسلامية القومية على السلطة في الثلاثين من يونيو عام 1989م، ومساكنة أو (مصاقرة) المجتمع الدولي والإقليمي لنا منذ مطلع الألفية الثانية: زيارة الرئيس الأمير كي الأسبق جيمى كارتر، وندوة مركزه في مدينة اتلانتا، بالاضافة إلى ابوجا الأولى والثانية، ونيروبي والايغاد وأصدقائها.. ثم شركائها. 
ولا ننسى أن ضربة البداية كانت ندوة مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن عام 1993م التي انطلق منها بالون اختبار (دولة واحدة بنظامين) ضمن ورقة د. فرانسيس دينق ذات الصيت والشهرة بذات العنوان. وقد تصبح الفكرة قابلة للتحول، بديالكتيك (شختك بختك)، إلى (دولتين بنظام واحد)، و(خط انابيب بترول واحد)، تحت (رعاية الشركاء) و(غطاء الايغاد)! 
وداعاً للقراءة المتأنية 
وعلى ذكر الاتفاقيات اهمس في أذن مولانا الوقور ابيل الير، وعلى مسمع خافت من دكتور منصور خالد، مدمن كيمياء الاتفاقيات (الصفوة وإدمان الفشل ـ منصور خالد وإدمان الاتفاقيات ـ «دقة بدقة» أو هذه بتلك).. اهمس بأن اتفاقية أديس أبابا ليست المؤودة الأولى، فوأد الاتفاقيات كامن، على ما يبدو، في جينات الدولة السودانية. 
فعلى سبيل المثال عقدت دولة الحكم الثنائي اتفاقية عام 1921م مع السلطان بحر الدين، سلطان سلطنة دار مساليت التي انضمت بمقتضاها إلى الدولة السودانية وفق شروط محددة، من بينها حق أهلها في تقرير مصيرهم بعد 75 عاماً، مِمَّا سنعرض له لاحقاً. 
لكن لم يكد ينصرم العام، أو ما يزيد قليلاً، حتى افترست دولة الحكم الثنائي تلك الاتفاقية، باكتساح السلطنة واحتلال عاصمتها الجنينة عام 1922م، مباشرة بعد إخماد ثورة السحينى في واقعة نيالا (راجع ص 43 من مذكرة شيخ العرب «أبْ سِن»، مدير مديرية دارفور«1955 ـ 1958م». 
والتي طبعتها دار الوثائق، ونشرتها صحيفة «الأيام» في حلقات عام 1959م، مع جزيل الشكر للذين لا يحتفظون، فحسب، بالوثائق النادرة، وإنما يجودون بها، وبأريحية، على متسولى المعرفة من أمثالنا)! 
لم يطف بذهن أهل دار مساليت، آنذاك، إن الأقدار تخبيء لهم ظلماً اشد مضاضة على يد حكومة الإنقاذ والحاكم باسمها على ولاية غرب دارفور عام 1996م، حيث احتقر تاريخهم، وسفه مصطلحاتهم العريقة في حيازة الأرض واستضافة الوافدين من قبائل وعشائر و(خشم بيوت). 
واستهان بأعرافهم في تراتب الإدارة، وضوابط التوافق القبلي الطوعى بين الأسرة والعشيرة والقبيلة. وكانت النتيجة (بروفة بالملابس) لمخطط حرق القرى، وتهجير قبائل الزرقة قسراً، ليحل محلها حزام عربي من قبائل وافدة، تمهيداً لتغيير اسم (دارفور) نفسه، وبذات الاستهانة التي عدلت بها الإنقاذ، وبدلت وشوهت، أسماء المحليات والأحياء السكنيَّة في الخرطوم! 
تفوّق حاكم غرب دارفور على نفسه في تنفيذ سياسة الإنقاذ تجاه دار مساليت، دون أدنى احترام لبطولات وبسالات أهلها في التصدي لمشاريع التوسع الفرنسي عبر حدود السودان الغربية، يوم كان السلطان بحر الدين آخر سلطان مستقل لسلطنته، بعد اكتساح الفرنسيين لسلطنات وداى وكانم، فحق للشاعر محمد الفيتوري إن يمجد تلك البطولات والبسالات في قصائده. 
كما حق للشاعر عالم عباس أن يستشعر قشعريرة الزهو المبدع في ملحمياته، مِمَّا أكاد اجزم أن حاكم غرب دارفور ذاك لم يقرأ شيئاً منه، وإن قرأ لم يهتز طرباً أو تقف شعرة في جلده! 
أعود للكتابين لأستعرضهما هنا، لا كضابط مبيعات أو مروج سلعة، بل كمُحاور. والحوار يفقد جدواه ويمحق مردوده إن حاد عن النقد كأداة معرفية وثقافية تفتح جسور التواصل والتفاعل لإنتاج معرفة مضافة. لقد أجاد الكاتبان، ما في ذلك شك، كل في مجاله ومضماره، وقدما سفرين قيمين لمكتبة الفكر السياسي السوداني. ولكننا باستعراضهما نقول: وداعاً للقراءة المتأنية، دونما تطاول على رائعة همنغوى (وداعاً للسلاح)! 
غير انه يلزمنا، ابتداءً، إبداء ملاحظة مهمة. ففى سياق تداعيات مشاكوس ونيفاشا، ودور الولايات المتحدة الاميركية فيها، إنسابت في شرايين وأوردة الدورة الإعلامية أربعة مصطلحات، صك رئيس تحرير (الأيام) اثنين منها: (المجتمع الدولي هو الاسم الحركي للولايات المتحدة)، و(اختطاف قضية المعارضة السودانية). 
اما الثالث فقد صكه السيد الصادق المهدي للدلالة على تمايز (التدخل الدولي الحميد) عن الآخر (الخبيث)، وأما الرابع (الشيطان في التفاصيل) فتعريب عن الإنجليزية صاغه د. منصور خالد من خلال تقديمه المقتضب لاتفاق مشاكوس الإطاري في حينه، فلكأنما قصد تنبيه القارئ السوداني، المتوجس أصلاً، إلى أن «الغريق لي قِدَّام»، كما في المثل الدارج، بمعنى أن هذا القارئ «لا يزال، مع ذلك كله، دون الأعمق»! 
وإذن، فليس غريباً على العموم، ولا شاذأ في السياسة، علماً أو ممارسة، أن تسهم مصطلحات مستحدثة الصك أو الترجمة أو الصياغة أو الاستخدام في فك شفرة الماضي، أو حل طلاسم أحداثه ووقائعه، أو توسيع دائرة الضوء حول ما قد يبدو معتماً أو غامضاً في بعض جوانبه وتفاصيله. 
لنأخذ مثلاً على ذلك دور الولايات المتحدة الأميركية في اتفاقية الحكم الذاتي والاستقلال (فبراير 1953م)، ونستعين على فض تمائم ذلك الدور بالتوثيق المتيقن، والتحليل الرصين، أو ما يمكن وصفه بالمزاج الأكاديمي المعتدل (الرايق) في كتاب د. فيصل الذي يؤرخ ويوثق لفترة النهوض السياسي الوطني في مصر والسودان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية . 
وما بعدها، وبخاصة على الصفحات 455، 457، 518، 594، 628، 629. فقد جعلت الولايات المتحدة مدخلها إلى شئون مصر والسودان الحرص على إقناع الحكومات المصرية المتعاقبة، آنذاك، بالانضمام إلى مشروع (الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط)، بحجة: 
1ـ (ملء الفراغ) في حالة جلاء القوات البريطانية عن مصر. 
2ـ صد النفوذ السوفييتي والمد الشيوعي. 
ومن ثم اقترحت الخارجية الأميركية على الخارجية البريطانية تكليف سفيريهما لدى القاهرة، الأميركى جفرسن كافرى والبريطاني رالف ستيفنسن، بإعداد تقييم مشترك للشعور المصري العام بشأن الوجود العسكري البريطاني، من جهة، ومسألة السودان من الجهة الأخرى. وقد جاء التقرير مشتملاً، بالنسبة للنقطة الأخيرة، على ثلاث توصيات: 
1ـ إعادة النظر في إمكان الاعتراف علناً بالوضع الدستوري والقانوني للتاج المصري في ما يتعلق بالسودان. 
2ـ تحديد موعد مبكر لحصول السودان على الحكم الذاتي وصون حق السودانيين في تقرير مصيرهم. 
3ـ النظر في مسألة الحصول على ضمان دولي لاتفاق مصري ـ سوداني بشأن مياه النيل. 
وفى أكتوبر عام 1951م رفضت حكومة الوفد (مشروع الشرق الأوسط)، فطرحت أميركا مبادرة بثلاثة محاور: 
1ـ ألا تشكل مسألة السودان عقبة أمام الاتفاق مع مصر بشأن الترتيبات الخاصة (بالدفاع المشترك عن الشرق الأوسط). 
2ـ الضغط على بريطانيا لتقديم صيغة جديدة يمكن من خلالها الاعتراف برمزية التاج المصري على السودان، دون المساس بوضع السودانيين او حقهم في تقرير مصيرهم. 
3ـ إرسال بعثة اميركية إلى السودان لاستطلاع وجهات نظر قادته وإدارته البريطانية بشأن مسألة التاج المصري الرمزي. 
في 13 يناير عام 1952م وصلت بعثة الاستطلاع الأميركية إلى الخرطوم، وكانت تتكون من ولز ستابلر من رئاسة الخارجية الأميركية بواشنطن، وماتيسون من السفارة الأميركية بالقاهرة. وكانت صحيفة (النيل) الاستقلالية الناطقة باسم حزب الأمة قد استبقت عمل البعثة، مبدية رأيها حول اهدافها قبل ما يربو على الأسبوع من وصولها، بقولها في عددها الصادر بتاريخ 2 يناير عام 1952م: 
«إن اميركا تحاول الضغط على بريطانيا لا من اجل مصر، ولكن من اجل الدفاع عن الشرق الأوسط من الخطر الروسي. و(المشروع الاميركى) يضع السودان كبش فداء، وسلعة تباع وتشترى ليتم الدفاع المشترك». 
غير أن البعثة واصلت مهمتها المحددة خلال الفترة ما بين 1330 يناير، فزارت مشروع الجزيرة وعطبرة والابيض وجوبا وتوريت، وشملت زياراتها وحدات قوة دفاع السودان في العاصمة والأقاليم المذكورة. ثم التقت بالحاكم العام، والسكرتير الادارى، وأعضاء الجمعية التشريعية، وعدد من موظفي الحكومة البريطانيين والسودانيين. 
