نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية

من عصر "رأس المال إلى عصر "العولمة "

طبعة ثالثة منقحة ومزيدة

 فجر الرأسمالية:

كان فجر الرأسمالية الذي انبثق مع بداية الثورة الصناعية (1750 – 1850) مليئاً بالبؤس والشقاء من جراء الاستغلال البشع الذي كان يعاني منه العمال والنساء والأطفال، كانت مستويات المعيشة متدهورة، والأجور منخفضة وشبح البطالة يهدد العاملين، والأزمات الدورية للرأسمالية (أزمات فيض الإنتاج - إغلاق المصانع – تشريد العاملين) تحدث هزات قوية في المجتمع، ومن الجانب الآخر كانت الزراعة الرأسمالية تقتلع الفلاحين من أراضيهم وتحولهم إلى أجراء (بروليتاريين) لا يملكون غير قوة عملهم، ويندفعون صوب المدن بحثاً عن عمل يسد الرمق.

 ( انقر للتنزيل نسخة PDF نسخة DOC )

 وعند هذه النقطة الحرجة بدأ النقد للرأسمالية يبرز ذلك النقد الذي ابتدره الاشتراكيون الخياليون (الطوباويون) الذين صوروا مآسي المجتمع الرأسمالي، وكما اوضح ذلك التصوير الناقد للمجتمع الرأسمالي في روايات ذلك العصر مثل روايات شارلس ديكنز( مثل: ديفيد كوبر فيلد)، وفيكتور هوجو (البؤساء) وغير ذلك من الروايات التي صورت واقع المجتمعات في تلك الفترة المليئة بالبؤس والشقاء من فجر الرأسمالية.

انطلق ماركس من نقد الاشتراكيين الطوباويين للمجتمع الرأسمالي الذي يتسم بعدم العدالة، وتركز الثروة في يد القلة وسيادة القانون الأساسي للرأسمالية: تحقيق أكبر قدر من الأرباح على حساب العاملين.

ورغم تبدل الأحوال والمتغيرات التي حدثت في التشكيلة الرأسمالية، إلا ان الاستغلال الرأسمالي ظل مستمراً وأصبح متعدياً من استغلال العاملين إلى استغلال ونهب شعوب بأكملها وطالما ظل المجتمع الرأسمالي بكل تناقضاته ومآسيه فان مشروعية النقد تظل قائمة وهذا النقد حاول ماركس ان يؤسس له بطريقة منهجية وعلمية في مؤلفه (رأس المال).

 

مساهمة ماركس:

كتب ماركس في مقدمة الطبعة الأولى لمؤلفه (رأس المال): :أنني انظر إلى تطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية كعملية تاريخية طبيعية وهدف مؤلفي النهائي هو اكتشاف القانون الاقتصادي لحركة المجتمع المعاصر".

يواصل ماركس ويقول: "المجتمع المعاصر ليس بلورة صلبة بل كيان عضوي قادر على التحول وهو يتحول بصورة دائمة". وهـذا ما أكـدته الأحــداث

فيما بعد في التحولات المختلفة التي مرت بها التشكيلة الرأسمالية.

كان صدور المجلد الأول من كتاب رأس المال المؤلف من أربعة مجلدات حدثاً مدوياً في نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية. في ذلك المجلد درس ماركس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إنجلترا التي كانت أكثر البلدان الرأسمالية تطوراً في عصره كما استند على الاستنتاجات العلمية التي خرج بها الكلاسيكيون في الاقتصاد السياسي البرجوازي مثل: آدم سميث، ريكاردو، وليم بيتي وغيرهم وأعاد النظر فيها بشكل انتقادي.

