حل أزمة السودان يتمثل في دولة مدنية (2-3)

محمد ابراهيم نقد

في السرد التوثيقي اعلاه فقرتان محوريتان هما:

  • «.. من هنا ايضا شرط اقرار حقيقة ان الدين يشكل مكوناً من مكونات فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ او تستصغر دور الدين في حياة الفرد، وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والاخلاقية وثقافته وحضارته».
  • «.. على خلفية هذا الواقع الموضوعي وتأسيساً عليه تستند الديمقراطية السياسية السودانية في علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي، والتي تشكل في الوقت نفسه فهمنا لمعنى العلمانية، فمصطلح النظام المدني أقرب لواقعنا من مصطلح النظام العلماني ذي الدلالات الاكثر ارتباطاً بالتجربة الاوروبية».

هكذا اكتمل تصورنا لمفهوم الدولة المدنية ومحتواه من خلال الجهد الجماعي المشترك للحركة السياسية السودانية، ومعاناتها للانعتاق من الاستقطاب العقيم المغلق «دولة دينية ـ دولة علمانية». وكانت اللحظات الفارقة في ذلك الجهد مؤتمر لندن فبراير 1992م، واعلان نيروبي ابريل 1993م، ومؤتمر القضايا المصيرية ـ اسمرا يونيو 1995م.

ويمكن تلخيص وطرح العناصر والمكونات الاساسية لهذا التصور على النحو التالي:

  • لسنا ملزمين بنماذج العلمانية في انجلترا او اميركا او فرنسا، او نموذج العلمانية من فوهة البندقية في تركيا، انما نتعامل معها من حيث التعامل مع تجارب شعوب العالم، فضلا عن ان الترجمة العربية لمصطلح العلمانية ملتبسة: (بفتح العين) غيرها (بكسرها).
  • نركز في طرحنا لتصورنا على اسبقية الديمقراطية، وتأكيد أن العلمانية ليست بالضرورة ديمقراطية، مثال دولة ستالين، موسوليني، بيونشيه.. الخ.
  • ـ نركز على تجربة الدولة السودانية ونماذجها الدينية او التي اقحم عليها الدين: ـ الدولة المهدية وليدة ثورة وطنية استعادت للسودان سيادته لكن مذهبية التدين، اقصت طرقا صوفية مؤثرة وقبائل ذات شوكة بسبب عدم اقتناعها بمهدية المهدي من منطلق فقهي محض وعن حمية قبلية ان تخضع لكيان قبلي اخر، دون ان تكون تلك الطرق وهاتك القبائل موالية للتركية ابتداء.

تجربة مايو الامامية وقوانين سبتمبر والقطع والبتر والصلب والتشهير واسلمة النظام المصرفي لأثراء الفئات الطفيلية ونسف الوحدة الوطنية والسلام المستعاد بعد حرب دامت 18 عاما بخرق اتفاقية اديس ابابا والتجريم والتكفير فيما اجاز فيه الشرع الاجتهاد كإعدام محمود محمد طه.

  • تجربة الانقاذ وويلاتها الماثلة.

لا نتخذ من قضية الجنوب تكأة او ذريعة رغم الاهمية الحاسمة لوحدة الوطن واستعادة السلام فالدولة العلمانية الفيدرالية او الكونفدرالية في الجنوب كحل مفاضلة للوحدة مع دولة دينية في الشمال، ليست ضمانة للديمقراطية في الجنوب بدليل دول افريقيا المجاورة وجامع الديكتاتورية العلمانية في كل تواصل طرحنا للدولة المدنية حتى لو انتصر اتفاق فرانكفورت في الجنوب.

محصلة تجارب الحركة السياسية السودانية منذ الاستقلال اثبتت وبأغلى التضحيات والزمن المهدر استحالة ان يفرض اتجاه فكري او سياسي واحد تصوره للدستور حتى لو توفرت له الاغلبية البرلمانية، امام معادلة الفارق القومي والاثني والديني او توفرت له السطوة العسكرية الشمولية (راجع مضابط لجنة الدستور الاولى 1957م واللجنة الثانية 1968م، ودستور نظام مايو لسنة 1973م ودستور نظام الانقاذ لسنة 1998م).