كما التقت بكل قادة الأحزاب السياسية والقوى الوطنية: إبراهيم بدري، عبدالله خليل، الدرديري احمد اسماعيل، مبارك زروق، بالاضافة إلى مندوبى الجبهة المتحدة لتحرير السودان: حسن الطاهر زروق عن جبهة الكفاح، وعثمان محمد احمد عن اتحاد الموظفين، وسألتهم عن أهداف أحزابهم وتنظيماتهم، ووجهات نظرهم فى القضايا المطروحة آنذاك. 
وفى 10 فبراير رفع ستابلر تقريراً باستنتاجاته، ومن بينها مسألة رمزية التاج المصري على السودان بوصفه عربوناً لقبول مصر بمشروع (الدفاع المشترك) عن الشرق الأوسط، فقال: «إن قبول الحكومة البريطانية بلقب الملك يمكن أن يكون أكثر استساغة للجماعات المعارضة إذا تضمن الشرح والتنوير تأكيدات محددة في ما يتعلق بالآتي: 
رمزية التاج ـ تاريخ محدد لتقرير المصير، بما في ذلك مسألة التاج ـ نوع من الضمان أو الإعلان الدولي ـ مشاركة الجبهة الاتحادية في تكوين جمعية تأسيسية في السودان». 
وأشار في التوصية رقم (7) إلى أن الاستفتاء غير عملي، وأن الأفضل صدور القرار من الجمعية التأسيسية حول الاستقلال أو الاتحاد مع مصر. ثم شارك، لاحقاً، فى الاجتماع الذي عقد بباريس بين وزير الخارجية الأميركى اشيسون ووزير الخارجية البريطاني إيدن، حيث تركز النقاش بصفة رئيسة حول مسألة قبول السودان للقب الملك، وأهمية ذلك لتسوية مسألة (الدفاع المشترك) عن الشرق الأوسط مع مصر. 
لكن انقلاب الجيش المصري في 23 يوليو عام 1952م حسم معضلة التاج الرمزي، نهائياً، حيث عصف بالتاج والصولجان والعرش. فهل كان ذلك كافياً لحسم (مسألة السودان)؟! وما هو بالتحديد الدور الذي لعبته اميركا فيها وفى اتفاقيَّة الحكم الذاتي (فبراير 1953م)؟! 
في الصفحات 625 ـ 629 يتابع د. فيصل، وبعنوان فرعى، تقصيه للدور الاميركى في إبرام اتفاقية الحكم الذاتي (فبراير 1953م) والاستقلال، فيكتب قائلاً: 
«لم يكن اتفاق الأحزاب السياسية السودانية في 10 يناير 1953، ووقوفها خلف المفاوض المصري، هو العامل الوحيد الذي عجل باتفاق الحكومتين المصرية والبريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان، إذ لعبت الولايات المتحدة الاميركية أيضاً دوراً مهماً في هذا الصدد. 
كانت الحكومة الاميركية مهتمة بنجاح المفاوضات المصرية البريطانية بشأن السودان، حتى يتفرغ الجانبان لبحث مسألة جلاء القوات البريطانية عن مصر، والترتيبات الغربية بشأن الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط لملء الفراغ الذي سينشأ عن الانسحاب البريطاني». 
وفى ص 628: «كانت الحكومة الاميركية تتابع المفاوضات المصرية البريطانية بشأن السودان من خلال سفيرها في القاهرة جيفرسن كافرى الذي كان على اتصال بين الطرفين.. وكانت الحكومة الاميركية قد تلقت من قيادة ثورة 23 يوليو إشارات مشجعة بشأن مشاركتها في الترتيبات الغربية للدفاع عن الشرق الأوسط. 
فقد تطرق محمد نجيب، في رسالة بعث بها في 10 نوفمبر 1952 إلى الرئيس أيزنهاور، لإمكانية قبول مصر المشاركة في نظام دفاعي مع الولايات المتحدة، بمجرد التوصل إلى اتفاق بشأن الانسحاب البريطاني من مصر». كما عبر محمد نجيب، في الرسالة نفسها، عن رغبة مصر في الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية من أميركا. 
وفى ص 655: و«لكسب التأييد الأميركى للموقف المصري، والضغط على بريطانيا، استدعى محمد نجيب في 23 ديسمبر 1952 السفير البريطاني منتقداً تأخير الرد البريطاني على المذكرة المؤرخة 2 نوفمبر 1952». 
وفى ص 625: «يمكن تلمس الضغط الأميركى على الحكومة البريطانية، لتجاوز الخلاف حول مسألتي الجنوب والسودنة، من خلال ما نقله السفير البريطاني في واشنطن إلى حكومته في أول فبراير 1953، قبل أيام من توقيع الاتفاقية بشأن السودان.. حيث حذرت الحكومة الاميركية من انه إذا استعدت بريطانيا محمد نجيب. 
وهو من خيرة القادة المصريين، فإن ذلك ستترتب عليه أثار خطيرة على المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط»، ويدعم استنتاج د. فيصل في هذا الشأن ما أورده د. تيسير محمد احمد في بحثه لدرجة الدكتوراه، نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 13 فبراير عام 1953م، من أن نجاح المفاوضات المصرية البريطانية قد تم «بفضل الجهود الحميدة التي بذلها السفير الأميركى في القاهرة جفرى كافرى، حسب رواية الرئيس المصري محمد نجيب» (زراعة الجوع في السودان، ص 74). 
هكذا اختطفت أميركا قضية السودان من المفاوض البريطاني ونظيره المصري قبل خمسين عاماً (1951 ـ 1952م ـ 2001 ـ 2002م)، وها قد جاء السناتور دانفورث، مبعوث الرئيس الأميركى جورج دبليو بوش، ليسير في مطلع الألفية الثانية على نفس خطى سلفه الأسبق ستابلر، بمنهج (الخطوة خطوة) و(المقترحات البديلة) و(الغموض الايجابى) و(العصا والجزرة). 
مواقف متميزة.. نوعياً 
لا يقدح، بأية حال، في استقلال السودان، سواء استثمر بوعى أو عفو الخاطر، صراع المصالح الاميركية البريطانية في الشرق الأوسط، فقد نالت البلاد استقلالاً أحسن وصفه إسماعيل الأزهري بأنه «كالصحن الصيني، لا شق ولا طق»! 
وقد أسهم الشعب السوداني مع الشعوب العربية في مناهضة الأحلاف والقواعد العسكرية، فقطع الطريق على حلف الشرق الأوسط، ومن بعده مشروع ايزنهاور، كما حمى ظهر مصر الناصرية في وجه العدوان الثلاثي، وفى يوليو 1958م اخترقت ثورة الشعب العراقي حلف بغداد. 
لكن، مع كر الزمن تبدل الحال.. غربت شمس الإمبراطورية البريطانية، وافتقدنا عبد الناصر، واختفى من الوجود ما كان نفوذه وخطره يستدعى وبإلحاح تشكيل حلف الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط، وأصبحت الولايات المتحدة هي «.. الكابتن والفريق والمدرب والحكم»، حسب رؤية السيد إبراهيم منعم منصور حامل وسام أسبق السابقين في وزارة المالية السودانية (صحيفة الرأي العام في 4 ـ 3 ـ 4)، وبمحض الصدفة جاءت أرقام تاريخ ذلك العدد من الصحيفة مطابقة لخيارات المدرب بالنسبة لبعض خطط اللعب في كرة القدم! 
إلا أنك ما أن تقرأ كتاباً أو بحثاً متقن التوثيق والأداء في تاريخ الحركة السياسية السودانية متقلبة الأطوار، حادة المزاج، حتى تنداح في مخيلتك بانوراما بلا ضفاف، تمور بالقضايا والإشكاليات والمعضلات التي تستعطف الكتاب والباحثين أن يلجموا ألسنتهم لبعض الوقت، ويصوموا عن الشهوة الثالثة المنهكة، شهوة المشافهة، ويلزموا (جابرة) البحث والتنقيب ليقدموا لأهل السودان صفحات من تاريخهم السياسي الاجتماعي! 
لقد أشار د. فيصل، مثلاً، في ص 247، إلى دور طلبة كلية غردون في الضغط على قادة مؤتمر الخريجين بأن سفر وفد لا يمثل كل الأحزاب للمشاركة في المفاوضات في مصر لهو أمر محفوف بالمخاطر. 
وكذلك إلى الرسالة التي بعث بها الطلبة والمواطنون السودانيون في مصر إلى المؤتمر والأحزاب لتشكيل جبهة وطنية تمثل كل العناصر وتطالب بحل قضية السودان مع القضية المصرية في وقت واحد، وإصرارهم على إشراك السودانيين في المفاوضات على أساس الجلاء وحق السودانيين في تقرير مصيرهم. 
رسالة أولئك السودانيين في مصر طرحت، بلا شك، صيغة سياسية متقدمة عما كان متداولاً بين نادى اتحاد طلبة كلية غردون ونادي الخريجين بأمدرمان ونادي حزب الأمة، مما يثير جملة أسئلة عن هويتهم السياسية، وعن منابرهم، وعن الكيفية التي التقوا بها واتفقوا على تلك الصيغة، وعن تجلى متغيرات التركيبة الاجتماعية لديهم. 
ومدى تجاوبهم مع القضايا السياسية على تعاقب الحقب ـ ما قبل 1924م وما بعدها حتى 1936م، ثم إلى 1946م و1956م وتدشين جامعة القاهرة فرع الخرطوم ـ أو أي تعقيب آخر يؤرخ لدور أولئك السودانيين في مصر، آنذاك، طلبة ومواطنين. 
ختاماً، وفى ص 628، يحدد د. فيصل هدف أميركا من (حلف الشرق الأوسط) في (صد النفوذ السوفييتي واحتواء الشيوعية)، لكنه يستنتج قائلاً: «ولعل في هذا ما يكشف السبب الحقيقي لمعارضة الحركة الشيوعية السودانية لاتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير». 
صحيح أننا عارضنا الاتفاقية، ولكن صحيح أيضا أننا سرعان ما أدركنا خطأ وقصور تقديراتنا، فصححنا موقفنا في نقد ذاتي صدر في بيان نشرته الصحف، وإذا لم يوثق المؤرخون لهذه الحقيقة أيضاً فإن عملهم يظل ناقصاً. 