علي سبيل المثال: درس آدم سميث ودفيد ريكاردو النظام الاقتصادي، فسجلا بداية نظرية القيمة – العمل، وواصل ماركس عملهما، فأعطي هذه النظرية أساسا علميا خالصا وطورها بصورة منسجمة الي النهاية، وبين ان قيمة كل بضاعة مشروطة بوقت العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج هذه البضاعة، وحيث كان الاقتصاديون البورجوازيون يرون العلاقات بين الاشياء(مبادلة بضاعة ببضاعة أخري)، اكتشف ماركس العلاقات بين الناس، ان تبادل البضائع يعبر عن الصلة القائمة بواسطة السوق، بين المنتجين المنفردين، والمال(النقد) يعني أن هذه الصلة تزداد وثوقا، جامعة في كل واحد لا يتجزأ كل الحياة الاقتصادية للمنتجين المنفردين وراس المال يعني تطور هذه الصلة، فان قوة عمل الانسان تغدو بضاعة. فالأجير يبيع قوة عمله لمالك الأرض أو لصاحب المصنع وادوات الانتاج، والعامل يستخدم قسما من يوم العمل لتغطية نفقات اعالته واعالة اسرته(الأجرة)، ويستخدم القسم الآخر للعمل مجانا، خالقا للرأسمالي فائض القيمة(القيمة الزائدة)، التي هي مصدر الثراء للطبقة الرأسمالية.      ولذا جاء عمل ماركس الرئيسي يحمل عنواناً فرعياً هو [نقد الاقتصاد السياسي] وكانت فكرة ماركس الأساسية هي انه لا يمكن التوصل إلى استنتاجات علمية إلا عن طريق تحليل الواقع الاجتماعي والممارسة العملية.

وكانت ثمرة دراسة ماركس العينية للمجتمع الرأسمالي في إنجلترا، كما أشرنا سابقا، هو اكتشاف نظرية فائض القيمة التي شكلت حجر الزاوية لنظرية ماركس الاقتصادية. ولقد فسرت نظرية فائض القيمة الاستغلال الرأسمالي في المجتمع يومئذ والتي تقوم على استحواذ الرأسماليين على العمل غير مدفوع الأجر حيث قسم ماركس يوم العمل إلى قسمين:

  1. ساعات مدفوعة الأجر.
  2. ساعات غير مدفوعة الأجر.

وتكون ما يؤول للرأسماليين من أرباح أساساً من الساعات غير مدفوعة الأجر. علي سبيل المثال اذا كان هناك عامل يعمل في اليوم 12 ساعة وكان اجره يعادل عمل ست ساعات، فان الاجر الناتج من الست ساعات الباقية يشكل فائض القيمة والذي يعود للرأسمالي.

 ان نظرية فائض القيمة(القيمة الزائدة)  تشكل حجر الزاوية في نظرية ماركس الاقتصادية، ان رأس المال الذي يخلقه عمل العامل يلقي بثقله علي العامل، ويخرب صغار ارباب العمل، ويزيد من جيش العاطلين عن العمل، وان تغلب رأس المال علي الانتاج الصغير يؤدي الي زيادة انتاجية العمل والي خلق وضع احتكاري في صالح مجموعة من الرأسماليين الكبار، وتزداد صفة الانتاج الاجتماعية برزوا يوما بعد يوم: مئات الالاف والملايين من العمال يجمعون في مؤسسة اقتصادية متناسقة، بين حفنة من الرأسماليين تمتلك نتاج العمل المشترك وتشتد فوضي الانتاج والأزمات(كما هو الحال في الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة)، والركود المجنون وراء الأسواق، وعدم ضمان العيش للغالبية العظمي من السكان. وان النظام الرأسمالي يزيد من تبعية العمال لرأس المال ويخلق في الوقت نفسه قدرة العمل الموحد الكبيرة. ولقد تتبع ماركس في مؤلفه (رأس المال) تطور الرأسمالية منذ عناصر الاقتصاد البضاعي الأولية، التبادل البسيط حتي أشكالها العليا، الانتاج الكبير.  

وبطبيعة الحال كان مؤلف ماركس محكوماً بتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والبيولوجية في القرن التاسع عشر.

وكانت نقطة الانطلاق لدراسة المجتمع الرأسمالي كما حددها ماركس في المجلد الأول هي السلعة باعتبارها الخلية الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، نلاحظ هنا انه استفاد من مفهوم الخلية الذي تم اكتشافه في علم الأحياء باعتبارها أساس الكائنات الحية.

كما أشار ماركس إلى قانون القيمة الذي هو قانون الحركة الخاص بالإنتاج السلعي الرأسمالي وان بذور كافة تناقضات الرأسمالية تكمن في القيمة، كما نلاحظ ان ماركس استفاد من اكتشاف دارون لقانون تطور الكائنات العضوية في بلورة اكتشافه لقانون تطور المجتمع البشري، باعتباره كيان عضوي قادر على التحول، وهو يتحول بصورة دائمة.

كما نلاحظ استفادته من علم التفاضل والتكامل ويتضح ذلك من استخدامه لمصطلحات ذلك العلم مثل (الثابت والمتغير)، (معدلات التغير).