  • لقد شهد السودان حالتين استثنائيتين الاولى دستور ستاتلي بيكر للحكم الذاتي والأجماع الوطني حوله كامتداد للأجماع الوطني حول الاستقلال من داخل البرلمان والثانية في ثورة اكتوبر والاجماع الوطني حول تعديل ذلك الدستور.
  • اما تجربة الانتفاضة 1985م فقد شائبتها سلبيات تدخل المجلس العسكري الانتقالي والتفافه على ميثاق الانتفاضة الذي نص على دستور 56 المعدل 64 بتعيين لجنة لوضع دستور انتقالي انتقاها من حزبي الامة والاتحادي اضافة للقضاء العسكري كما انتقى لها ميرغني النصري من التجمع النقابي وتحايل على اختيار ممثل للجبهة الاسلامية بان اختار حافظ الشيخ الزاكي من مكتب النائب العام وكان الهدف من كل ذلك التحاليل هو ضمان النص على الشريعة في الدستور وفق تصورات الجبهة الاسلامية القومية واول ما يفصح عن (النوايا المبيتة) الاهمال المتعمد لتمثيل الجنوب في تلك اللجنة التي مارست مهامها بعيدا عن الرأي العام حتى اجيز الدستور الانتقالي في القصر بحضور المجلس العسكري ومجلس الوزراء، ثم ادخلت الجمعية التأسيسية، في وقت لاحق، تعديلات على ذلك الدستور الانتقالي، قبل ان يطيح به انقلاب الجبهة الاسلامية القومية في الثلاثين من يونيو 1989 ـ عينت حكومة الانقلاب «الانقاذ» لجنة قومية لوضع دستور دائم للبلاد، انجزت اللجنة مهمتها وسلمت المشروع للقصر، ولكنه خرج منه على سحنة غير التي دخلها بها، وقد اجازه المجلس الوطني لاحقا بهذه السحنة.

اعد التجمع الوطني مشروعه لدستور الفترة الانتقالية في حالة انتصاره واقصاء الانقاذ ريثما تقوم بمقتضاه هيئة تشريعية لوضع الدستور الدائم (وثائق، مؤتمر لندن، فبراير 1992).

اعلنت الانقاذ استعدادها، في حالة نجاح مساعي حل الازمة الوطنية بالتفاوض، لإدخال تعديلات على دستورها دون مساس بالثوابت، وافق حزب الامة على ذلك، واقترح العمل بمسودة دستور الانقاذ التي اقرتها اللجنة القومية مع ادخال بعض التعديلات.

اقترح التجمع الوطني وضع دستور تتفق عليه الاطراف التفاوضية، فلا هو بالدستور الانتقالي للتجمع ولا هو بالدستور الدائم للإنقاذ.

طرحت المبادرة المصرية الليبية المشتركة، من جانبها، تصورها او مقترحاتها للفترة الانتقالية ولإجراء تعديلات على دستور الانقاذ.

هكذا نستطيع ان نرى بوضوح كيف ان قضية الدستور مازالت في قلب قضايا الصراع السياسي الاجتماعي حول حاضر ومستقبل السودان، وستظل حتى حل القضايا المصيرية، والاتفاق على الدستور الذي يقننها، لهذا علينا ان نواصل ونطور قدراتنا السياسية والفكرية في قضايا الدستور، وان نحرص على العطاء المسهم في الاجماع الوطني حول اساسيات الدستور، وكسر حاجز الاستقطاب المطلق، العقيم، والانطلاق الى فضاءات الحوار الحر، والقواسم المشتركة.

التربية والأخلاق والقوة ثم القانون نزيد تصورنا للدولة المدنية وضوحا، وكذلك ما يميزها من العلمانية المنبثقة عن عصر الاصلاح الديني اللوثري وعصر التنوير في غرب أوروبا. إنها، مثلا، لا تصادر او تمانع تدريس مادة الدين في مناهج التعليم، مع مشروعية الاختلاف حول المنهج كيلا يتحول الى امتداد لبرنامج حزب سياسي بعينه، الجبهة الاسلامية مثلا.