وبما أن د. فيصل استخدم أداة الترجيح (لعل) فإنه قمين أن يتوصل إلى اليقين، كمؤرخ وموثق، لو اطلع على كتيب قديم ضامر، أغبش الجلدة والصفحات، بعنوان: (الاتفاقية في الميزان)، لكاتبه الشهيد قاسم أمين، أحد أبرز مؤسسي وقادة الحركة العمالية والحزب الشيوعي التاريخيين، وربما يعثر على نسخة منه في دار الوثائق، أو في مكتبة السودان بجامعة الخرطوم. 
تداعيات الذاكرة على هوامش د. فيصل 
ـ عندما أعلنت حكومة الوفد إلغاء اتفاقية 1936م دعت اللجنة التنفيذية لاتحاد طلبة جامعة الخرطوم لمحاضرة بدار الاتحاد قدمها عضو اللجنة، وأحد رواد الحركة الإسلامية، المرحوم محمد محمد احمد علي (مولانا) الذي استشهد لاحقاً في أحداث 1955م في الجنوب، وشق نعيه على كل من زامله في سنوات الدراسة وما بعدها. 
تعرفنا في تلك المحاضرة لأول مرة على بنود وتفاصيل اتفاقيات الحكم الثنائي (1898م وما بعدها)، وما طرأ عليها من إضافات وتعديلات. وكالعادة خرجنا بعد المحاضرة في مظاهرة صاخبة داوية اتجهت نحو المحطة الوسطي وقلب المدينة. 
ـ ظهر السبت 23 يوليو 1952م. قيلولة ما بعد الغداء بداخلية الرهد، الطابق الأرضي. فجأة أطل من خارج النافذة الشمالية كل من عثمان أبو كشوة وعثمان حامد وحسن محمد حامد وعز العرب يوسف، وأنبأنا أبو كشوة أن الجيش المصري بقيادة اللواء محمد نجيب أطاح بالملك فاروق، وأن محمد نجيب من أصول سودانية! 
لم استمع لبقية التفاصيل، اتصلت بالمرحوم شيبون في الداخلية المجاورة واتفقنا أن أذهب لمعرفة المزيد من التفاصيل وموقف الحزب، وذلك من مكتب صحيفة (الجهاد) الأسبوعية، وكان صاحب امتيازها عبد المنعم حسب الله بينما يتولى الشيوعيون إصدارها. 
. وجدت في مكتب الجهاد عبد الخالق محجوب وكامل محجوب والوسيلة والتجانى الطيب. كان تقديرهم للانقلاب إيجابياً ولديهم بعض التفاصيل عن تنظيم الضباط الأحرار وانتخابات نادى ضباط الجيش المصري والأهداف التي أعلنها البيان الأول. من مكاتب الجهاد عرجت على عمارة غطاس، حيث مكاتب صحيفة (الصراحة). 
وجدت عبدالله رجب ومحمد سعيد معروف وآخرين يستمعون لإذاعة القاهرة ويتداولون حول برنامج الانقلاب. عدت للكلية، واجتمعت لجنة التنظيم الحزبي لرابطة الطلبة الشيوعيين بالجامعة، وناقشت ذلك التحليل الأولى. تواصل الموقف الايجابى من حركة الجيش المصري باعتبارها امتداداً لثورة عرابي وثورة 1919م. 
واستجابة لشعار الكفاح المشترك مع الشعب المصري. بعد بضعة أسابيع عاد من مصر، في إجازة قصيرة، طالب الطب، وقتها، المرحوم عمر محمد إبراهيم، فدعته جمعية الزمالة الثقافية، وكان سكرتيرها فاروق محمد إبراهيم، لتقديم ندوة حول حركة الجيش والوضع في مصر. وكان تقديره العام إيجابياً مع تحليل موضوعي للصراع السياسي آنذاك. 
أسرد هذه التفاصيل لدحض دعاوى من يكتبون عن الأحداث السياسية دون ذاكرة، ودون وثائق، ويزعمون أن الحزب الشيوعي السوداني أعلن عداءه لحركة 23 يوليو واعتبرها انقلاباً دبرته المخابرات الأميرية! 
ـ وحسماً للنزاع أورد في ما يلي بعض أوجه الخلاف الحقيقي بين الحزب وبين حكومة تلك الحركة: 
أولاً: إعدامها للقائدين النقابيين خميس والبقرى لقيادتهما إضراباً نقابياً بعد حركة الجيش. لقد كانت مطالب ذلك الإضراب نقابية خالصة، والمفاوضات حولها متواصلة مع المخدم قبل وقوع الانقلاب، كما وأن محمد نجيب قد اعترف في مذكراته التي كتبها في معتقله بأنه استدعاهما إلى مكتبه، واستمع إليهما، واقتنع بأنهما لم يكونا مدفوعين من جهة داخلية أو خارجية أو يعارضان العهد الجديد. 
ثانياً: تراجعها عن الوعد بإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين خلال العهد الملكي، وكانوا من الوفديين والأخوان المسلمين والشيوعيين وأنصار السلام وغيرهم. 
ثالثاً: انحياز الحزب الشيوعي لخيار الاستقلال في مواجهة خيار الوحدة مع مصر. وقد ذكر القائد الشيوعي المصري إبراهيم عبد الحليم في مذكراته أن صلاح سالم استدعاه من المعتقل وأخبره بأنهم قرروا إطلاق سراحه ليسافر إلى السودان لإقناع الشيوعيين السودانيين للانحياز لخيار الوحدة مع مصر، فرفض إبراهيم تنفيذ المهمة. 
وأكد لصلاح سالم أن الشيوعيين السودانيين مستقلون في قراراتهم، وأن تحالف الشيوعيين المصريين والسودانيين يستند إلى تحرير وادى النيل من الاستعمار البريطاني، وحق شعب السودان في تقرير مصيره. 
ـ عدلنا موقفنا من النظام المصري لاحقا، بعد مؤتمر باندونق عام 1955م، والذي كان نقطة تحول مهمة في مسار حركة عدم الانحياز، والموقف الحازم من الاستعمار بشكليه القديم والحديث، ونهوض حركة التضامن الآسيوي الأفريقي التي اتسعت لتشمل شعوب أميركا اللاتينية بعد انتصار الثورة الكوبية في يناير 1959م. أما ما ذكرناه عن علاقة انقلاب الجيش المصري بأميركا فلم يتجاوز ما ذكره ضابط المخابرات الأميرية (كوبلاند) في كتابه (لعبة الأمم)! 
ـ الخلافات مع القيادة المصرية حدثت في فترة لاحقة، وتمت مناقشتها وتصفيتها خلال اجتماع وفد الجبهة المعادية للاستعمار الذي زار مصر بعد العدوان الثلاثي في 1956م والتقى عبد الناصر ثم صلاح سالم. 
ـ أشار د. فيصل للقاء الموفد الأميركي ستابلر بمندوبى الجبهة المتحدة: حسن الطاهر زروق وعثمان محمد احمد، الأخ الأكبر للقائد النقابي المهندس هاشم محمد احمد. الجبهة المتحدة كانت إحدى صيغ التحالفات النشطة التي ضمت الحركة النقابية والطلابية ويسار الأحزاب الاتحادية، وواضح أن الاسم مستمد من تجربة الثورة الصينية . 
وانتصاراتها التي ألهبت حماسة حركة التحرر الوطني أوان ذاك. وكان للجبهة بالفعل حضور يومي نشط في أغلب المدن السودانية، مع نشاط مكثف في نادى العمال بالخرطوم بحري، ودار متواضعة في السجانة كانت تخرج منها المظاهرات بعد كل ندوة، وكان يتولى إيقاع هتافاتها عبد الحليم عمر والسر حيمورة. 
وقد احتشدت فيها ندوة لإحياء ذكرى ثورة 1924م توجهت بعدها المظاهرة إلى (مقابر بلاع) شرق السجانة، مثوى شهداء تلك الثورة، حيث تبادل الخطباء تمجيدهم في عتمة الليل البهيم. لاحقاً تم تلجين تلك المقابر، وتمدد حولها العمران تتوسطه الميادين الرياضية، وما من لوحة رخامية، حتى الآن، أو مسلة متواضعة تخلد ذكرى أولئك الأبطال. 
ـ ليت د. فيصل يواصل جهده في دراسة وتقويم منظومة الاتفاقيات التي يحار المرء في أمرها.. هل تزين جيد السودان أم تطبق على عنقه؟! كمثال على ذلك: اتفاقية بريطانيا وفرنسا بعد ترسيم الحدود السودانية التشادية، عقب نزاع (منخفض التوتر) منذ مطلع القرن العشرين وحتى مؤتمر فيرساى للصلح أو السلام في يناير عام 1918م. 
وقد أشار إليها ثيوبولد، ساخراً، في كتابه (على دينار، لونقمانز، 1965م، ص 220) بقوله: «ينظر نزاع انجلترا وفرنسا في مؤتمر السلام في يناير 1918م، لتسوية مشكلة حدود بسيطة، في ركن مجهول من أفريقيا، مع تسوية مصائر الدول الكبرى، ومئات ملايين البشر على نطاق العالم»! 
ما لم يدر بخلد ثيوبولد، في زمانه، أن دارفور، من ركنها المجهول ذاك في أفريقيا، سوف تقفز إلى أجندة مجلس الأمن، وسوف يتوافد عليها سكرتير عام الأمم المتحدة ووزير خارجية القطب الأوحد وما دونهما، علاوة على مراقبين دوليين تحميهم قوات الاتحاد الإفريقي، وتستضيف أبوجا عاصمة نيجيريا مفاوضات حل أزمتها، ولجم شياطينها الجنجويد، بينما (سيف ديمقليس) يتهدد الدولة السودانية! 
ـ ومثال آخر، اتفاقية دار مساليت بين سلطات الحكم الثنائي والسلطان بحر الدين، الموصوف بأنه آخر سلطان مستقل في أفريقيا آنذاك، حيث تواصلت المفاوضات بينه وبين البمباشي (مقدم) رونالد ديفس طوال 1917 ـ 1919م. ونص اتفاقهما على: 
(1) أن يتولى السلطان إدارة الشؤون الداخلية للسلطنة، ويتولى المعتمد رونالد ديفس الشؤون الخارجية وشؤون الأجانب، ويحيط السلطان علماً بالتطورات الخارجية، خاصة العلاقات مع مصر. 