 

علي ان فكرة رأس المال تطورت كعملية ولم تتم دفعة واحدة ويمكن تلخيص تطورها على النحو التالي:

          توصل ماركس وانجلز (في البيان الشيوعي – 1848) إلى ان الاشتراكية نتيجة حتمية لتطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي، ما البرهان العلمي؟

          في مؤلف ماركس (مقدمة لنقد الاقتصاد السياسي) إشارة إلى ضرورة دراسة العلاقات الاقتصادية للمجتمع المعاصر، فالعلاقة الحقوقية وكذلك أشكال الدولة كما يقول ماركس لا يمكن ان يتم فهمها من خلال نفسها ولا من خلال ما يسمى التطور العام للفكر الإنساني بل هي تكمن في العلاقات الاجتماعية المادية وبنية المجتمع المدني.

          في مؤلف (الأيدلوجيا الألمانية) صاغ ماركس وانجلز المفهوم المادي للتاريخ والذي يعتبر الأساس المنهجي للاقتصاد السياسي الماركسي.

          وفي كتاب (بؤس الفلسفة) لماركس صاغ فيه مفاهيم حول العمل المأجور والرأسمال كما صاغ نظرية القيمة أو قانون القيمة ووضع بعض عناصر نظرية فائض القيمة. وبعد ذلك قام ماركس بدراسة الاقتصاد السياسي البرجوازي دراسة ناقدة وقدر إيجابياً منجزاته العلمية وفي الوقت نفسه نقد محدوديته الطبقية والأساس المعرفي والفلسفي، كما نقد منهجية البحث الميتافيزيقية التي كانت تحكمهم، كما استخدم في طريقته للبحث المنهج المادي الديالكتيكي في دراسة الاقتصاد السياسي والتوصل إلى نظرية فائض القيمة في مؤلفه (الرأسمال).

 

مرحلة الإمبريالية ومساهمة لينين:

كانت صورة المجتمع في نهاية القرن التاسع عشر تحددها المنافسة الحرة وفي عام 1902م ظهر كتاب (هوبسن) (الامبريالية) الذي تناول حدود مرحلة التبادل وبداية مرحلة الحماية الامبريالية. كما أشار الاقتصادي هيلفردينك في مؤلفه(رأس المال المالي) الي الجوانب الاتية:

-           اندماج الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في الرأسمال المالي، الذي شكل العامل المساعد لتكون الكارتلات والتروستات.

-           استراتيجية تطور الكارتلات والتروستات (المؤسسات متعددة الجنسية) فيما يخص معدل الربح والخسارة للانخفاض والسيطرة علي الأسعار.

-           آثار الكارتلات والتروستات علي تحول بنية نمط الانتاج الرأسمالي في المرحلة الاحتكارية.

 

استند لينين إلى الأبحاث السابقة لنظرية الإمبريالية وأشار إلى سمات الإمبريالية الخمس في مؤلفه ( الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية – 1916) وهي:

  1. دخول الرأسمالية مرحلة الإمبريالية التي أصبحت صورة المجتمع منذ ذلك الحين لا تحددها المنافسة الحرة، كما كان الحال في عهد ما قبل الاحتكارات.
  2. أشار لينين إلى انه رغم المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية المهمة في ظل الرأسمالية، فان هذه المتغيرات لم تؤد إلى نشوء مجتمع جديد، إذ انها تمت في داخل الرأسمالية وسيطرة الاحتكارات والكارتلات والسنديكات والكونشرتات والتروستات، وهي عبارة عن أشكال جديدة لتجلى علاقات الإنتاج الرأسمالية، ومازالت تعمل كالسابق قوانين حركة أسلوب الإنتاج الرأسمالي الأساسي، قانون فائض القيمة.
  3. ان اتساع سلطة الاحتكارات في الاقتصاد والسياسة استتبع تغيرات مهمة في الأشكال الملموسة لفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية في الرأسمالية، والاحتكارات الإمبريالية خلافا ًلمؤسسات ما قبل المرحلة الاحتكارية لا تحقق الربح المتوسط، بل تستأثر بفعل وضعها المهيمن بالربح الاحتكاري وهذا يعتبر من حيث الجوهر قيمة زائدة شأن الربح المتوسط. ولكن الشكل الذي يتجلى فيه يختلف.
  4. تستأثر الاحتكارات بالربح نتيجة استغلال العاملين في مؤسساتها ولكن أيضاً هناك جزء من القيمة تعتصره عن طريق الأسعار الاحتكارية من العمال غير العاملين في هذه المؤسسات ومن سائر الفئات والطبقات وخاصة المستعمرات.