الدولة المدنية لا تتخذ موقف اللامبالاة تجاه مظاهر التفسخ والانحلال في المجتمع، ولا تسمح بأن يتحول المجتمع الى خمارة أو ماخور، أو أن ينحدر الشباب الى مهاوى الضياع. لكن اداتها لضمان ذلك ليس قانون ومحاكم وشرطة النظام العام، حسب النهج الذي يتبعه حاليا نظام الانقاذ، وانما واعز التربية ا السياسية والثقافية، واعز الدين والاخلاق ومثال القدوة الحسنة في الأسرة والمجتمع، ثم من بعد ذلك، وليس قبله بأي حال، واعز القانون وعقوباته.

لسنا ملزمين، ولا حتى مهتمين بالانشغال بالدفاع عن مجتمعات العلمانية الغربية، لكن بعض الحجج التي يسوقها دعاة الهوس الديني والتطرف والدولة الدينية، تتمادى في تشويه الواقع وانكار الحقائق. مثال ذلك الادعاء العريض حول طرد الدين من الحياة والمجتمع في الغرب، مع انهم يعلمون ان ملكة بريطانيا تحتل منصب رأس الكنيسة، مما كثر اجتراره في معرض التدليل على خطل ذلك الترويج الشائه، ويعلمون قوة ونفوذ اللوبي الكنسي في الولايات المتحدة الاميركية وصوته الراجح في انتخابات الرئاسة والكونغرس وقد نشرت مجلة نيوزويك نتاج المسح الذي جرى عام 1991م لمستوى التدين في اميركا حيث 42% من البالغين ينتمون الى كنيسة و42% يؤدون صلاة الاحد في الكنيسة، اما الاحزاب السياسية الاوروبية ذات الطابع الديني ـ مثل الديمقراطي المسيحي في ايطاليا أو المانيا ـ فقد شاركت في وضع الدستور العلماني الديمقراطي والتزمت به، وبما يتفرع عنه من تشريع في الممارسة كما يعلمون ان فرنسا بكل زخم ثورتها 1789م فصلت الدولة عن الكنيسة ثم تبنت دولتها الكنيسة حتى نالت لقب طفل الكاثوليكية المدلل، ولم يصدر تشريع الفصل إلا في العقد الاول من القرن العشرين عام 1905 بعد اكثر من قرن على الثورة، وفي المقابل لم تعترف الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية بوثيقة حقوق الانسان والمواطن الصادرة عن الثورة الفرنسية إلا في عام 1966م اي بعد 168 عاماً.

فصل الدولة عن الكنيسة لا يعني اقصاءها عن المجتمع أو مصادرة دورها الروحي، لكن مناخ الديمقراطية اجبر الكنيسة ان تحد من غلوائها وتتصالح مع التاريخ، وتصحح بعض احكامها الجائرة، مثال لذلك ان الكنيسة قد راجعت، في عام 1920م ادانتها لجان دارك في القرن السادس عشر بالهرطقة والسحر، بل وعمدتها قديسة بعد 500 سنة، كما راجع الفاتيكان، في عام 1992، ادانته للعالم غالليلو غاليليه، وذلك على ضوء تأويل او تفسير معاصر للكتاب المقدس، اقراراً بالحقيقة العلمية القائلة بأن الارض تدور حول الشمس، كذلك اصدرت الكنيسة الكاثوليكية في فبراير عام 2000م اعتذاراً عن حرق محاكم التفتيش للعالم جوردانو برونو، وربما كان من المناسب الاشارة، ضمن هذا السياق، الى ان قائد الحركة الاسلامية التونسية راشد الغنوشي كان قد اقترح في منتصف تسعينيات القرن الماضي رد الاعتبار للفكر المعتزلي ورواده، مما يعد فكرة جديدة في الفكر السني الاشعري باطنه بالتعديلات الملحقة بمتنه، ولكن ما تراكم من تجارب وما تبعها من تطور يتجدد في الدساتير المتعاقبة يشكل رصيداً لا يستهان به، ولعل التعامل معه افضل من الازدراء العدمي، دعاة التعصب والاقصاء يهابون الحوار، ولان ديدنهم الاملاء ويسارعون لسد منافذ تجديد الفكر مهمتنا فتح منافذ الحوار لهزيمة التعصب في حلبة الصراع الفكري.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).