(2) أن الجنينية عاصمة السلطنة، ويقيم المعتمد في أروشا الواقعة على بعد بضعة كيلومترات شمال الجنينية. 
(3) أن شرطة الحكومة لا تخرج من أروشا إلا بعلم السلطان وموافقته، وبصحبة مرافق منه. 
(4) أن من حق شعب المساليت الاستفتاء على تقرير مصيره بعد 75 عاماً من توقيع ذلك الاتفاق، أي، بحساب الزمن، عام 1994م! 



طالبنا منذ ما قبل الاستقلال بالحكم الذاتي للجنوب
البهتان العظيم! 
كان في الخاطر الاستعانة بكتاب د. منصور خالد المشار إليه، بصفحاته التي تفوق الألف، لاستكمال توثيق اتفاقية أديس أبابا، والتقاط رأس الخيط الذي تركه أبو القاسم حاج حمدـ متأرجحا بقوله: 
«بعد يوليو 1971م باشرت أميركا، منذ مطلع عام 1972م، احتواء نظام نميري محققة اتفاق أديس أبابا.. بتاريخ 26 فبراير 1972م. وقتها كان القنصل الأميركى كيرتس مور يحكم الخرطوم كما أشارت إلى ذلك الصحف المصرية بغيظ شديد.. 
وكانت مخابرات ألمانيا الغربية وقتها اللاعب الأساسي في ذلك التحول، إذ استعاد السودان علاقته بها بتاريخ 27 ديسمبر 1971م، بعد خمسة أشهر من تصفية اليسار، فمهدت لاستعادة علاقة السودان المقطوعة مع أميركا في 25 يوليو 1972م» (الصحافة، 2 ـ 9 ـ 2004م). ليت حاج حمد يفصل ما أجمله ويوثق له( كتب المقال قبل وفاة حاج حمد ـ «البيان»). 
ندلف، من بعد، إلى ملاحظة أبداها د. عبدالله علي إبراهيم في صحيفة الصحافة، وأخذ فيها على الطبعة التي أصدرها تنظيم الحزب الشيوعي في الخارج، لبيان الحزب الذي كان قد أصدره عام 1972م حول اتفاقية أديس أبابا، إسقاطه لفقرة تحدثت آنذاك. 
بالنص، عن «دور المخابرات الاميركية وعميلها منصور خالد في إبرام اتفاقية أديس أبابا». الملاحظة سليمة دون جدال، لأن حذف فقرة أو أخرى من أية وثيقة يجرح مصداقيتها. وبما أن لجسد الوثيقة حرمته، فإن التعديل أو التصويب أو الشرح ينبغى أن يتم خارج المتن، وهذه واحدة من وظائف الهامش. 
كل هذا وغيره كان في الخاطر، لولا أن د. منصور رمانا ببهتان عظيم، ساهياً أو قاصداً.. لا فرق، في مسألتين: 
الأولى في ص 969، حيث قال: «إن الحزب الشيوعي ينطلق من تحليل ماركسي مسلم به ومفترض بداهة، هو أن كل نضال من أجل العدالة الاجتماعية بصفة مبدئية هو نضال طبقى، وطبقاً لهذه المسلمة النظرية فان مشاكل المناطق المهمشة في السودان سوف تحل في النهاية بإشاعة الوعي الطبقي بين أهل تلك المناطق». 
والثانية في ص 736، حول ندوة أميو، بقوله: «ومما يطرف ذكره أن دعوة وجهت رسمياً من جانب الحركة للحزب الشيوعي للمشاركة في ذلك المنتدى الفكري، إلا إن الحزب اختار عدم الاشتراك في اجتماع قد يرى فيه الآخرون تكتلا يسارياً، ويغلب الظن أن الحزب الشيوعي كان حذراً يوم ذاك من أن تلحق به تهمة الطابور الخامس للحركة». 
مداخلنا للمشكلة خلال الحكم الذاتي 
نبدأ بدحض البهتان الأول. نعم، قرأنا وتدارسنا كل ما كتب في أدبيات الماركسية عن مسألة القوميات، وما كتبه ماركسيون كثيرون عن تجارب شعوبهم متعددة الأعراق والقوميات في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا شرقاً وغرباً. لكننا، عندما تصدينا لمشكلة الجنوب ومثيلاتها في السودان خلال فترة الحكم الذاتي، لم «نفتح الكتاب» أو «نشوف الخيرة»! 
لم نقرأ مشكلتنا القومية حرفياً بعيون ماركس أو لينين أو ستالين، ولم نبحث في كتبهم عن وصفة وافية شافية «الكمدة بالرمدة»، وإنما اشتبكنا معها من موقع النضال الوطني ضد الاستعمار، والقنابل الموقوتة التي يزرعها في المستعمرات كي يفجرها عن بعد عشية الاستقلال أو عقب نيله، ليصيب الحركة الوطنية بالشلل والكساح. 
كان ذلك هو مدخلنا الأول لقراءة المشكلة. ولعل ذاكرة د. منصور لا تزال تختزن برغم تقدم السن، متعه الله بالصحة، ما كان متواتراً في المداخلات والمساجلات السياسية في نادي اتحاد طلبة الكلية (1951 ـ 1952م) على لسان قادة رابطة الطلبة الشيوعيين، المرحوم طه محمد طه. 
والمرحوم محمد عبدالرحمن شيبون ود. فاروق محمد إبراهيم، عن السجل الممتد لمقاومة الشعب السوداني في الشمال والجنوب للاحتلال البريطاني، عبدالقادر ود حبوبة في الجزيرة عام 1908م، ثورة الزاندى بقيادة السلطان يامبيو عام 1905م، ثورة النوير الثانية عام 1928م، وثورة 1924 في الخرطوم بقيادة علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ. 
أما مدخلنا الثاني فقد كان نشاط الحركة النقابية، وتنظيم فروع النقابات في مدن المديريات الجنوبية، ومطلب الأجر المتساوى للعمل المتساوى، ومعايشة الجنوبيين لشماليين غير جلابة «صغار موظفين ومعلمين وعمال»، علاوة على توافد النقابيين الجنوبيين إلى مؤتمرات نقاباتهم المركزية ومؤتمرات اتحاد العمال في الخرطوم وعطبرة. 
ومدني وكوستى وغيرها من مدن الشمال. وإذا كانت تلك ملامسة لمشكلة الجنوب من خارجها وحوافها، فسرعان ما زحفت إلى مركز الدائرة مع المعضلات والقضايا المركزية للحركة الوطنية عقب توقيع اتفاقية الحكم الذاتي والاستقلال في فبراير عام 1953م. 
الوثائق.. لا الأوهام! 
نتفق مع د. منصور في تقويمه لمشكلة الجنوب في فترة الحكم الذاتي، بقوله: «اليوم نلخص الأزمة في نظام الحكم، الهوية، حقوق الإنسان، التهميش السياسي والاقتصادي.. وبالطبع لم تكن مظاهر الأزمة قد تبلورت على هذا النحو قبيل الحكم الذاتي، إلا أن جوهرها كان واضحاً للعيان على المستوى السياسي، كما كان ينبغى أن يكون الحل لها واضحاً على مستوى الرؤية» «الرأي العام، 8 ـ 8 ـ 2004م». 
لكن، وبمثل ما صبرنا على قراءة د. منصور ضمن «ماراثون» حلقاته المطولة بصحيفة الرأي العام خلال موسم صيف رامض ذي سموم لافح «انتهت تعادلية الشاعر الكبير ود الرضي: «يوم سموماً ويوماً غمام»، فالسموم الانقاذى يلاحق الفاصل المداري الآن من السرطان إلى الجدي وبالعكس، فإننا ندعوه كي يبادلنا صبراً بصبر على بضعة نصوص تضيء، من واقع الوثائق المؤكدة، مقاربة الحزب الشيوعي لمشكلة الجنوب خلال فترة الحكم الذاتي (1953 ـ 1956م»). 
كان الحزب وقتها في ريعان العقد الأول من عمره (1946 ـ 1956م)، لكنه اكتسب خلال ذلك العقد مصدراً إضافيا موثوقاً لفض مغاليق مشكلة الجنوب، تجسد في شاب فطن سديد الرأي هو الشهيد جوزيف قرنق. 
كما في عدد من أقرانه من مدرسة رمبيك الثانوية، وقد أصبح جوزيف، في ما بعد، عضواً في اللجنة المكلفة بدراسة المشكلة ورفع توصياتها حولها لقيادة الحزب، وكان من بين أعضائها المرحوم د. عز الدين علي عامر والأستاذ التجانى الطيب. فإلى الوثائق إذن: 
1ـ أصدرت الجبهة المعادية للاستعمار بياناً عن موقفها من قضية الجنوب، نشر بصحيفة «الصراحة»، العدد 422 بتاريخ 28 ـ 9 ـ 1954م، وجاء فيه: 
ـ «ترى الجبهة أن حل مشكلة الجنوب يتم علي الأساس التالي: تطوير التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم المحلى أو الذاتي في نطاق وحدة السودان. وأن موضوع الجنوب يشكل مسألة مهمة وعاجلة في حياتنا السياسية اليوم، حتى أصبح موضوعاً خطراً على وحدة البلاد وعلى حرية إخواننا الجنوبيين». 
ـ «إن الحقيقة التي نهتدي بها في حل هذه المشكلة هي حقيقة وجود قوميات متعددة في بلادنا، ففي الجنوب توجد القوميات الزنجية، وفى الشمال النوبية، وفي الشرق البجاوية، وفي الوسط والغرب العربية، وأن تعدد القوميات هذا قد خلق فوارق في التقدم بينها.. 

وفى حالة الاستقلال الوطني فإن هذه القوميات لن تتمكن من مجاراة الظروف الجديدة إلا بقيام حكم محلى أو ذاتي لها يكون قريباً من مشاكلها، ويستطيع حلها، ويعمل على تطوير «مناطقها» بما له من دراية بشؤونها وعاداتها». 
ـ «إن المشكلة الناشئة في جنوب السودان مردها إلى حقيقة أن تلك القوميات كانت تعانى تأخراً شديداً في الفترة الماضية. وقبل ستين سنة كان أهلها يؤخذون ليباعوا في سوق الرقيق. ولقد ساعد الاستعمار البريطاني.. 