وهكذا أوضح لينين ان تطور الإمبريالية الاقتصادي يتحدد أيضاً في نهاية المطاف بفعل قوانين الرأسمالية التي اكتشفها ماركس.

  1. كان لينين يرى ان تكوين المؤسسات متعددة الجنسيات هي النتيجة الطبيعية لتصدير رأس المال، إلا ان لهذه النتيجة آثار جديدة على الصعيد العالمي يقول لينين في مؤلفه (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية): "يبين لنا عصر الرأسمالية الحديثة نشوء علاقات معينة من المجاميع الرأسمالية تستند إلى التقسيم الاقتصادي للعالم، كما يقوم بشكل مواز وكنتيجة طبيعية لذلك بين المجاميع السياسية بين الدول علاقات تستند إلى اقتسام مناطق العالم وذلك ضمن صراعها حول المستعمرات والصراع حول المناطق الاقتصادية".

وكان نقاش المفكرين الماركسيين لظاهرة الامبريالية خصبا  ومتنوعا فها هي روزا لوكسمبورغ في مؤلفها (تراكم رأس المال) تحدد طبيعة وآليات الإمبريالية على النحو التالي:

-           طبيعة الإمبريالية تتلخص في التناقض بين خلق وتحقيق الناتج الاجتماعي بشكل عام وفائض القيمة بشكل خاص.

-           الآليات تتناول تصدير رأس المال الذي يضم عملية التخصص والتبادل غير المتكافئ على الصعيد العالمي.

أما بوخارين في مؤلفه (الاقتصاد العالمي والإمبريالية – 1915) فيتناول ثلاث نقاط تتعلق بآليات وآثار الإمبريالية وليس بطبيعتها.

  1. معنى التقسيم الدولي للعمل.
  2. قانون التطور غير المتكافئ بين الدول الفقيرة والدول الغنية.
  3. تصدير رأس المال لكونه خلق لشبكة استغلالية.

كما شدد بوخارين على الآتي:

  1. التقسيم الدولي للعمل هو ليس نتيجة للحيازة الطبيعية لعوامل الإنتاج وإنما هو نتاج عدم تكافؤ تطور قوى الإنتاج بسبب قانون التطور غير المتكافئ منظوراً إليه من زاوية اختلاف تطور الزراعة والصناعة.
  2. يصبح قانون التطور غير المتكافئ بين الصناعة على الصعيد الوطني هو قانون التطور على الصعيد العالمي.
  3. يقبل بوخارين بان تصدير رأس المال هو دعامة لإيجاد شبكة عالمية للتبادل وهو بذلك لا يقف بوجه تصدير البضائع بل بالعكس يقوم بخدمتها.

وهكذا كانت المناقشات النظرية حول الإمبريالية غنية وثرة، وكان النتاج النظري متسعاً في الفكر الماركسي ولا سيما في الفترة (1890 – 1917) حول موضوع الإمبريالية، ولكن منذ عام 1930 سادت فترة الجمود والركود في الفكر الماركسي فلم يتم سوى تكرار النظرية اللينينية فقط حول الإمبريالية  في الاحزاب الشيوعية التي كانت حاكمة وخارج الحكم.

 ولكن كانت هناك مساهمات جديدة تناولت الظواهر الجديدة بذهن مفتوح مثل اعمال بول باران وسويزي وسمير امين وكريستيان باولو وأرجيري عمانويل وغيرهم(انظر علي سبيل المثال سمير امين:(  التراكم علي الصعيد العالمي ،دار ابن خلدون 1978م) ، بول باران وسويزي: (الرأسمالية الاحتكارية، 1968م)، ارجيري عمانويل: (التبادل المتكافئ 1969م)

 

متغيرات في التشكيلة الرأسمالية:

منذ مؤلف لينين (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) حدثت متغيرات في التشكيلة الرأسمالية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

-           تتسم الرأسمالية المعاصرة بتطور القوى الإنتاجية (الثورة العلمية التقنية) وبعلاقات إنتاج جديدة للتبادل والتوزيع وتدويل عملية الإنتاج تحت تأثير تصدير رأس المال.

-           اتجاه بعض بلدان العالم الثالث للتخصص في الإنتاج التقليدي (بما في ذلك أدوات الإنتاج) أما المركز فيحتفظ لنفسه بالنشاطات الأكثر عصرية (الإنتاج الآلي، الإلكترون، غزو الفضاء، الذرة …الخ) كما ان الثورة العلمية التقنية تؤدي إلى إلغاء الأشكال التقليدية للتراكم. وبما ان الأشكال التقليدية للتراكم تتطلب تركيباً عضوياً منخفضاً لرأس المال، فان البلدان المتخلفة ستتخصص في الإنتاج التقليدي الذي يتطلب عملاً بسيطاً بما في ذلك الإنتاج الصناعي التقليدي ( معامل جديدة، ومعامل كيميائية).

-           نشوء الإمبراطوريات المالية الدولية (الرأسمال المالي الدولي) التي تضمن اتحاد الرأسمال الصناعي الدولي المنتج (المؤسسات الصناعية المتعددة الجنسيات مع قوة الرأسمال المصرفي الدولي ، المؤسسة المصرفية المتعددة الجنسيات (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي).

-           اندماج مجالات الإنتاج والتداول في مركز موحد للقرارات، أي تحت سيطرة رأس المال.

-           تطور مستوى الخلق والتداول وتحليل المعلومات المتعلقة بالمكونات العديدة للمؤسسة التي تتم  بالارتباط مع ظهور القوى الإنتاجية الجديدة (الإلكترون، تنقية الإعلام، الطيران، الاتصالات البعيدة، الراديو، والموبايل، الإنترنت، .. الخ)

وكذلك تحول شكل العمليات الإنتاجية نفسها (الأتمتة) والاستخدام المتطور للكيمياء…

-           انحسار دور الطبقات الرأسمالية في عملية اتخاذ القرارات والتقديرات للمستقبل، ويتم الانحسار مع نشوء وتفوق قوى العمل المثقفة (ذوي الياقات البيضاء والذهنية) المنتجة للمعارف التي يتم الاستحواذ عليها من قبل رأس المال، وهذه القوى تتعرض للاستغلال الرأسمالي وتدخل ضمن نسيج قوى الثقافة والعمل التي تنتج فائض قيمة بشكل مباشر أو غير مباشر.

إبراز التحولات في الهيكل الإنتاجي عن الصناعات التقليدية التي شكلت أساس الثورة الصناعية في الماضي مثل: صناعة الغزل والنسيج والملابس والاطارات والحديد الخام والالمونيوم والاسمنت وتكرير البترول والأسمدة وتسييل الغاز الي غزيرة التكنولوجيا كثيفة رأس المال مثل صناعة  الالكترونيات

والحاسبات الآلية والطاقة الذرية والآلات الدقيقة المدارة ببرامج الحاسب الآلي، والصواريخ ومنتجات الكيمياء العضوية أو الهندسة الوراثية والمعدات الحربية بفروعها المختلفة ومعدات الفضاء ومنتجات الهندسة الكهربائية والطاقة.

-           برزت الصناعة التحويلية لتأخذ مركز الصدارة ولكن ليس بمفهومها القديم  الذي يهتم بالمعادن الثقيلة الحديدية وغير الحديدية، بل انتقلت إلى مجال المعادن الخفيفة اللازمة لفروع الصناعة والأقل تكلفة والأكثر جودة، وصناعة السبائك الجديدة المكتشفة حديثاً بأساليب علمية.

-           كما تعمقت أزمة الرأسمالية المعاصرة مثل: البطالة، الأشكال الجديدة لنهب بلدان العالم وأزمة الدين العالمي، والتهميش وتعمق التناقض بين قوى الإنتاج الضخمة التي أطلقتها الثورة العلمية وعلاقات تزايد التفاوت في توزيع الثروة، إضافة لسيادة الاتجاه الريعي للدخول وسيادة النشاط الطفيلي.

 

العولمة:

دخلت الرأسمالية فترة جديدة من فترات تطورها، هي إمبريالية العولمة التي ليس هدفها فقط الاستيلاء على أراضي وإقامة مستعمرات، بل السيطرة على اقتصاد العالم ككل في كل مكان وطيلة الوقت.