وفق سياسية «فرق تسد» على تركها على تأخرها حتى يستغل تلك الفوارق لإطالة أمد بقائه. إننا نواجه المشكلة بهذه الحقيقة، ونرى أن حلها يكون بإعطاء «هذه القوميات» الاختيار في.. إدارتها الداخلية في حدود القطر الواحد «السودان»، سواء كان هذا في شكل حكومات محلية أو حكومات ذاتية لها برلماناتها الخاصة وحكامها الخاصون». 
ـ «إن نظام الحكم الذاتي ليس جديداً بل هو موجود في دول متعددة.. وهذا لا يعني إضعاف الصلة بين أجزاء القطر الواحد، بل على العكس، فهو يقويها لأنه يحل مشكلة يستعصى حلها بدون ذلك.. 
والحكومات الذاتية في داخل القطر الواحد تختص بمعالجة المشكلات الداخلية، ولكنها تتمثل في البرلمان العام أيضا، وتخضع لدستور البلد الموحد الذي يكفل وحدة القطر وسلامته والمحافظة علي تقدمه». 
ـ «ونحن حينما نقدم هذا المبدأ لحل مشكلة الجنوب، نقر بأن الوضع الحالي للقوميات في الجنوب ليس مدروساً لدينا ولا لدى غيرنا في العاصمة، وأن دراسته تقتضى الذهاب إلى هناك، أو أن تجئ هي من هناك.. ولكنا نرى أن المبدأ للحل هو المبدأ السليم، بل هو المبدأ الوحيد، وتطبيقه يعتمد على الظروف.
فإذا كانت ظروف قومية واحدة، أو عدة قوميات في الجنوب، ورغبة أهلها تقتضى قيام حكم محلى أو ذاتي فلهم الحق في ذلك. كذلك نقر أنه ليست لنا وجهة نظر محددة عن الموقف بين القوميات السودانية الأخرى في الشمال والشرق، إلا أنه، مما يظهر، لا توجد مشكلة حالية بالنسبة لها. 
ولكننا من ناحية المبدأ لا ننكر أنه إذا جاء وقت، ولو كان بعد الاستقلال بفترة طويلة، واقتضت ظروف القوميات نوعاً معيناً من الحكم الداخلي فيجب أن ينفذ». 
ـ «إننا نرى أن الأحزاب الأخرى لا تعالج موضوع الجنوب على ضوء الحقيقة العلمية، وفى هذا خطورة على وحدة البلاد وعلى مصير هذه القوميات المختلفة. ونرى أن الاستعمار قد سبب ومازال يسبب الفتن في الجنوب، ولكن هذا وحده ليس بالتحليل للموقف، إذ أن الاستعمار لم يفعل ذلك وينجح فيه إلا لأنه استغل القوميات المختلفة. 
واستغل موقف الأحزاب الخاطئ إزاء المشكلة، مما قسم بعض الجنوبيين وراء شعاراتها المؤقتة، وترك أغلبية الجنوبيين فريسة للحيرة واليأس.. إن وحدة الجنوبيين يمكن أن تصان في حدود إقرار حقهم في اختيار نوع الحكم الداخلي الذي يريدونه، وعلى إثر ذلك تتحطم مؤامرات الاستعمار وأذنابه لإضعاف وحدة البلاد السياسية». 
الوجه الأول لمقصدنا من إيراد هذه المقتطفات المطوَّلة من نص ذلك البيان هو شرح وتوضيح معاناة الحزب يوم ذاك في صراعه لاستكشاف الواقع السوداني لمشكلة القوميات عامة، ومشكلة الجنوب خاصة، والتحسب لما يطرحه المستقبل من معضلات. وتمتد المعاناة لتشمل اختيار المصطلحات والمفردات المناسبة. 
واستشراف المجهول المحتمل في مسألة القوميات. أما الوجه الآخر فهو أن البيان صدر قبل اندلاع تمرد 1955م، وقبل أن يطرح النواب الجنوبيون شرط حصول الجنوب على الفدريشن «الحكم الذاتي الإقليمي» كشرط للإدلاء بأصواتهم لصالح اقتراح إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. 
2ـ كان ذلك البيان شرحاً، في الواقع، لما أوجزه «برنامج الجبهة المعادية للاستعمار» الذي نشرته صحيفة «الميدان»، العدد رقم 72 بتاريخ 14 ـ 4 ـ 1955م، ومن بين أهدافه: «حماية التجمعات القومية من القهر القومي، وإعطاؤها حق الحكم الذاتي، وتنظيم قوانينها المحلية وفق إرادتها في نطاق وحدة البلاد ومصلحتها العامة، وتصفية نظام الحكم القبلي المحلى». 
3ـ وعقب اندلاع تمرد 1955م وجهت الجبهة المعادية للاستعمار مذكرة لرئيس الوزراء، ورؤساء الأحزاب، واتحاد نقابات عمال السودان، واتحاد مزارعي الجزيرة، واتحاد طلاب كلية الخرطوم الجامعية، وقد نشرتها صحيفة «الصراحة»، العدد 576، 27 ـ 9 ـ 1955م، نوجز محتوياتها في ما يلي: 
ـ التصدي لمؤامرات الاستعمار، وقفل الحدود الجنوبية مع دول الجوار لقطع الطريق على نشاط الإداريين البريطانيين الذين تجمعوا في كينيا وأوغندا بعد سودنة وظائفهم في الجنوب. 
ـ تحذير الحكومة من تمليك قاعدة جوية لبريطانيا. 
ـ إقصاء المبشرين الأجانب لدرء خطر مؤامراتهم التي يحيكونها داخل الكنائس وإيقاف إشاعتهم للثقافة المعادية لوحدة السودان. و«إننا لا نهدف من هذا الإجراء إلى منع التبشير المسيحي في الجنوب أو اعتناق الديانة المسيحية، ولكننا نهدف إلى إبعاد خطر المبشرين الأجانب، وتحويل عمليات التبشير للجنوبيين أنفسهم، وندافع عن حقهم في اعتناق الديانة المسيحية». 
ـ إلغاء قانون المناطق المقفولة، وفتح الباب أمام الأحزاب وهيئات العمال والمزارعين لبدء عمل سريع في مديريتي بحر الغزال وأعالي النيل لكشف المؤامرة الأخيرة وتوحيد الجنوبيين في كفاح مشترك ضد الاستعمار وأحلافه. 

ـ رفع ضريبة الدقنية لأنها مظهر من مظاهر الرق التي تعيد للأذهان عهد تجارة الرقيق. 
ـ المسألة ليست تصوير الجنوب على أنه عالة على الشمال وإننا نصرف عليه، فليست المسؤولية في ضعف موارده وحالته الاقتصادية واقعة على عاتق إخواننا الجنوبيين، بل إن المستعمرين هم الذين تقع عليهم هذه المسؤولية. 
ـ أهمية النهوض بالمستوى المعيشي والثقافي والاجتماعي للجنوب، وتطويره نحو الحكم الذاتي، والاعتراف له بهذا الحق من الحكومة والأحزاب وهيئات العاملين. هذا هو الطريق الوحيد لخلق وطن متحد، متحرر من الاستعمار، يسوده التآخي والتآزر بين شماله وجنوبه. 
4ـ وفي جلسة البرلمان المشهودة للتصويت على اقتراح «إعلان الاستقلال من داخل البرلمان»، أعلن حسن الطاهر زروق، نائب الجبهة المعادية للاستعمار، أن «المصير الذي نريده لبلادنا يجب أن يضع في اعتباره وحدة شعبنا وتوحيده في الكفاح من أجل التحرر، ونحن نعلم أن هناك في المديريات الجنوبية تجمعات قبلية . 
وقومية قهرها الاستعمار وخلفها في وضع متأخر بدائي ظالم. فعلينا أن نخلصهم من هذا التأخر والقهر القومي، ونعطيهم حقهم في وضع نظمهم المحلية، وتنظيم وضعهم الخاص في نطاق وحدة البلاد ومصلحتها العليا». 
5ـ في فبراير 1956م، بعد إعلان الاستقلال بشهر واحد، انعقد المؤتمر الثالث للحزب، وأجاز برنامجه «سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديمقراطية والسلم»، طارحاً «إعطاء المديريات الجنوبية الثلاث حكماً داخلياً مؤسساً على مجلس تمثيلي لكل القبائل بنسبة عددها لتنظيم شؤونها الداخلية، مع وجود تمثيل ديمقراطي لها في المجلس النيابي المركزي والحكومة المركزية، ومساعدتها.. من الخزينة العامة لتطوير.. مستوى معيشتها». 
6ـ وفي ذات الفترة، أصدرت صحيفة «الميدان» ملحق (
ADVANCE) الأسبوعي الذي تولى جوزيف قرنق تحريره بالإنجليزية لمخاطبة المتعلمين الجنوبيين. كما صدرت مجلة «الفجر الجديد» الشهرية الثقافية السياسية، لصاحب امتيازها ورئيس تحريرها عبد الخالق محجوب، حيث توالت على صفحاتها المعاناة بحثاً عن حل لمشاكل القوميات. 
ونقرأ في عددها الثاني، أكتوبر 1957م، بقلم د. عز الدين علي عامر، أن «مشكلة الجنوب مشكلة تجمعات قومية»، وهى ليست قاصرة على جنوب السودان، بل توجد أيضاً في مناطق أخرى من القطر. فواجب علينا إذن أن نضع هذا الاعتبار نصب أعيننا عند مناقشة الحلول المقترحة، حتى نستطيع أن نجابه مثيلات هذه المشاكل في المستقبل. 
. والعمل على تقدم الجنوب ثقافياً واقتصادياً في ظل نوع من الحكم يكفل لهم حكم أنفسهم، والتمتع بالمساواة الوطنية التامة، والمساواة في الحقوق والوجبات مع بقية الأقليات أو القوميات التي تعيش في السودان، وأن تستعمل لغاتها المكتوبة والمنطوقة، وأن تعمل على تطوير اقتصادياتها المحلية وعاداتها وثقافاتها وتاريخها وفنونها وآدابها. 
. والعمل على إحلال المودة محل الكراهية، والثقة المتبادلة بين مختلف الأقليات القومية للتناصر في سبيل رفعة الوطن. كما تشير المقالة إلى الاحتفاظ للجنوب بحق «تقرير المصير» في المستقبل. 