وعلى سبيل المثال أصبحت الولايات المتحدة قوة كونية مسيطرة على العالم (روما الحديثة) على حد تعبير الاقتصادي بول سويزي، وهي تخوض صراعاً للحفاظ على مكانتها وحتى توسيعها، كالقوة الأولى عسكرياً واقتصاديا وسياسياً في العالم، وتنفق ثلث مجموع ما ينفق العالم على التسليح، وهي أهم بائع سلاح في العالم.

تحمل العولمة في جوفها كل سمات وتناقضات الرأسمالية وأزمتها، وبشكل أوسع وأعمق مما كانت عليه في السابق علي سبيل المثال: يزداد تركز الثروة وتتسع الفروق بين البشر والدول اتساعاً لا مثيل له، وتشير الإحصاءات إلى ان 358 ملياردير في العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، وان هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية (أنظر مؤلف فخ العولمة: للكاتبين- هانس بيترمارين، هارالد شومان – الكويت1998 ص 11).

كما تشير الإحصاءات إلي أن 95% من ثروات وموارد العالم الاقتصادية مركزة في يد أقل من15% من سكان العالم.

وهذا التفاوت القائم بين الدول يواز يه تفاوت داخل كل دولة حيث تستأثر قلة

من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية، في حين تعيش أغلبية السكان على الهامش – مثال في أمريكا 1% من السكان يملكون 40% من الثروة وفي بلد متخلف كالسودان 95% من السكان يعيشون تحت خط الفقر ، 10%  من السكان يستحوذ على 60% من ثروة البلاد.

-           ترسم العولمة لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية واقتلاع كل مكتسبات الطبقة العاملة والفئات الوسطى، وزيادة البطالة وانخفاض الأجور، وتدهور مستويات الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وإطلاق آليات السوق، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط والاقتصاد وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين.

-           ويشير مؤلفا "فخ العولمة": (إلى انه في القرن الحادي والعشرين سيكون هناك فقط  20% من السكان الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام، أما النسبة الباقية 80% فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة، الذين لم يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير).

-           إذا أخذنا التقسيمات التي تقوم عليها العولمة نلاحظ إنها كالآتي: تزيد قيمة التجارة الدولية على 11.5 مليار جنيه استرليني يومياً، تشترك البلدان الأشد فقراً في جزء صغير منها لا يزيد عن  04,% ويسيطر رأس المال الأمريكي والتابع لبقية الثماني الكبار على 70% في أسواق العالم.

-       تخسر البلدان الفقيرة 1.3 مليار جنيه استرليني يومياً في التجارة بسبب القوانين التي تطالب برفع حواجز التعريفات وانهاء الدعم في البلدان الفقيرة بينما يجري تجاهل الحمائية في الغرب.

-      منظمة التجارة العالمية تحولت إلى حكومة عالمية يديرها الأغنياء - واشنطن بالدرجة الأولى – وعلى الرغم من ان عدد اعضاءها يبلغ 142 بلداً، إلا ان سياستها ترسم من قبل 21 بلداً فقط. النواة المكونة من أمريكا، كندا، اليابان.

-     عولمة الفقر هي الاسم الحقيقي لتحرير التجارة.

(انظر القصة الحقيقية وراء حرب أمريكا- الأيام 16/6/2003م).

مثال آخر: بعد 11 سبتمبر 2001 كانت حرب افغانستان دافعها البترول، فالولايات المتحدة تبحث عن مصادر بترولية رئيسية أخرى بسبب عدم الاستقرار في منطقة الخليج الفارسي.

*قيمة البترول المتوفر في منطقة بحر قزوين يقدر بنحو أربعة تريليون دولار. ولكن بترول منطقة قزوين المحصور براً بين روسيا وإيران وجمهوريات سوفيتية سابقة يشكل تحديات هائلة بالنسبة لعملية النقل، وتحتل أفغانستان موقعاً استراتيجياً بالقرب من بحر قزوين، وكذلك حرب العراق في مارس، أبريل 2003 هدفها النفط إذ يبلغ حجم احتياطي النفط العراقي المكتشف نحو 112 مليار برميل، ويمتلك العراق أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية.

العولمة بمعني سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي على نطاق العالم أو سيادة قيم وثقافة الرأسمالية على نطاق العالم، ليست ظاهرة جديدة، فقد بدأ منذ انتصار الثورة الصناعية الأولى التي غزت منتجاتها شعوب المستعمرات، ولكن الجديد تصاعد وتائرها بعد ثورة المعلومات والاتصالات حتى أصبح العالم قرية، وسعي الرأسمالية عن طريق الشركات متعددة الجنسية لسيادة قيمها وثقافتها في مختلف بلدان العالم، وظهرت نظريات جديدة مثل: نظرية فوكوياما عن ( نهاية التاريخ) بعد انهيار التجربة الاشتراكية وسيادة الرأسمالية على نطاق عالمي.

القوة الدافعة للعولمة:

أصبحت الشركات متعددة الجنسية محور العولمة والقوة الدافعة لها وعلى سبيل المثال:

-           الدول الرأسمالية الخمس الكبرى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، ألمانيا، فرنسا) تهيمن على 90% من المؤسسات الكبرى في كوكبنا.

-           أصبحت للشركات متعددة الجنسيات سمات سيادية: أجهزة أمن خــاصة  بها ..الخ

-           يتزايد تصدير رأس المال متصاعداً مرات عديدة مع تطور العولمة الاقتصادية (وأصبح اليوم لا شيء قادر على التنقل بالسرعة التي يتنقل بها رأس المال، فمن ناحية توجه الاستثمارات الدولية تدفق التجارة ومن ناحية أخرى تحدد المليارات المتنقلة بسرعة الضوء، أسعار الصرف الأجنبي ، وكذلك القوة الشرائية للبلد المعني ولعملتها إزاء باقي العالم) – [فخ العولمة- ص 205].

-           بناء على إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) وهناك ما يقرب من أربعين ألف شركة تمتلك مصانع فيما يزيد على ثلاث دول، ووصلت قيمة مبيعات المائة الكبرى منها ما يقرب من (1.4) بليون دولار في العام الواحد، وتهيمن الشركات العابرة للقارات على ثلثي التجارة العالمية، وينجز ما يقرب من هذه التجارة في داخل شبكة المصانع التي تعود ملكيتها إلى الشركة الأم. (فخ العولمة – ص 206).

فترة جديدة للإمبريالية:

مع العولمة دخل العالم مرحلة جديدة للإمبريالية وصفها العالم الماركسي استفان ميساروس في بحثه الأخير عن أبعاد التطورات الجارية في القرن الحادي والعشرون قرن الاشتراكية أم البربرية؟

(إننا دخلنا المرحلة الأخطر للإمبريالية في التاريخ كله، فالمطلوب الآن ليس السيطرة على جزء من العالم مهما كبر حجمه من الكرة الأرضية، إنما القضية هي السيطرة على الكرة الأرضية بأسرها من قبل الدولة الأعظم اقتصادياً وعسكرياً بكافة الوسائل التي في متناول يدها، حتى تلك الوسائل الغاية في التسلط، بما في ذلك الأساليب العتيقة ان اقتضى الأمر).(مقدمة في الشأن الإمبراطوري الأيام 19/5/2003).

أما روجيه غار ودي فقد وصف العولمة:

(بأنها مشروع إمبريالي لتشويه وإزالة الثقافة والإيمان لدى مختلف الشعوب حتى يفرض عليهم علاوة على أسلحة ودولارات الولايات المتحدة الأمريكية اللا ثقافة واللا معنى التي يتحلى بها دين لا بجرؤ على التصريح باسمه إلا وهو دين وحدانية السوق).

روجيه غارودي: (كيف نصنع المستقبل؟ ، دار الشروق القاهرة  مارس 2002)

**********

                        الأزمة الاقتصادية الراهنة ونقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية

   كما أشرنا سابقا ان الازمات الدورية كامنة في النظام الرأسمالي منذ نشأته، وقد مر هذا النظام بأزمات كثيرة سابقة أهمها: ازمة عامي 1907م، وازمة 1929م، والتي تعتبر من اكبر الأزمات التي مرت بها الرأسمالية، فأزمة 1907م، كانت اول ازمة كبيرة بعد تحول الرأسمالية من مرحلة المنافسة الحرة الي مرحلة الاحتكارات والتي ازداد فيها التنافس بين الدول الرأسمالية الكبرى من اجل السيطرة علي موارد المستعمرات والبحث عن اسواق جديدة، وكان من نتائج هذه الأزمة وغيرها الحرب العالمية الأولي التي نشبت عام 1914م ووضعت اوزارها عام 1918م، وكان من نتائج هذه الحرب تغييرات سياسية كبيرة في العالم، مثل اندلاع الثورة الروسية عام 1917م ونهوض ثورات حركات التحرر الوطني في بلدان المستعمرات وخلق وعي تحرري عارم وسط الشعوب، امتد اثره الي السودان حيث اندلعت ثورة 1924. أما ازمة 1929م فقد كان من نتائجها صعود النظم الفاشية والنازية في ايطاليا والمانيا ونشوب الحرب العالمية الثانية والتي وضعت اوزارها عام 1945م، ونتجت عنها متغيرات كبيرة مثل ظهور المعسكر الاشتراكي في بلدان شرق اوروبا، ونهوض حركات التحرر الوطني في بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية حيث نالت اغلب المستعمرات استقلالها بعد كفاح مسلح وسلمي حسب ظروف كل بلد، كما ظهرت حركة عدم الانحياز بعد ظهور الحرب الباردة.

 هذا ومن المتوقع ان تحدث الأزمة الاقتصادية الراهنة تغييرات كبيرة في الاوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم، وهذه التحولات سوف تنتج من حدة الاستقطاب الطبقي، والتنافس بين اقطاب الدول الرأسمالية.

 والواقع أن الازمة الحالية كانت نتاج لتراكم كمي من الأزمات الصغيرة كان يلاحظها الاقتصاديون في الاقتصاد الامريكي باعتباره من اكبر الاقتصادات في العالم، فقبل الأزمة كانت حوالي 700 شركة قد اعلنت افلاسها ، كما كان الاقتصاديون يلاحظون ان ازمة الديون العائلية قد ارتفعت من 680 مليار دولار عام 1974م الي 14 تريليون دولار. وفي عام 1990م كانت الديون الوطنية في امريكا تصل 3 ترليون دولار، حاليا وصلت الي 19  تريليون دولار في يناير 2016م. كما اتسع حجم القطاع المالي حيث كانت 30% من ارباح الشركات المدرجة علي مؤشر ستاندرد آندبورز 500 العام الماضي حققتها مؤسسات مالية. كما كان الاقتصاديون يلاحظون ان جملة المال في اسواق التداول العالمية تصل الي ثلاثة تريليون دولار، اي اكثر بكثير من حصيلة التجارة العالمية في عام بكامله، واكثر بكثير من مخزون المصارف العام بأسره، وان ذلك مضاربة خارج المراقبة سوف تؤدي الي عواقب وخيمة، وبالفعل وقعت المصيبة بانفجار الأزمة المالية الراهنة.

كما تضخم الاستهلاك في امريكا: علي سبيل المثال: المستهلكون الامريكيون ينفقون 800 مليار دولار اكثر مما ينتجون كل عام. كما امتدت آثار الأزمة لبقية البلدان بحكم ترابط وتشابك الاقتصاد في عصر العولمة.

هذ ويقف العالم الآن علي شفا جرف هار من جراء: التهديد النووي، الجوع والامراض في بلدان العالم الثالث، التهديد البيئي (دفن النفايات النووية واتساع ثقب الاوزون..الخ)، مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية، اضافة لأزمة البطالة(بلغت في الدول الرأسمالية المتطورة اكثر من اربعين مليون عاطل عن العمل، وفي الدول الاشتراكية السابقة دفعت عودة الرأسمالية اكثر من 37 مليون الي البطالة اضافة الي انهيار ذريع في اجور العاملين الفعلية ومستوي معيشتهم اضافة لمصادرة الحريات.

 اما في العالم الثالث فتشير الاحصائيات الي أن اكثر من 800 مليون انسان يعانون من الجوع والبؤس، و16 مليون طفل يموتون كل عام من الجوع أو من أمراض غير قابلة للشفاء. هذا اضافة للنمو السرطاني للفساد المرتبط بالإفراط في تداول المال واقتصاد السوق.

 ومن خلال نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية والتقويم الناقد للتجارب الاشتراكية الماضية تستعيد الحركات الجماهيرية الثقة في البديل الاشتراكي القائم علي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن الاشتراكية تتخلق في احشاء الرأسمالية، وسوف تخرج بعد مخاض طويل باعتبارها ضرورة تاريخية لحل تناقضات ومآسي الرأسمالية، وبالتالي فان الاشتراكية اصبحت ضرورة من اجل بقاء وازدهار البشرية.