واضح من كل هذه النصوص، ولا بد، حرص الحزب على مقاربة مشكلة الجنوب على ما هي عليه، بأكثر من حرصه على التقيد «بحرفية» النصوص الماركسية، كما يبهته د. منصور! 
ـ توفى إلى رحمة مولاه في ديسمبر 2004م، بينما كتبت هذه المقالة في سبتمبر من نفس السنة. 
.. ويبقى ما ينفع الناس 
ما تقدم كان حصيلة جهدنا الفكري والسياسي المتواضع من خلال اشتباكنا مع مشكلة الجنوب ورصيفاتها من التحديات التي انطرحت أمامنا خلال فترة الحكم الذاتي الحرجة (19531956م). 
ونحاول، في ما يلي، أن نستعرض بإيجاز أيضاً، وفى لمحات سريعة، مقارباتنا لحل هذه المشكلة خلال الفترات السياسية اللاحقة: 
(1) في فترة الدكتاتورية العسكرية الأولى (1958-1964م)، وعندما تفاقمت أزمة الحل العسكري، وفرض الإسلام واللغة العربية من فوهة البندقية، بادرت صحيفة (الأيام) إلى طرح القضية لحوار وطني عام في خريف عام 1964م. 
ودعت الجنوبيين، بالأخص، للتعبير عن وجهة نظرهم. يومها أسهم عبد الخالق محجوب بمقالين ابتدرهما بالدعوة للتحرر من (عقلية الجلابة) في التعامل مع قضية الجنوب، كما أسهم جوزيف قرنق بمقاله الشهير (مأزق المثقف الجنوبي). 
(2) وفى فترة ثورة أكتوبر عام 1964م، شاركنا في اللجنة التحضيرية لمؤتمر المائدة المستديرة، ثم في المؤتمر نفسه. كما شاركنا في الاجتماعات الأولى للجنة التي انبثقت عنه بغرض دراسة وتمحيص توصياته، وتقريب وجهات النظر المتباينة. 
واستخلاص مشروع يستوعب التصورات المختلفة، وتقديم الحصيلة لمؤتمر آخر يعقد لاحقاً. لكننا اضطررنا، للأسف الشديد، لإعلان انسحابنا من تلك اللجنة، في ما بعد، حين اقتنعنا بأنه لا حكومة السودان ولا قيادة الانيانيا كانتا جادتين في التمهيد لعقد ذلك المؤتمر الآخر (انظر: صحيفة «الأيام»، 3/6/1965م). 
وعلى ذكر مؤتمر المائدة المستديرة، من حق بعض أبناء السودان علينا أن نعترف بعطائهم وإسهامهم: د. النذير دفع الله، محمد عمر بشير، عبدالرحمن عبدالله. لم تقتصر مهمتهم على الجانب الادارى الفني خلال التحضير للمؤتمر أو إدارته أو عمل اللجنة المنبثقة منه. 
حيث أشهد، شخصياً، باتساق ما كانوا يطرحون من مقترحات بديلة محايدة (لفك الاشتباك) بين وجهات نظر الأحزاب، بل وقد خامرنى شيء من اليقين بأنهم توصلوا، آنذاك، إلى تصور مكتمل لنموذج أو (موديل) للحكم الذاتي الاقليمى. 
وعلى ذكر من أسهموا في تذليل مصاعب التحضير للمؤتمر، لا بد من التنويه أيضاً بالدور المتميز الذي لعبه كل من أوناما، وزير داخلية أوغندا الأسبق، والمرحوم الأمين محمد الأمين، سفير السودان الأسبق في كمبالا. فمن النتائج الايجابية لجهودهما إقناع أقرى جادين، أحد أبرز قادة التمرد، وقتها، بحضور المؤتمر. 
وضمان تنفيذ شرطه بأن يلقى خطابه عقب خطاب الافتتاح مباشرة، حتى يتمكن من التوجه إلى المطار، فور انتهائه منه، ليقفل عائداً، على طائرة أوناما، إلى أوغندا، وكان له ما أراد. 
كان المؤتمر ساحة سياسية نشطة، تعرفنا خلالها، عن كثب، بالقيادات الجنوبية اللاجئة خارج الحدود، إضافة إلى من تعرفنا عليهم خلال ثورة أكتوبر: كلمنت امبورو، أبل ألير، بونا ملوال وغيرهم. وقد تقاربت وجهة نظرنا كثيراً مع وجهة نظر وليم دينق الذي آثر العودة للداخل فكان جزاؤه الاغتيال الغادر في أحراش الجنوب! 
وليت السيد إدريس البنا يلقى الضوء على ذلك الحادث المفجع، حيث كان مع وليم في تلك الرحلة المشؤومة، وقد رثاه بقصيدة مؤثرة كتبها بانجليزية ناصعة وقرأها علينا في سجن كوبر عام 1990م. 
(3) وفى فترة البرزخ ما بين ثورة أكتوبر عام 1964م وانقلاب 25 مايو عام 1969م، انعقد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني (أكتوبر 1967)، وواصل التقرير الرئيس المقدم للمؤتمر بعنوان (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) معاناة البحث عن حل لمشكلة الجنوب. 
ولا يغيب عن الفطنة ما ينطوى عليه هذا العنوان من مغزى وايحاء، فإن (للثورة السودانية) خصائصها الذاتية وقضاياها الموضوعية، وعلى (الماركسية) أن تتعامل معها على ما هي عليه، لا العكس! 
ورغم أن التقرير استعرض التركيبة الاجتماعية للمجتمع السوداني، وتبلور الفئات والشرائح المتعددة للرأسمالية السودانية، ووضع الطبقة العاملة السودانية، وتباين الفئات الاجتماعية في الإنتاج الزراعي والريف، إلا أنه كان واضحاً ومفصحاً في تعاطيه مع الوضع الاجتماعي في الجنوب، وذلك على النحو الآتي: 
ـ «إن جماهير شعبنا في الجنوب، كأقليات قومية، ذات مصلحة حقيقية في إنجاز الثورة الديمقراطية» (ص 136). 
ـ «الرجعية تزيف الدين، وحدة بلادنا لا يمكن أن تبنى فوق تعصب جاهل باسم الدين تختبئ من ورائه المصالح الطبقية الرجعية، ومصالح هذه الطبقات في قهر القوميات الجنوبية، وفرض دكتاتورية عليها، ومنعها من حرية الاعتقاد» (ص 165 ـ 169). 
ـ «ينمو الحزب الشيوعي في المديريات الجنوبية من خلال النضال الوطني الديمقراطي، وتنظيم كل العناصر الوطنية الديمقراطية الراغبة في التحالف مع حركة الجماهير في الشمال ضد التخلف والاستعمار الحديث. 
. في مناطق الاقتصاد التقليدي يلعب أبناء القبائل من المتعلمين والجيوب المتناثرة من عمال الخدمات.. دوراً طليعيا. هذا، وبالإضافة إلى العامل الاجتماعي، لابد من اعتبار العامل القبلي والقومي». 
أكتفي بهذا القدر من التقرير، وهو وثيقة بنت زمانها، واستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية، يوم ذاك، سلطة وطنية ديمقراطية تمهد الطريق للتحولات الاشتراكية في إطار تحالف النظام الاشتراكي وحركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية وحركة التحرر الوطني، أو كما قال: «وبما أن التقرير وثيقة زمانها، فكثير مما ورد فيه يتطلب التصحيح والمراجعة». 
ويبقي ما ينفع الناس.. يواصل ويطور ويستكمل في واقع المتغيرات الموضوعية الجديدة. لهذا نستطيع القول، وبتواضع جم، إن تعامل التقرير مع مشكلة الجنوب يظل في جوهره سليماً، بصورة عامة، بل ويمكن أن يبني عليه. 

حول البرنامج 
(4) وثمة ملمح مهم في هذا السياق، ضمن مشهد البرزخ بين ثورة أكتوبر وانقلاب مايو، هو استيعاب وتفهم الحزب الشيوعي لمدى تأثير ثورة أكتوبر التي هزت وحركت ساكن الحياة في أصقاع السودان المختلفة، ومؤازرته، من ثم، للحركات والمنظمات الإقليمية التي تشكلت تحت ذلك الظرف المحدد. لقد دافعنا عن تلك الكيانات، وعن حقها في المشاركة السياسية، ودحضنا التهم التي رمتها بالنزعات العرقية والانفصالية. 
وكان ذلك امتداداً، في الواقع، لموقفنا القديم المؤازر والداعم (لمؤتمر البجا) الذي انعقد قبيل انقلاب عبود عام 1958م. ولعل ذاكرة العديد من مناديب ذلك المؤتمر من أبناء تكوين (البجا) القومي لا تزال تحفظ صيغة البرقية التي بعث بها عبد الخالق، باسم الجبهة المعادية للاستعمار، تحية ومؤازرة للمؤتمر. 
(5) وفى فترة مايو الأولى، دشن (بيان التاسع من يونيو عام 1969م) شعار الحكم الذاتي الاقليمى للجنوب، والاعتراف بالفوارق الموضوعية، كسياسة رسمية للدولة. وأكتفى، في هذا الإطار، بوقائع اجتماع، ثم بفقرة من إسهام عبد الخالق: 
ـ أما الاجتماع فقد عقده جوزيف قرنق، وزير شئون الجنوب وقتها، مع وفد كنائس عموم أفريقيا الذي زار الخرطوم في مايو عام 1971م، أي قبل شهرين فقط من إعدام جوزيف علي يد نميري وزبانيته، وكان قد عاد لتوه من زيارتين لكينيا وجمهورية أفريقيا الوسطي، أجرى خلالهما مفاوضات مع قادة (حركة أنيانيا) لإقناعهم بالعودة للوطن. 
وحسب تيم نبلوك، في كتابه (صراع السلطة والثروة في السودان)، فقد توصل جوزيف مع وفد الكنائس الأفريقية في ذلك الاجتماع لاتفاق على أن تؤيد الحكومة إجراء اتصالات مع (حركة تحرير جنوب السودان)، بغرض التمهيد لمباحثات تجرى في أي مكان، وتستهدف التسوية السلمية. وأن يشمل التمثيل في تلك المباحثات الجماعات ذات الوزن والنفوذ في الجنوب ووسط اللاجئين. 
وأن توافق الحكومة على فترة (تبريد) لأوضاع المواجهة إلا إذا كان هناك ما يهدد الأمن. وأن تجري مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي الاقليمى في إطار السودان الواحد. وأن تتم الإجابة على السؤال عمن يرعى المباحثات في مناقشة لاحقة. 
ـ وأما إسهام عبد الخالق الفكري في هذا الاتجاه، فإن نموذجاً ساطعاً منه مشمول بفقرة من آخر وثيقة كتبها بعنوان (حول البرنامج)، وسربها من معتقله في سلاح الذخيرة بالخرطوم مطلع عام 1971م، قبل إعدامه، هو الآخر، أواخر يوليو من نفس العام، وقد جاء فيها: 
«بالنسبة للتجمعات القومية والقبلية الأكثر تخلفاً، لابد من التشجيع الفعلي للنمو الحر لثقافات هذه المجموعات. ولن يكون هناك نمو فعلى لهذه الثقافات إلا إذا بعثت لغاتها ولهجاتها. 
وعمدت الدولة الوطنية الديمقراطية بجدية إلى تشذيب تلك الأدوات، والتوسل بها في التعليم ـ وفقاً للتجارب التربوية في هذا المضمار ـ وفى النهضة الثقافية الشاملة، وأن تصبح هذه الثقافات من المكونات العضوية للثقافة السودانية». 
مرافعة منفصلة 
(6) ودعونا نقطع تدفق هذا السرد والتوثيق بالمقتطفات، كي ننتقل، ولو لبرهة وجيزة، إلى المشاهدة الحية والمشاركة الملموسة، ونطرح سؤالاً أو سؤالين على هذا الصعيد، ونحن لا نزال في حيز تفنيد (بهتان) د. منصور خالد للحزب بأنه يرجئ حل مشكلة «المناطق المهمشة» لحين «إشاعة الوعي الطبقي» بين أهلها: 
ـ في (لقاء كوكادام، أثيوبيا 1986م)، بين مندوبى تجمع الانتفاضة وبين ممثلي الحركة الشعبية، وكان فيهم د. منصور خالد نفسه صاحب بهتان «إرجاء الحزب لحل مشكلة الجنوب لحين نشر الوعي الطبقي»، فهل يا ترى سمع الدكتور، يوم ذاك، مندوب الحزب الشيوعي يترافع أو يسهم (برطانة) نشر الوعي الطبقي بين سكان الجنوب والمناطق المهمشة؟! 
ـ وفى (مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، إريتريا 1995م)، والذي عقده التجمع الوطني الديمقراطي، وشارك فيه الدكتور صاحب البهتان العظيم، واعتمد فيه (حق تقرير المصير) لسكان الجنوب، واستشارة أو استطلاع رأى ورغبات مواطني جبال النوبة ومنطقة الفونج وأبيى، هل يستطيع الدكتور أن يشهد، على اليمين، بأن مندوب الحزب الشيوعي اشترط، للموافقة على تلك الصيغة، الانطلاق من «تحليل ماركسي مسلم به ومفترض بداهة»؟! 
(7) وفى انتظار رد الدكتور على السؤالين، إن أسعفته الشجاعة الأدبية، نعود للوثائق، حيث لم يكتف الحزب الشيوعي بالحيثيات والمسوغات، فحسب، التي أسس عليها التجمع قراره حول (تقرير المصير)، بل أسس، فوق ذلك كله، مرافعته المنفصلة في وثيقتين مخصوصتين، صدرتا ووزعتا في الداخل والخارج، الأولى بتاريخ أبريل 1994، بعنوان: 
(موقف الحزب الشيوعي السوداني من شعار حق تقرير المصير)، والثانية بتاريخ أبريل 1996م، بعنوان: (الصراع السياسي حول تقرير المصير). 
ورغم موقفنا المستقل هذا فقد تابعنا أيضاً، وباهتمام مستحق، مرافعات أخرى قد تتفق وقد لا تتفق معنا، ولكنها تتسم، على أية حال، وهذا هو المهم، بالاستنارة اللازمة للاشتباك مع هذه القضية. 
من ذلك ما ظل يطرحه محجوب محمد صالح، مثلاً، بإسهاب وتوثيق، حول تفاقم المشكلة في أطوارها المختلفة، علاوة على تصوره الخاص لممارسة (حق تقرير المصير) باختيار نمط الحكم والإدارة، (شريطة) أن يتم ذلك، من زاوية نظره، داخل إطار الدولة السودانية الواحدة. 
كما اطلعنا على المعالجة التي احتفينا بحصافتها، سياسياً ودستورياً، والتي تفضل محمد إبراهيم خليل بطرحها من خارج الوطن، حول (تقرير المصير المقيد)، والآخر (المطلق)، وفق القانون الدولي ومواثيق هيئة الأمم. 
أما السياسي الجنوبي بونا ملوال، والذي لا أجد صفة تناسبه سوى الكلمة الإنجليزية ,
maverick أو ما يمكن تعريبه في عاميتنا بكلمة (المشاتر ـ بكسر الميم)، فتبقى له حجته التي ساقها في مقالاته بصحيفة الرأي العام، خلال الفترة الماضية، بقوله: «لو وافق الشماليون علي الفدريشن.. الخ»! 
له تحياتي على البعد، وسوف نلتقي ونواصل الحوار، وكالعادة سوف يحتفظ كل منا بموقفه إلى حين (عشرة) الحوار التالي (بفتح العين والشين)، وليكن موضوعها: 
«لو وافق النواب الجنوبيون على اقتراح الجبهة المعادية للاستعمار في 27/9/1955م (لانتزاع الاعتراف بحق الجنوب في الحكم الذاتي من الحكومة والأحزاب وهيئات العاملين)، بدلاً من الاكتفاء أو، بالا حرى، الاستكانة (للوعد) بالفدريشن في الغرف المغلقة.. الخ»!
الحزب الأكبر في المنطقة خرافة ولسنا «عراب» اليسار
لا نعتبر ما أوردنا حتى الآن سوى عرض مختصر لإسهاماتنا المتواضعة، في إطار الحركة الوطنية، بحثاً عن حل لمشكلة الجنوب التي تقاصرت عنها فسيحات الخطى منذ فترة الحكم الذاتي الحرجة. ولا بأس من تكرار ما سبق أن أكدنا: (استرشدنا) في عملنا (بالماركسية) كمنهج؟! 
نعم.. بل وبما راكمت أحزابها وحركاتها من تجارب وأرصدة سياسية، حالفها النجاح في حالات، وأحبطها الفشل في أكثر من حالة. أما أن نكون قد (رهنا) حل المشكلة باشاعة (الوعي الطبقي) طبقاً (لمسلمة نظرية مفترضة بداهة).. فذاك (بهتان) فظ، و(زلة) لا تليق بمفكر بحاثة في قامة أخينا منصور خالد! 
لقد عرف د. منصور شخصيات سياسية ماركسية في قامة حسن الطاهر زروق وعز الدين علي عامر وجوزيف قرنق وعبدالخالق محجوب، «فهل تستسيغ عقولهم، دع عنك مزاجهم الثقافي وتذوقهم الإبداعي، التعامل مع صيغة تحليل ماركسي مسلم به ومفترض بداهة»؟! 
أنها، في الحقيقة، ماركسية رثة، متهافتة ومبتذلة تلك التي يحاول د. منصور، عبثاً، ولحاجة في نفس يعقوب، أن ينسبها لحزبنا. ماركسية الكبسولات والوصفات الجاهزة، المريحة للذهن الكسول، والأقرب إلى اللُُن ٌّفٌّف مًفُّ ماركسية التعالي على الواقع الذي لا يكشف مكنون أسراره لمن يتعالى عليه. وهي تصادم، أول ما تصادم، منهج الماركسية نفسها، وجوهرها القابل للتفاعل مع معطيات العلم وتجربة البشر. 
ولتقريب المسألة أكثر، وإنزالها من علياء التجريد النظري لتبيئتها وسط ضوضاء الواقع وأوشابه، فإن المواطن الجنوبي، بل حتى السياسي الجنوبي اليميني، الذي يدلي بصوته لصالح الوحدة في الاستفتاء على (تقرير المصير)، سوف يكون أقرب إلى فكري ووجداني وهويتي الوطنية من الجنوبي اليساري (الماركسي) الذي يدلي بصوته لصالح الانفصال في الاستفتاء ذاته! 
ومع ذلك، وعلى الرغم منه، فكل من يتعامل بشكل موضوعي مع مجتمع الجنوب، من مدخل ماركسي، أو غير ماركسي، أو حتى من موقع العداء للماركسية، لابد له من التعامل مع بعض الوقائع الموضوعية، وفي مقدمتها انه مجتمع مثخن بجراح الحرب، وفاقدها البشري، وجراح الروح الفائرة، النازفة، وان أشواقه للسلام تفوق كل شوق آخر، وانه يتطلع لتحقيق ذاته الوطنية في دولة حكم ذاتي إقليمي (فدرالية، كنفدرالية، انفصالية). 
لكنه سوف يواجه، من بعد، سداد الفواتير الأفريقية لمطلوبات وتكلفة البناء الوطني، ودور الحافز المعنوي في استنهاض أبناء وبنات وشيوخ الجنوب لإعادة ترميم وتشييد وطنهم، وما من حافز أشد مضاءً من استقامة القادة ونظافة جيوبهم قبل أياديهم! 
خسائر الحرب المروعة لم تصب مجتمع الجنوب بالعقم أو التفسخ أو انفراط العقد، بل ظلت رابطة القبيلة والعشيرة متماسكة وفاعلة حتى في مناطق النزوح ومواقع الهجرة لما وراء الصحاري والبحار. كما وان القبائل الجنوبية أفرزت من صلبها الخصيب فئات اجتماعية حديثة: طلبة، موظفين، مهنيين، عمالاً مهرة وحرفيين وجنوداً وضباطاً في شتى القوات النظامية، من الجيش إلى حرس الصيد والمطافيء. 
ومثلما شمت القبيلة بميسمها الفئات الباكرة للعمال في الشمال (السكة الحديد والنقل النهري نموذجاً)، تركت قبيلة النوير، مثلاً، بصمتها على عمال البناء والتشييد في كل مدن السودان. 
وأصبحت متتالية صيحاتهم الجماعية إعلاناً صادحاً عن يوم صب خلطة (الخرسانة) على شبكة سيخ (القريد بيم) والسقف، وأصبح اسم (النوير) يطلق حتى على عمال البناء من القبائل الأخرى (اضطر أبناء «النوير» في العاصمة للابتعاد، خلال الفترة الماضية، عن مواقع البناء والتشييد، خوفاً من «الكشات» التي تنظمها قوات فاولينو ماتيب الموالية للحكومة، لتجنيدهم قسراً. 
بحجة «أداء الخدمة الإلزامية»، وإرسالهم إلى معسكراته في أعالي النيل، لتعويض فاقد قواته التي أرسلها لدعم «الجنجويد» في دارفور) وقد رفع شيوخ عشائر النوير بالعاصمة عريضة لرئيس الجمهورية طالبين حماية أبنائهم من تلك (الكشات). 
وبعد.. هل من عاقل، ماركسي أم غير ماركسي، يمكن أن يطلب من أهل الجنوب أو أي منطقة أخرى مهمشة أن يؤجلوا حل مشاكلهم هذه إلى ما بعد اكتمال نشر الوعي الطبقي أو الفئوي وسطهم؟! 

مرت الأيام 
انتقل، بعد هذا، إلى البهتان الثاني، وأركانه حسب د. منصور: إن دعوة رسمية وجهت من الحركة الشعبية إلى الحزب الشيوعي للمشاركة في منتدى فكري. وان الحزب اختار عدم الاشتراك مخافة أن يعتبر الآخرون ذلك المنتدى تكتلاً يسارياً، ومظنة أن تلحق بالحزب تهمة الطابور الخامس للحركة الشعبية! 
«كبير الجمل»، كما في المثل الشعبي، يا دكتور? فالحكم أو الخصم السياسي الذي يرغمنا على تغيير جلدنا وخيارنا لم تتشكك النطفة في رحم أمه بعد.. تلك واحدة. أما الثانية فقد طالتنا (تهمة الطابور الخامس للحركة) قبل وبعد ندوة أميو، ودونك صحف الجبهة الإسلامية القومية منذ ظهورها عقب انتفاضة ابريل عام 1985 وحتى انقلابها في 30 يونيو عام 1989. 
ولست بحاجة لشد انتباهك للفبركة التي جرت في تلك الفترة من خلال ملابسات اعتقال المهندس الكهربائي الشيوعي صالح الخير في منطقة الدمازين، والذي قررت المحكمة براءته رغم كل (الضجة الكبرى) التي أثيرت بالباطل حول نشاطه (التخريبي) لصالح الحركة الشعبية! 
وبعد.. فعندما بادرنا ورحبنا بإعلان ميلاد (الحركة الشعبية لتحرير السودان)، واخترقنا الحدود واتصلنا بها، لم يكن حافزناً أو دافعنا إلى ذلك أنها ماركسية، أو إن ميلادها تم في أرض دولة أعلنت ماركسيتها. كان دافعنا، ولايزال، إعلانها أنها مع وحدة السودان، وان حل مشكلة الجنوب رهين بحل مشاكل السودان. 
فالماركسية، بحد ذاتها، ليست (تعويذة وحدة) يا دكتور، وإلا كيف تفسر اختلاف الماركسيين داخل أحزابهم؟! ولماذا اختلف الحزبان الشيوعيان السوفييتي والصيني كل ذلك الاختلاف؟! ولماذا اندلع القتال بين أذربيجان وأرمينيا حول مقاطعة ناغورنو كراباخ، بينما الجمهوريتان تحت قيادة حزبين شيوعيين؟!
(مرت الأيام)، واستدارت السياسة السودانية لممارسة هوايتها في الحركات الاكروباتية! تبدلت مواقف الذين وصفونا أمس (بالطابور الخامس)، ووصفوا رئيس الحركة (بالشيوعي المتمرد)، فقد وقع (المؤتمر الشعبي)المنشق بقيادة حسن الترابي مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية نفسها بقيادة الشيوعي المتمرد نفسه. 
وعاد رئيس المؤتمر الوطني الحاكم عمر البشير من المقابلة الأولى والأخيرة مع جون قرنق في نيروبي ليعلن انه اكتشف، فجأة، إن (الشيوعي المتمرد) وحدوي! 
ومع ذلك نتعامل مع الموقفين بموضوعية، باعتبارهما خطوتين، وان جاءتا متأخرتين، نحو إنهاء الاحتراب، وإرساء دعائم السلام، وإفساح مساحة إضافية لخيار الوحدة في الشمال وفي الجنوب، وتوفير سانحة جديدة كي يفلت السودان من لعنة (أرشيف الهياكل العظمية) في كمبوديا، و(صالة عرض الجماجم) في رواندا! 
لسنا «عراب» اليسار! 
أما الشق الآخر من البهتان، فيما يتصل (باليسار)، فمسألة تخص حزبنا وتجاربه وخبراته طوال فترة الستينات، وتحديداً بعد انقلاب مايو وافرازاته الكارثية، فقد عكفنا على إخضاع مجمل تلك التجارب والخبرات لتقويم ناقد، بما في ذلك الشعارات الرنانة عن (وحدة القوى التقدمية)، و(وحدة القوى الاشتراكية)، و(الدفاع عن الأنظمة الوطنية التقدمية)، ونموذج (الاتحاد الاشتراكي) في مصر، وفي قلبه (الحزب الطليعي)، و(الجبهة القومية التقدمية) في سوريا والعراق. 
و(المدارس الاشتراكية الأفريقية)، ومشاريع نكروما في غانا، وسيكوتوري في غينيا، و(المعلم) نايريري في تنزانيا، و(منبر الفكر الاشتراكي) في جامعة دار السلام، الذي تأثر به شباب (أنيانيا ون) وكان لهم صوتهم الناقد والناقم طوال سنوات اتفاقية أديس أبابا العشر. 
من الاستنتاجات التي خلصنا إليها، منذ النصف الأول لسبعينيات القرن الماضي، القطيعة النهائية مع الانقلابات العسكرية والفكر الانقلابي، ومبررات ومسوغات نمط الحزب الواحد، كما توصلنا إلى قناعة راسخة بأن القضايا المصيرية التي تواجه شعب السودان تتطلب أوسع تحالف سياسي متاح: 
أحزاب سياسية، كيانات إقليمية، أقليات قومية، نقابات عمالية، اتحادات مهنية، اتحادات مزارعين، تنظيمات طلاب وشباب ونساء وصحافيين ومبدعين وشخصيات وطنية مستقلة، الخ. 
وطرحنا تصورنا هذا في بيان سياسي للجماهير بعنوان (الديمقراطية مفتاح الحل ـ جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن، أغسطس 1977)، ودعمناه بوثيقة صادرة عن (دورة اللجنة المركزية، ديسمبر 1978). 
أفرزت تجربة المجتمع السوداني، وقواه النقابية والسياسية، صيغة (التجمع النقابي) ثم (التجمع الوطني)، ولايزال (التجمع) هو الصيغة الأجدى والأكثر فاعلية إذ وفق في توسيع هياكله، وإضفاء المزيد من المرونة عليها، بوصفه تحالفاً (ماهلاً) مرناً، وليس تنظيماً مركزياً قابضاً! 
لذلك لن نعود للأشكال الهلامية لحقبة الستينات مهما كانت تصورات د. منصور، وعلى الرغم ما قد يرى فيها من نجاحات وخبرات، فخلط الألوان أوردها، في المحصلة النهائية، موارد باهظة التكلفة، بل موارد الهلاك! 
ولكن لابد لنا، مع ذلك، من التنبيه بالصوت العالي إلى إننا لسنا (عراب) اليسار، ولا نحتكر موقعه في المجتمع أو التاريخ، ولن نمل دحض ونسف أسطورة وخرافة (أكبر حزب شيوعي في أفريقيا والمنطقة العربية)، فتلك فرية نعرف مصدرها. 
ومنطلقاتها، ونعلم، علم اليقين، إن من افتروها إما قوى دولية أو إقليمية يهمها زرع حالة مستمرة من (الفزع) والإحساس بالحاجة الدائمة للعون الخارجي لدى أنظمة بعينها في السودان وفي الجوار، أو إنهم هم أنفسهم من ظلوا يكيلون الضربات للحزب الشيوعي، ثم يتوهمون القضاء عليه، فيسارعون، المرة تلو المرة، لتقديم الفواتير (لمن يهمه الأمر)! 
تلك، على أية حال، قناعاتنا وتصوراتنا التي راكمناها من فوق عقود بأكملها من الخبرات الممهورة بعزيز التضحة، وزكي الدم، وقسوة المعاناة في البحث والتنقيب، وبسالات الآلاف من الرجال والنساء، فهل كان د. منصور يتوقع منا أن نبدلها، ببساطة، لمجرد إن دعوة ما وصلتنا من الحركة الشعبية، مع أكيد احترامنا لها وله؟! 
بالصوت والصورة! 
قبل أن نستفيق من عناء (مذاكرة) وثائق مشاكوس ونيفاشا، انقضت علينا صاعقة دارفور من سماء حسبها الواهمون صافية، على الرغم صيحات التحذير التي قاربت الانذار النبوءة (يا ساري الجبل)، أو غضبة ذلك الشاعر الذي محض قومه النصح بمنعرج اللوى فلم يستبينوه إلا ضحى الغد، حتى ذاع وشاع مصطلح دارفور الشيطاني.. (الجنجويد)، بكل ألسنة برج بابل، وبالصوت والصورة معاً! 
ومعذرة إن استخدمت كلمة (وثائق) بدلاً من (بروتوكولات)، فالأخيرة استقرت في ذاكرتنا بكل ما هو سالب: (بروتوكولات آل صهيون)، أو (بروتوكول صدقي ـ بيفن) الذي مهره الأول، رئيس وزراء مصر، مع الثاني، وزير خارجية بريطانيا، ثم ما لبث أن انطلق يلوح به للرأي العام المصري. 
وهو يصيح مبتهجاً: «جئتكم بالسيادة على السودان»! أما (قسم البروتوكول) في القصر بعد الاستقلال فقد أوسعه الكاتب الصحافي المرحوم علي حامد تشنيعاً وسخرية، حتى تم تعديله، لاحقاً، إلى (قسم المراسم)! 
ختاماً لك التحية، يا دكتور منصور، على جهدك المثابر في الحوار والتوثيق، ببلاغتك اللغوية المنتقاة، طريق الاستنارة والتنوير محفوف بتلاقح الأفكار أو تصادمها المفضيين، في ما نؤمل، إلى معرفة أفضل. 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )