الحزب الشيوعي السوداني

الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية

جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن.

دورة اللجنة المركزية

أغسطس 1977م

تقديم

(انقر هنا للتنزيل نسخة PDF  نسخة DOC )

  * هذه الوثيقة التاريخية التي نقدم لها بعنوان( الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية – جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن) هي من أعمال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي  في دورتها المنعقدة في أغسطس 1977م. وجاءت الدورة بعد المصالحة الوطنية بين ديكتاتورية مايو وأحزاب الجبهة الوطنية (الأمة ، الأخوان المسلمين- جماعة الترابي، والاتحادي الديمقراطي- الميرغني)، والتي بموجبها شاركت في حكومة مايو ومؤسساتها الحزبية والتشريعية(الاتحاد الاشتراكي ومجالس الشعب ..الخ).

  * تناولت الوثيقة القضايا التالية: الفترة الجديدة بعد المصالحة باعتبارها فترة سياسية في أزمة النظام، والعوامل الداخلية والخارجية التي عجلت باتفاقية الصلح، والظروف الموضوعية غير المواتية التي تقف عقبات في وجه المصالحة، والمصالحة وأزمة القوات المسلحة، والمصالحة والموقف من الحزب الشيوعي ، وموقف الحزب الشيوعي من تطورات الأحداث، كما طرحت الوثيقة شعار :الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية وجبهة للديمقراطية ووحدة الوطن، وفي الختام نبهت الوثيقة الي اليقظة  ضد مؤامرات السلطة.

 * ركزت الوثيقة بعمق علي موقف الحزب الشيوعي المبدئي من قضية الديمقراطية في اطارها النظري والفلسفي واستنادا الي تجربة الحزب منذ تأسيسه في النضال من أجل الحقوق والحريات الديمقراطية، وما توصل اليه المؤتمر الرابع حولها.

  أشارت الوثيقة الي أن ( الحزب الشيوعي السوداني لايطرح مبدأ الديمقراطية لمكاسب تكتيكية مؤقتة ، فهو في نضاله من اجل بناء نظام وطني ديمقراطي يفتح الطريق للانتقال الي الاشتراكية ينطلق أولا وأخيرا من تجربة الحياة السياسية في السودان بتقاليدها ومنجزاتها وعثراتها ، وتطابق تلك التجربة مع المنطلق النظري والفلسفي الذي يهتدي به الحزب الشيوعي ، وهو ان النضال من اجل الاشتراكية مستحيل بدون النضال من أجل الديمقراطية ، ولهذا صاغ في برنامجه المجاز في المؤتمر الرابع  عام 1967م هذا المبدأ بقوله( قيادة الحزب الماركسي للنظام الاشتراكي لايعني وجوب نظام الحزب الواحد ، فعلي الصورة التي تصل بها الجماهير الي السلطة ومدي اتساع الدوائر الاجتماعية التي تقتنع بالنضال من أجل الاشتراكية، فان طرق الاشتراكية  تتعدد وتتنوع ومنظماتها السياسية تتنوع..)).

  وكان ذلك وضوحا نظريا ساطعا ومهما حول قضية الديمقراطية في تاريخ الحزب قبل أكثر من 3. عاما.

  *وصدرت وثائق المؤتمر الخامس التي اكدت وطورت تلك النقاط المضيئة حول قضية الديمقراطية ، وجاء الفصل الأول من برنامج الحزب المجاز في المؤتمر الخامس ليؤكد مواقف الحزب المبدئية من الديمقراطية، وأن استقرار الديمقراطية في السودان رهين بالانعتاق من اسار النهج الانقلابي للوصول الي السلطة، كما أشار الفصل الأول الي الوحدة من خلال التنوع والديمقراطية التعددية وضرورة الاصلاح الديمقراطي في جهاز الدولة والمجتمع، والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، والسودان جمهورية برلمانية اتحادية، والسلطة الوطنية الديمقراطية التي تأتي بالنضال الجماهيري وبالوسائل الديمقراطية عبر آلياتها المعروفة.

 * واخيرا يأتي نشر هذه الوثيقة في اطار توصيات المؤتمر الخامس باعادة نشر وثائق الحزب التي تشكل معالم بارزة في تاريخه، وهذه الوثيقة فعلا من الوثائق المهمة في تاريح الحزب، فهي تنعش ذاكرة الأجيال القديمة، وتوضح للاجيال الجديدة كيف شق الحزب طريقه بالظفر والناب في معالجة قضية الديمقراطية بعد تجارب مريرة عانت منها البلاد من نهج الانقلابات العسكرية، وأن أزمة الديمقراطية يجب أن تحل بالمزيد من الديمقراطية، كما ان وحدة البلاد والتنمية والحل الشامل للمسألة القومية في السودان رهين بالديمقراطية.

                                                                                              يناير 2.11م        

 

فترة سياسية جديدة في أزمة النظام

       بإعلان فتح باب التفاوض للصلح بين السلطة وقيادة أحزاب الجبهة الوطنية تحت شعار المصالحة الوطنية، تدخل بلادنا فترة سياسية جديدة، في إطار أزمة النظام القائم، تؤذن بميلاد تحالف سياسي بين قوى التنمية الرأسمالية، لتحقيق الأهداف التالية:-

إنقاذ سلطة مايو من العزلة والفشل، بعد أن ثبت عجزها لثماني سنوات متصلة في أن تستقر وتكسب ثقة الشعب.

توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، بتوحيد الفئات الرأسمالية القديمة والحديثة، وإعادة تنظيم أجهزة السلطة وهياكلها بما يخدم مصالحها مجتمعه، ويحمي طريق التطور الرأسمالي.

خلق الاستقرار السياسي الذي تشترطه دوائر الاستعمار الحديث والسعودية ودول البترول والإحتكارات المتعددة الجنسيات، لحماية استثماراتها وقروضها، فوق الضمانات التي وفرتها لها قوانين الإستثمار في الصناعة والزراعة والخدمات.


 

المحافظة على نمط الجمهورية الرئاسية ونمط الحزب الواحد، مع تعديلات في القوانين والدستور تسمح بحرية حركة عناصر الجبهة الوطنية في إطار التنظيم السياسي الواحد، بعد حل كيانها.

ضمان فعالية دور السودان في الصراع الدولي في المنطقة، وفق أهداف محور الرياض القاهرة وعلاقته بالولايات المتحدة، ودول السوق الأوربية المشتركة لتمهيد الجو السياسي فرض التسوية الإستسلامية لأزمة الشرق الأوسط وقضية فلسطين، وضرب مواقع الثورة العربية. إعادة النظر في الدستور ليصبح دستوراً إسلامياً.

لنترك جانباً التصريحات من أطراف التفاوض، وتفاصيل ردود الفعل، ندخل في جوهر القضية:

إمكانية المصالحة بين قيادة السلطة وقيادة الجبهة الوطنية، ليست وليدة مفاوضات ومحادثات بدأت في مطلع العام الحالي، وتوجت بلقاء رئيس الجبهة ورأس الدولة، في 26/6/77 في بورتسودان. جذور الإمكانية كامنة في الطبيعة الطبقية للسلطة وما أفرزته من فئات رأسمالية جديدة صعدت من صفوف البرجوازية الصغيرة-البروقراطية العسكرية، المدنية، التكنقراط، المجمعات الطفيلية- وف يما تمثل الجبهة الوطنية من كيان سياسي أوسع للرأسمالية السودانية بفئاتها الواسعة- كالتجار- ومجموعات شبه الإقطاع القبلي والطائفي التي انتقلت بثروتها ونفوذها لميادين النشاط الرأسمالي.

هذا ما ظلت ترصده اللجنة المركزية لحزبنا في دوراتها المتعاقبة منذ ردة 22 يوليو 71. ففي أول صفحات وثيقة دورة يوليو 1972م جاء ما يلي:-

"نظام ردة 22 يوليو هو تجسيد للإنتصار الكامل لمصالح وأهداف واردة، قوى اليمين والثورة المضادة في السودان والمنطقة المحيطة به، في صراعها السياسي والإجتماعي والاقتصادي والفكري ضد قوى الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية- انتصار لمنهج وبرنامج طريق التنمية الرأسمالية وخضوعها هذا ما ظلت ترصده اللجنة المركزية لحزبنا في دوراتها المتعاقبة منذ ردة 22 يوليو 71. ففي أول صفحات وثيقة دورة يوليو 1972م جاء ما يلي:-

 

"نظام ردة 22 يوليو هو تجسيد للإنتصار الكامل لمصالح وأهداف واردة، قوى اليمين والثورة المضادة في السودان والمنطقة المحيطة به، في صراعها السياسي والإجتماعي والاقتصادي والفكري ضد قوى الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية- انتصار لمنهج وبرنامج طريق التنمية الرأسمالية وخضوعها لسيطرة وتمويل ودفع الاستعمار الحديث، ومصادرة الديمقراطية، وسياسة العداء للشيوعية، وإستغلال الدين، واستخدام العنف بشقيه- عنف القانون والعنف الدموي- لقهر وتصفية الحركة الثورية، وتوثيق التحالف مع الأنظمة والدوائر الرجعية في المنطقة وعلى النطاق العالمي، والسير في طريق العداء للاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية وحركة التحرر الوطني.

وفي ص9 و1. من الوثيقة: "ليس هناك تناقض أساسي بين السلطة ونظامها وكل دوائر التنمية الرأسمالية في البلاد. ففي الميدان الاقتصادي قدمت السلطة أفضل ما يمكن توفيره من شروط للتنمية الرأسمالية، سواء لرأس المال الأجنبي أو المحلي..... وبقليل من التعديلات والتغيرات الثانوية في الوجوه والمناصب، والاستعانة بكوادر أكثر كفاءة، يمكن التوصل لإتفاق شامل...."

وعالجت دورة يناير 1974م موقف المعارضة اليمينية، ممثلة في الجبهة الوطنية، وبإسهاب أشارت في ص4 من تقريرها إلى:-

"المعارضة اليمينية تهدف إلى تغيير محدود من أعلى، ينحصر في إزالة قمة السلطة –نميري وزمرته- والصعود إليها بديلا عنه، مع المحافظة على الأركان الأساسية للنظام الإجتماعي"

وفي ص9 و1. من الوثيقة: "ليس هناك تناقض أساسي بين السلطة ونظامها وكل دوائر التنمية الرأسمالية في البلاد. ففي الميدان الاقتصادي قدمت السلطة أفضل ما يمكن توفيره من شروط للتنمية الرأسمالية، سواء لرأس المال الأجنبي أو المحلي..... وبقليل من التعديلات والتغيرات الثانوية في الوجوه والمناصب، والاستعانة بكوادر أكثر كفاءة، يمكن التوصل لإتفاق شامل...."

وعالجت دورة يناير 1974م موقف المعارضة اليمينية، ممثلة في الجبهة الوطنية، وبإسهاب أشارت في ص4 من تقريرها إلى:-

"المعارضة اليمينية تهدف إلى تغيير محدود من أعلى، ينحصر في إزالة قمة السلطة –نميري وزمرته- والصعود إليها بديلا عنه، مع المحافظة على الأركان الأساسية للنظام الإجتماعي"

وأشارت الدورة في ص1. إلى احتمال الصلح بين السلطة والمعارضة اليمينية فقالت: "وقد تفرض دوائر الاستعمار والرجعية العربية والأفريقية صيغة مصالحة بين دوائر اليمين في الحكومة وقسم من المعارضة اليمينية كجزء من عمليات التسوية في المنطقة العربية...."

وأكدت دورة يناير ما سبق وأشارت إليه دورتا يوليو 72 ومايو 73، من أن الجبهة الوطنية لا تطرح برنامجا مختلفا عن برنامج السلطة، وأن بياناتها مواثيقها: تتفادى الحديث عن القضايا الأساسية لتطور البلاد وجوهر أزمتها –أي قضايا التطور الاجتماعي- وهو محور الصراع الحقيقي. كذلك تتفادى المطالب الأساسية والعاجلة التي تتوحد حولها الجماهير في النضال اليومي، مما يرفع قدرتها النضالية. ولكن المعارضة اليمينية بحكم مصالحها الطبقية وأهدافها، ليست فقط لا ترغب في توسيع نضال الجماهير بل وتخشاه"

وعقب محاولة إنقلاب 2 يوليو 76، لخصت سكرتارية اللجنة المركزية، في الخطاب (الداخلي) لأعضاء الحزب والبيان الجماهيري حول تلك الأحداث، ما توصلت إليه دورات اللجنة المركزية على النحو التالي:-

"برنامج ومنهج قيادة أحزاب الجبهة الوطنية ضار بتطور ونجاح معركة المعارضة الشعبية، ولا يقدم البديل الذي تنشده الجماهير، ويخشى إن تساعد الحركة الديمقراطية الجماهيرية، لأنه في جوهره يهدف لإنقاذ طريق التطور الرأسمالي ويسعى لإقناع دوائر الاستعمار الحديث الذي تموله وتدفعه، أن قيادة الجبهة الوطنية أكثر قدرة من زمرة السفاح نميري وفئة البرقراطية الرأسمالية والمغامرين الطفيليين على تحقيق الاستقرار المنشود وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام الرأسمالي".

العوامل الداخلية والخارجية التي عجلت بإتفاقية الصلح:

العامل الأول: والحاسم، نضال شعب السودان بفئاته وطبقاته الوطنية ضد تسلط مايو وطغيان حكم الفرد المطلق: ضد مصادرة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية، وقهر الدولة البوليسية، ضد تجويع المواطن وتخريب الاقتصاد الوطني والعبث بثروات البلاد لمصلحة الرأسماليين والإحتكارات الأجنبية وأبهة الحكم، ضد التفريط في استقلال الوطن وسيادته، ضد الجدب الروحي والثقافي والتفسخ وإنحدار القيم، ضد صعود الحثالة وشذاذ الآفاق لمواقع المسئولية.

وقد وجد ذلك النضال سنداً ومؤازرة من حملة التضامن العالمي، التي ما خبت لها جذوة، وما لعبته من دور فعال في تعرية نظام مايو أمام الرأي العام العالمي، وتعريف شعوب العالم بتضحيات شعب السودان لاستعادة حقوقه الأساسية.

وفي هذا النضال أسهمت أطراف كل المعارضة على اختلاف الطبقات والانتماء الحزبي والمذهبي، وتباين التصور والبرامج للمستقبل. تدافعت جموع أثر جموع من الرجال والنساء، المدنيين والعسكريين، وبكافة أشكال الصراع السياسي والعسكري، توجه اللطمة تلو اللطمة لديكتاتورية مايو: ما فت في عضد أبناء السودان وبناته حبل المشنقة وفرق الإعدام، مهانة الاعتقال ومرارة السجن، قهر الاستجواب والتعذيب.

وكانت الحصيلة النهائية، أن مايو أصيبت بالشلل والعقم والجمود، وضاقت أمهاما مساحة الحركة، وما عاد لها من سبيل سوى القهر والإرهاب.

الحزب الشيوعي السوداني، يتوقف في هذا المنعطف الجديد، ويحي ذكرى كل شهيد جاد بالروح دفاعاً عن الوطنية السودانية الديمقراطية، ويقدر صمود كل سجين ومعتقل ومشرد أسهم بقسطه في زعزعة أركان ديكتاتورية مايو.

العامل الثاني: الضعف والإرهاق أصابا الجبهة الوطنية –قادة وجماهير- عقب فشل محاولاتها لاقتحام السلطة، في سبتمبر 75، يوليو 76، وفبراير 77، وما تكبدته من خسائر كبيرة في الكادر والقيادات الوسطية المدنية والعسكرية، وما لحق بقيادتها من هبوط وسياسي وأدبي وسط جماهيرها التي ظلت تتلقى الوعد صباح مساء بن الضربة القادمة قاضية. وواجهت الجبهة الوطنية مصاعب أمام مصادر دعمها الخارجي، التي مهما بلغ استعدادها للعطاء لها مشاغلها وأسبقيات قضاياها في السياسة الخارجية، والأوضاع الشائكة المعقدة في المنطقة العربية والأفريقية.

وقد أشار (الخطاب الداخلي) والذي وجهته سكرتارية اللجنة المركزية للأعضاء حول أحداث يوليو 76، إلى هذا الجانب قوله: "خرجت قيادة أحزب الجبهة الوطنية من محاولة الانقلاب، خاسرة وجريحة من الناحية السياسية للأسباب الآتية: فشلها للمرة الثانية في أقل من عام في تحقيق عدها القاطع لشعب السودان أنها ستنقذه من تسلط السفاح نميري... وربط مصيرها بمحاور صراعات الدول العربية وهي محاور متحركة ومتقلبة لا يحكمها مبدأ... ومصادر التمويل الأجنبي لتجهيز قوة عسكرية متكاملة عدة وعتادا... وبقاء القيادة السياسية للجبهة خارج الوطن.


 

العامل الثالث: والذي أخذ زمام المبادرة في تقريب الطرفين نحو الصلح، وأستخدام ثقله السياسي والمالي: السعودية، بدورها المباشر وبوزنها في محور الرياض القاهرة، والتنسيق بينه والسياسة الأمريكية في المنطقة، والاحتكارات الكبرى المساهمة في الاستثمارات في السودان. تضافرت جهود هذه الدوائر من مواقع منفردة ومجتمعة، وعبرت عن تخوفها من عزلة السلطة وإرهاق الجبهة الوطنية بعد يوليو 76، وطرحت المصالحة بوصفها الترياق الوحيد أمام اتساع المعارضة التي قد يفلت زمامها وتتجه وجهة يسارية فترتبك الحسابات الاستراتيجية السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة. كما ازداد تخوف وقلق هذه الدوائر من ارتباط الجبهة الوطنية بالقيادة الليبية، وموقفها الحالي من محور الرياض القاهرة وامريكا، وتعاونها مع الاتحاد السوفيتي ورفضها للحلول الاستسلامية لمشكلة الشرق الأوسط.

لم تخرج مبادرة هذه الدوائر عن المشروع الذي تقدم به ملك السعودية الراحل فيصل في مطلع عام 72، من أن أسباب الخلاف بين النميري والجبهة الوطنية كانت الشيوعية المحلية والنفوذ السوفيت، وبما أن النميري وجه ضربة قوية للشيوعية (المحلية) وللسوفيت فقد زالت أسباب الخلاف والصدام. وواصل الملك خالد من حيث توقف سلفه، أضاف حجة جديدة أن الجبهة الوطنية تدعو لتحكيم الإسلام، والنميري ارتضى الإسلام حكماً.

ومن منعطف آخر دخلت القيادة الليبية ضمن الدوائر الخارجية، بحكم تحالفها مع الجبهة الوطنية، وأصبح لموقفها وحساباتها في المنطقة تأثير في سير تنفيذ المصالحة، علها تخفف من أعبائها وتساعد تحركاتها.

ظروف موضوعية غير مواتية:

      اصطدام تنفيذ الصلح بعقبات موضوعية، أفقدته بريق الأمل لإقناع الشعب، وأثار من الأسئلة أكثر مما قدمن من إجابة. وقفز للمقدمة سؤال كبير: ما هي الحلول العملية التي يطرحها التحالف الجديد للمشاكل المعقدة التي يواجهها البلد؟

من بين أهم العقبات:

  • أن نميري شخصياً أصبح مركزا لحقد مجموع الشعب، ومسئولا عن كل الجرائم والكوارث التي حلت بالوطن. ومن ثم فإن النميري غير موثوق به كحامل لراية جمع الشمل وتضميد الجراح، ولا تؤخذ كلمته مأخذ الجد لكثرة تقلباته وأهوائه وتناقضاته.
  • العزة الوطنية لشعب السودان، دفعت به نحو التوجس والشك والارتياب عندما اكتشف السعودي والأجنبية التي تحرك خيوط المصالحة.
  • الخوف والفزع اللذان أصابا الحلقات الأساسية في أجهزة السلطة والجماعات الطفيلية المنتفعة وهي تتساءل عن مصيرها وضمانات امتيازاتها ومكاسبها بل وحياتها عندما تندمج الجبهة الوطنية بقياداتها وجماهيرها في التنظيم السياسي الواحد وأجهزة الحكم المختلفة.
  • في أوساط أحزاب الجبهة الوطنية، وبرغم الارتياح الذي شعرت به فئات رجال الأعمال –خاصة التجار- ومشاعر الابتهاج التي عمت الأسر التي استقبلت أبناءها وأولياء أمرها من السجون والمعتقلات بعد طول غياب، بدأ الهمس المتحفظ: لمصلحة من هذه المصالحة؟ ولماذا دخلنا كل تلك المعارك وقدمنا التضحيات؟ أين الضمان من تقلبات وغدر النميري؟ ماذا جنينا وجنت البلاد من العفو عن عبود في ثورة أكتوبر؟ صبرنا وتحملنا كل الأهوال الماضية، لماذا لا نصبر قليلا والسلطة تفقد مقومات البقاء... وسادت حالة من القلق بين جماهير أحزاب الجبهة الوطنية، وهي تكتشف خلافات وتناقضات في مواقف وسلوك قيادتها: الأخوان المسلمون يتهافتون نحو التعاون مع السلطة. وصراع الأمامة والرئاسة يطل برأسه من جديد في حزب الأمة، ويبدو الاتحادي الديمقراطي وكأنه متنازع بين قيادتين.

وتبلورت بين مجموعة كادر الجبهة ومقاتليها الذين خرجوا من المعتقلات والسجون،، وبين جماهيرها المستنيرة سياسيا، تيارات تطرح قضايا سياسية كبيرة منها:

  • قبول قانون العفو العام بالصيغة التي صدر بها، يعين ضمنا أنهم ارتكبوا جريمة. يغفر لهم نميري وزرها.
  • قانون أمن الدولة الذي اعتقلوا وشردوا وسجنوا وعذبوا واعدموا بمقتضاه، مازال ساري المفعول، ويمكن أن يعيدهم إلى حيث كانوا.
  • سلطات رئيس الجمهورية في الدستور، كفيلة بإحداث إنقلاب جديد يصادر كل شروط المصالحة.
  • أن الصلح مع الأنيانيا في الجنوب لم كن شعارات عامة ونوايا طيبة، بل شروطاً تنفذ في وقت معلوم، وبضمان دستوري، وبضمان عسكري باستيعاب الانيانيا في القوات النظامية، وإدخال ممثليها السياسيين في أجهزة السلطة.

ما هي الضمانات ضد تدخل عسكري مصري؟

حاولت السلطة تبديد هذا المناخ السلبي الذي احاط باتفاقية المصالحة، بأن أعلن رئيسها ومن بعده أجهزتها ما زاد البلبلة والتوجس، بين المواطنين، والشكوك والتحفظ في أوساط جماهير الجبهة الوطنية: خطاب 22 يوليو وخطاب 29 يوليو: مايو باقية، الاتحاد الإشتراكي باق، الدستور، الميثاق، القيادات.... وأن الجبهة الوطنية لم تقدم شروطا، وأنها قبلت الانصهار في مايو.

واستخدمت قيادة الجبهة الوطنية ترسانة كاملة من الحجج لتبديد مخاوف مؤيديها: أن الجبهة الوطنية داعية للإسلام وللسلم وقد أضطرت لحمل السلاح إضطراراً، فذا جنح الخصم للسلم، جنحت له –أن تقاليد السياسة السودانية فيها تقاليد التسامح والصلح: تصلح السيد عبد الرحمن المهدي مع الإدارة البريطانية فرعي شئون الأنصار وحافظ عليهم من الشتات ثم بنى حزب الأمة وحقق الاستقلال، وأن ثورة أكتوبر المجيدة أعطت عبود وأعوانه كلمة الشرف بالعفو عنه وقبلته رئيسا للدولة في الفترة الإنتقالية، وان الصلح تحقق بين الانيانيا وجيش السودان وحكومته بعد حرب دامت 17 عاما –أن قبول مبادرة المصالحة يسجل لقيادة الجبهة صفة المرونة والتعقل، ويزيل الصورة الدموية التي ظلت مطبوعة في أذهان جماهير المدن عن حزب الأمة، وعن الجبهة الوطنية، عقب أحداث 2 يوليو 76، كما أن قبول المصالحة يساعد على تحييد الرأي العام داخل القوات المسلحة بعد صدامات 5 سبتمبر 75، و2 يوليو 76 –أن السودان يواجه مخطر صراعات الدول الكبرى وواجب الجبهة حماية الوطن بأي ثمن. أن قبول الصلح يساعد على كسب الرأي العام العالمي والدوائر المالية التي ترغب في استثمارات كبيرة، خاصة في التنقيب عن البترول والمعادن –أن مايو خلقت مؤسسات للحكم طالما سعت أحزاب الجبهة الوطنية لبنائها كالدستور الرئاسي واسلامية التشريع والحزب الواحد، وتصفية أي أثر للديمقراطية الليبرالية ولن تجد الجبهة فرصة لبناء هذه المؤسسات إذا انهار النظام بثورة شعبية –أن الدخول في مؤسسات السلطة على علاقتها يساعد الجبهة أولا في تجميع قواها والسيطرة بالتدريج على التنظيم السياسي وتسيير دفة الحكم دون صراعات دموية.

هكذا واجه الطرفان صعوبات غير متوقعة، ومناخا سياسيا فاترا ومرتابا، لكنهما يشقان طريقهما بصعوبة لاستعادة التوازن لصيغة المصالحة، ويبحثان عن بدائل للانتقال من جولة إلى أخرى، وتخطي الشد والجذب وإعادة صياغة الشروط المصاحبة لمثل هذا النوع من المفاوضات.

المصالحة وأزمة القوات المسلحة:

يتهرب طرفا المصالحة من الإفصاح عن حقيقة موقفهما من وضع القوات المسلحة، بوصفها السند الرئيسي للديكتاتورية العسكرية، لا يغير من طابعها هذا تحالف الجبهة الوطنية مع السلطة، ولا سحب الألقاب والرتب العسكرية من الضباط الذين يحتلون مناصب مدنية –سيان الخدمة كانوا أو المعاش.

مصير القوات المقاتلة التابعة للجبهة الوطنية واسلحتها وعتادها في المعسكرات خارج الوطن، أو في داخله –كما أعلن قادة الجبهة أكثر من مرة –مسألة ليست سهلة كالعفو العام وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء ونشاط الطوائف الدينية. أنها عقبة قائمة بذاتها، تذليلها يتطلب حل تناقضات لا حصر لها. هل تتجرد من أسلحتها طائعة مختارة وتدخل أرض الوطن؟ هل تبقى في المعسكرات في الخارج؟ هل تستوعب داخل القوات النظامية أسوة بمقاتلي الانيانيا؟ أم يتقدم أفرادها للتجنيد كلما فتحت القوات المسلحة والنظامية باب التجنيد؟ والمجموعات الكبيرة من الضباط والصف والجنود الذين سرحوا من القوات المسلحة والبوليس منذ 25 مايو 69 بتهمة ارتباطهم بالأحزاب، كيف السبيل لإعادتهم للصفوف مرة أخرى.

كشفت هذه القضية، من قضايا المصالحة، الخطر الداهم الذي أصبح يشكله الوضع في الجيش والتخريب الذي الحقته مايو بوظيفته القومية الطابع في حدود مفاهيم المجتمع الرأسمالي والدولة البرجوازية الحديثة:

      حطمت مايو القواعد والقوانين العسكرية في التجنيد والترقيات وتوزيع القادة والوحدات بما يؤمن بقاءها، وحولت الجيش إلى قوة القمع المباشر لإرهاب الشعب، وحطمت الوحدة المهنية داخل الصفوف بالصلاحيات التي أضفتها على أجهزة التجسس والحلقات الموالية لها. كما سممت رفقة علاقة السلاح بالصراعات الدموية في محاولات الانقلابات المتكررة، وما خلفته من مرارة واحقد ومشاعر الانتقام والثأر.

      وبإستيعاب قوات الانيانيا وفق اتفاقية سياسية، دون مراعاة للقواعد العسكرية، أحدثت مايو شرخا في جسم القوات المسلحة والنظامية.

      وتواجه الآن إيجاد صيغة وحل لمصير الجبهة الوطنية لإستكمال أسس التحالف.

هكذا نشأ وضع خطير على مستقبل تماسك الجيش وأمن الوطن، حيث يقوم الحكم، في حالة نجاح المصالحة، على تحالف سياسي لثلاث قوى: مايو، والأحزاب الجنوبية، وأحزاب الجبهة الوطنية، ولكل منها سندها الذي يحمي ظهرها في القوات النظامية.

أمام هذا الوضع تتكشف الحقائق التالية:-

  • المصالحة ليست ضمانا ضد الصراعات الدموية. فإتفاقية أديس أبابا سالت بعدها أنهر الدم في أحداث تمرد متعاقبة وصلت قمتها في محاولة انقلاب عسكري متكامل للإستيلاء على السلطة في الجنوب.
  • شعار عودة الجيش إلى ثكناته، يفقد مدلوله المقبول للجماهير، التي تفهمه كدليل على تصفية الديكتاتورية العسكرية والعودة للحياة السياسية الديمقراطية.

المصالحة والموقف من الحزب الشيوعي:

يسعى الطرفان لتصفية أي شكل أو مظهر لبقاء مستقبل للحزب الشيوعي. كلاهما يشترط حل الحزب والإنصهار في التنظيم السياسي الواحد، وألا تعرض من جديد للملاحقة والردع. ويخشى الطرفان، في حالة استكمال التحالف أو فشله، بقاء الحزب الشيوعي كمركز لاستقطاب معارضة ديمقراطية ثورية. وشأن الصراعات السياسية في مثل هذه الفترة القلقة المتوترة، يستخدم كل طرف أساليب الترغيب والتهديد –كل من موقعه. فالسلطة مثلا تعتبر إطلاق سراح المعتقلين والسجناء الشيوعيين والديمقرطيين ورفع أمر الاعتقال عن المختفين، ثمناً يجب أن يقبله الحزب لحل صفوفه والإنخرط في الحوار والمصالحة، أما إذا رفض ذلك، يبقى المعتقلون والسجناء حيث هم، ويزداد العدد. وقيادة الجبهة الوطنية تسعى لشل نشاط الحزب الشيوعي وتحييده، ثم إرغامه فيما بعد على الإنصهار في حزبها الواحد، أو الخروج من الحياة السياسية.

موقف حزبنا من تطور الأحداث:

عندما استعرضت لجنتنا المركزية في دورة يناير 74، الاحتمالات الواردة في الصراع السياسي ضد السلطة، بما فيها احتمال المصالحة، صاغت الوجهة المبدئية لموقف حزبنا بقولها: "في كل حالة لا يجوز للحزب الشيوعي أن يستبق الأحداث، أو يلائم ويوفق، بل يبنى موقفه بما يسوع من إمكانيات تطور الحركة الثورية، وإستعادة حقوقها الأساسية، ويحدد أساليب النضال، والشعارات لمواصلة النضال الوطني الديمقراطي من أجل سلطة وطنية ديمقراطية".

بهذه الوجهة المبدئية يعلن حزبنا:

أولاً: لقد حقق شعبنا انتصار في نضاله من أجل الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية تحت ظل الديكتاتورية العسكرية وحكم الفرد الاستبدادي. وإذا كنا لا نهول من حجم هذا الانتصار ولا نغفل الاخطار المحدقة به، فإننا ندعو لعدم التقليل منه من مواقع العزلة والذاتية، بحجة أنه ننتيجة ثانوية لصفقة بين يمين حاكم وبيمين معارض. فلولا نضال شعبنا المتصل، لما وجدت السلطة نفسها مجبرة على إعلان الخطوات الثلاث التالية:

  • إطلاق سراح كل السجناء والمعتقلين السياسيين.
  • إلغاء أمر الاعتقال والملاحقة، وإلغاء الأحكام –بما فيها حكم الإعدام- من قادة وكادر المعارضة- شريطة تأييد السلطة والتخلي عن موقف المعارضة (قانون العفو العام).
  • تكوين لجنة للنظر في إرجاع المفصولين للعمل.

لكن تحويل هذا الإعلان إلى واقع لا رجعة فيه، وحمية ما ناله الشعب من مكاسب، يتطلب معركة سياسية جماهيرية جديدة ونشطة تمنع السلطة وجهزتها من تقييد تنفيذ هذه الخطوات بأية قيود قانونية أو سياسية، وأن تشمل هذه الخطوات كل اتجاهات وأحزاب المعارضة دون استثناء.

بثقة تامة في قدرات حركة الطبقة العاملة والجماهير الديمقراطية وبتقدير سليم لتوازن القوى، والقدرات الفعلية للحركة الثورية، يرى حزبنا أن تحقيق تلك الخطوات وحمايتها كمكاسب لا رجعة فيها ولا انتقصا، يستوجب مواصلة النضال السياسي لأطراف المعارضة من أجل:

  • إلغاء قانون أمن الدولة المعدل، والتعديلات في مواد الدستور 61، 296 التي أباحت إصداره وإجازته.
  • حل أجهزة الأمن القائمة على تنفيذه، وإعادة أفرادها للمهن والمجالات التي جندوا منها.
  • ضمان حق العمل، كحق طبيعي لكل مواطن سوداني، وإلغاء كافة القوانين والأوامر الجمهورية وقرارات مجلس الوزراء التي تحد منه أو تنتهكه.
  • تحريم تعذيب المعتقلين والسجناء السياسيين، بالكشف عن جرائم التعذيب والقتل العشوائي ومحاكمة الذين أمروا بها والذين ارتكبوها، للأدلة المادية التي يدلى بها ويبرزها كل مواطن تعرض للتعذيب، حسب منطوق المادة 65 من دستور السلطة نفسها التي تنص: "لا يجوز تعذيب متهم، كما لا يجوز إغراؤه أو تهديده، وأن أي إعتراف أو أقوال يدلي بها المتهم أو الشهود أو أي شخص نتيجة للتعذيب أو التهديد أو للإغراء، تكون باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، كما أن أي شخص عذب أو هدد أو أغرى أو شارك في ذلك يكون مرتكبا جريمة يعاقب عليها القانون، كما وأن الشخص الذي يقع عليه مثل هذا الفعل يكون مستحقاً للتعويض المناسب.

بهذا يتوفر لشعبنا ضمان أن لا يتكرر التعذيب في المستقبل، ولا تفلت غرائز ورغبات الإنتقام الفردي، ويرى الحزب الشيوعي، أن الضرورة الموضوعية مازالت قائمة لتنسيق نشاط المعارضة –كل حسب قدرته- لإستكمال حماية الحقوق الأساسية بإجبار السلطة على تحقيق المطالب السياسية التالية:-

  • إلغاء قانون النقابات لعام 1971م ولائحة تنظيم النقابات 1972م.
  • إلغاء المواد التي تمس إستقلال الجامعة وحرية نشاط اتحادات الطلاب في قانون التعليم العالي، وإلغاء لائحة النشاط المدرسي.
  • إلغاء قانون ممارسة السيادة الشعبية الذي يبيح للاتحاد الإشتراكي الوصاية والتدخل في نشاط المنظمات الشعبية.

لكن الحقوق الأساسية وحدها لا توفر كل أسباب الطمأنينة للمواطن، ولا تحرره من خوف وإرهاب الجوع والعوز، ولعنة البحث عن مكونات لقمة العيش. لهذا لبد من ضمان الحد الأدنى لأسباب الحياة وفي حدود مستوى الدخل القومي الحالي والميزانية الجارية والإمكانيات المتاحة، على شحها. وهذا يتطلب أن تنشط حركة المعارضة السياسية والنقابية لإجبار السلطة على إتخاذ الخطوات البسيطة والأولية التالية:-

  • تخفيض جزء من منصرفات جهاز لا يزيد أعلى مرتب في الدولة عن عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور البالغ مائتي جنيه في العام.
  • وقف الصرف من خزينة الدولة على الاتحاد الإشتراكي وموظفيه وأوجه نشاطه، ومنعه من استخدام وسائل وأدوات الدولة كالمكاتب والعربات والعقارات ووسائل الاتصال...الخ. فهو حزب سياسي يجب أن يغطي منصرفاته من اشتراكات أعضائه وتبرعات المنتفعين به وأي موارد أخرى يؤسسها من أمواله، وأن يتوقف عن استقطاع اشتراكاته من مواطنين لا ينتمون لعضويته.
  • إلغاء مخصصات الصرف على أجهزة الأمن، عداء ما هو متعارف عليه في ميزانيات وزارة الداخلية ووزارة الدفاع.
  • تقييد الصرف على الجنوب، بتحديد نسبة للدعم الذي تقدمه الخزينة المركزية للحكومة الإقليمية، وأن تنخفض هذه من عام لآخر، كي تتولى الحكومة الإقليمية مسئوليتها ووظيفتها في إعادة بناء الحياة في الجنوب، وتوم بواجبها في تنظيم وقيادة شعب الجنوب نحو العمل والإنتاج.

العائد من هذه الإجراءات، على قلته، يوفر إمكانيات معقولة تبدأ بها عملية تخفض الضرائب غير المباشرة على السلع الاستهلاكية الضرورية للمواطن في المدينة والريف، وتوفيرها على مدار العام في الأسواق وتركيز أسعراها. والسلع الضرورية هي: الذرة والقمح، اللبن اللحوم الخضروات وزيت الطعام الملح والتوابل، السكر الشاي البن، الأقمشة والأحذية الشعبية، الدواء والأدوات المدرسية، مواد البناء للسكن الشعبي، الجاز والجازولين.

الشيوعيون لا يطرحون شعارات مثالية مجردة. فالحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية وضمانات الحد الأدنى لمقومات العيش، انتزعها شعبنا وناضل لحمايتها وتطويرها منذ عهد الاستعمار، ومارسها فعلياً تحت ظل الحكومات المتعاقبة، وصرعها الواحدة تلو الأخرى عندما أعتدت على تلك الحقوق والضمانات.

ديكتاتورية مايو صادرت تلك الحقوق والضمانات، وتعدت المصادرة إلى مستويات من الإرهاب والإذلال لم يألفه شعبنا تحت ظل أية حكومة سابقة، عسكرية كانت أم مدنية، بإستعادة الحقوق الأساسية، يستعيد المواطن السوداني حقاً أمتلكه ومارسه من قبل، يستعيد كرامته كبشر في وطن مستقل يحق له أن يؤيد حكومة أو يعارضها.

ثانياً: لنسم الأشياء بمسمياتها، لتبديد صلب الخداع السياسي عن شعارات عزيزة على شعب السودان وكل شعب في العالم، كالوحدة الوطنية، وجمع الشمل وتوحيد الكلمة، والوئام بد الفرقة، الحلول السياسية الديمقراطية للخلافات بدل استخدام العنف..

نسمي الأشياء بمسمياتها أيضا، لنخرس تلك الألسنة اللئمة، التي يحلو لها أن تمارس ذكاءها ف يخبث مفضوح في كل منعطف سياسي –منذ الاستقلال- ظنا منها أنها تستطيع أن تنصب للشيوعيين مصيدة: هل الحزب الشيوعي مع المصالحة أم ضدها؟

ونسمي الأشياء بمسمياتها لمواطنينا المثقفين أن تنجح المصالحة، فيتعاون الطرفان ضد الحزب الشيوعي ويوجهان له ضربات جديدة.

ما يواجه شعبنا اليوم ليس مصالحة وطنية أو حوارا وطنيا لحل أزمة سياسية، وحماية وطن من أنظار تحيق به، تجارب الشعوب التي دفعتها ظروف الأزمات لأن تسلك طريق المصالحة الوطنية، تؤكد أن المصالحة تبدأ بتغيير أساسي في جهاز السلطة ودستورها وقوانينها. فتتوفر الحريات الديمقراطية الكاملة دون قيود للأحزاب السياسية وللنقابات والمنظمات الجماهيرية والصحف، ليدلي الشعب برأيه ويتقدم كل حزب واتجاه بما يرى من حلول، ويبتعد عن مواقع المسئولية الحكومية كل من أرتكب جرائم في حق الشعب والوطن وقاد الوضع السياسي للأزمة وحافة الإنهيار، وتصفى المعتقلات والسجون، وتنشر حيثيات المحاكمات الجائرة تعاد لقضاء استقلاله ولحكم القانون سيادته، وتوضع قواعد ولوائح جديدة لانتخابات عامة، وتطرح للمناقشة والمراجعة أية معاهدات واتفاقيات خارجية مست سيادة الوطن واستقلاله. المصالحة الوطنية في العرف السياسي لتجارب الشعوب، تمثل فترة انتقالية للتصفية النهائية لأشكال الحكم التي قادت للأزمة، وتكوين أشكال جديدة يقننها دستور ديمقراطي تصون حقوق الجميع، ويجنب البلاد كوارث الصراعات الدموية والحروب الأهلية.

يواجه شعبنا:

  • أزمة حكم- أزمة نظام وسلطة- ازمة حادة وعميقة في كل ميادين الحياة، السياسة الداخلية والخارجية، الاقتصاد، الإدارة والخدمات، الثقافة والتعليم، الأخلاق والقيم.
  • مفاوضات بين قيادة الجبهة الوطنية والسلطة، لحل الأزمة وفق تصورهما المشترك والمتوافق في الأساسيات، لبناء تحالف سياسي لدعم النظام وإنقاذ السلطة، بعد أن أنهكت الصراعات السياسية والعسكرية الطرفين.
  • دوائر أجنبية ذات مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية في السودان، تشترط الاستقرار.

شعبنا إذن أمام برنامج سياسي لقوى اجتماعية حاكمة وأخرى معارضة- رأت أن تنتقل لطريق المصالحة والتحالف.

تلك هي الحقيقة، والمسميات الأصلية للأشياء، مهما تلفحت بالشعارات البراقة.

موقف الحزب الشيوعي لا ينطلق من المزايدة، ولا المواءمة والتوفيق الإنتهازي، ولا يعبر عن تمايزه بإطلاق شعارات مضادة تحبسه في الدائرة الضيقة التي يسعى طرفا المصالحة لحشر البلاد فيها.

الشيوعيون لا ينادون: تسقط المصالحة، عاش الشقاق، الشيوعيون شعارهم كان وسيظل: تسقط الديكتاتورية، عاشت الديمقراطية.

البرنامج السياسي الذي تتفاوض حوله قيادة الجبهة الوطنية والسلطة لبناء تحالف بينهما، لا يحل أزمة الحكم، ولا يوفر الشروط والمقومات الضرورية لإنقاذ البلاد من حالة التمزق والضياع، ولا يعيد للشعب حرياته وحقوقه المسلوبة ولا يحرر السودان من التبعية لأمريكا والسعودية. أنه على أحسن الفروض، وفي حالة نجاح المفاوضات حوله، يحقق للسلطة متنفسا مؤقتا، ولقيادة الجبهة الوطنية فرصة لإلتقاط الأنفاس، ليتعاون طرفا التحالف لتكريس الأركان الأساسية للنظام الاقتصادي الاجتماعي، وهياكل ومؤسسات السلطة، ومناهج الحكم التي قادت البلاد نحو الهاوية، ثم تنفجر الصراعات السياسية والعسكرية من جديد.

والسؤال مشروع: أية مصالحة هذه، التي يفرضها الحاكم بالقوة على معارضيه، فيفرج عنهم من السجون ليقول لهم: أما أن تقبلا شروطي أو تعودوا للسجون؟ وأية مصالحة تلك التي يصوغ شروطها ويبدأ مفاوضاتها طرف واحد في المعارضة –مهما كان وزنه- تحت ضغط وأسباب وعوامل خاصة بوهن طاقاته عن المواصلة، وبما يحقق له المشاركة في النظام، ويود أن يفرضها على بقية أطراف المعارضة باسم المصالحة الوطنية ومن موقع الوصاية الذي أودى بالسلطة! وما الذي جد في السياسة السودانية عامة، ومسار ديكتاتورية مايو العسكرية خاصة، ليقبل الحزب الشيوعي السوداني الشرطين اللذين رفضهما قبل ثماني سنوات وقاومهما بالتضحية والدم: أن يحل صفوفه وينصهر في التنظيم السياسي الواحد، وأن يصمت على مصادرة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية، والتفريط في الاستقلال، والعبث بمقدرات البلاد الاقتصادية باسم شعارات (اشتراكية) زائفة، مقابل السلامة الشخصية لاعضائه كأفراد، وبضعة مناصب رسمية؟

الديمقراطية: مفتاح الحل للأزمة السياسية:

تسلط ديكتاتورية مايو العسكرية، وتفاقم أزمتها الشاملة، امتداد لأزمة مصادرة الديمقراطية في السودان، منذ أن جنحت الدوائر اليمينية، مدنية كانت أم عسكرية، لفرض طريق التنمية الرأسمالية والتبعية للإستعمار الحديث بالقهر والعنف، وتبقى الأزمة مستفحلة في ظل مايو، وأية حكومة تعقبه، ما لم تعد للشعب حرياته وحقوقه التي قننها دستور السودان المؤقت لعام 1956م وميثاق أكتوبر لعام 1964م. ولن يكتب للسودان الاستقرار والتطور والإزدهار إلا بتطوير واستكمال الحقوق والحريات التي تحققت مع الاستقلال وتبوء بالفشل كل محاولة للإرتداد على تلك الحقوق والحريات والمكتسبات، تحت شعار دستور إسلامي أو دستور إشتراكي.

وفي تاريخ شعب السودان خلال أربعين عاما من عمر الحركة الوطنية، معالم ثابتة في النضال من أجل الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية والدفاع عنها وحمايتها:

أنتزع شعب السودان حق إصدار الصحف وتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات والاتحادات لكل فئاته وطبقاته من براثن السلطة الاستعمارية البريطانية. وبتوسيع تلك الحقوق والحريات والدفاع عنها تطورت حركته الوطنية وحقق استقلاله الوطني وسيادته على أراضيه، ووقف في وجه تسلل الاستعمار الحديث بالأحلاف والقواعد العسكرية.

توج نضاله بتأسيس دولته المستقلة على هياكل ومؤسسات ديمقراطية للحكم: جمهورية برلمانية، مجلس سيادة كرمز لرأس الدولة والسيادة، ودستور ديمقراطي علماني كفل حرية التنظيم والتعبير والعقيدة والضمير، وصان حق النشاط الحزبي والنقابي، وحق الإضراب والتظاهر، وحرية الصحافة والنشر، وحرية النشاط الثقافي والاجتماعي لكافة المواطنين.

استنادا إلى تلك المكتسبات الغالية، واصل شعب السودان نضاله، بحماية الدستور، لإلغاء موروث الاستعمار من بقايا القوانين المقيدة للحريات كقانون النشاط الهدام، وقانون الجمعيات غير المشروعة لعام 1924م، وعندما ضاقت الأحزاب التقليدية لتحالف الرأسمالية وشبه الاقطاع بالحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية وبدأت تعتدي عليها، نشأت في البلاد أزمة سياسية حادة نتج عنها أول انقلاب عسكري في 17 نوفمبر 1958م لقهر الشعب بالديكتاتورية العسكرية وقانون دفاع السودان. لكن شعب السودان لم يتراجع، وراح يجمع صفوفه من جديد ليستعيد حقوقه وحرياته، وخلخل أركان الديكتاتورية واستطاع أن يجبرها على التراجع والتنازل، حتى حشد كل قواه في ثورة أكتوبر 1964 فصرع الديكتاتورية واستعاد دستوره وحقوقه، وأنتقل بها إلى أشكال أرقى ممارسة الديمقراطية المباشرة في انتخابات مندوبيه لجبهة الهيئات لاستلام السلطة المحلية والمركزية.

واحتدمت الأزمة من جديد عندما ضاقت الأحزاب التقليدية الحاكمة واتساع حركة الشعب، وميلها وإصرارها على استخدم حرياتها وحقوقها وضمانات دستورها من أجل التغيير الاجتماعي الديمقراطي، فلجأت حكومات الرأسمالية وشبه الإقطاع للعنف في العمل السياسي الجماهيري، وواصلته بالاعتداء على الحقوق والحريات فعدلت الدستور لتحظر نشاط الحزب الشيوعي في صيف 1965م، وانتقلت إلى طريق العداء الشامل للديمقراطية للتمهيد لديكتاتورية باسم الدستور الاسلامي، فنتج عن تلك الأزمة إنقلاب 25 مايو العسكري، الذي استقطب تعاطف الجماهير بإعلانه أنه جاء ليستكمل أكتوبر، ويقطع الطريق على الديكتاتورية، وأنه ينوي تجديد الحياة في المجتمع.

لكنه سرعان ما افتقد عطف الجماهير عندما أسفر عن طابعه الديكتاتوري المقيت، وعن الادعاء الأجوف للبرجوازية العسكرية الصغيرة التي تبرر مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية وحل الأحزاب وسحب حق الإضراب بحجة الدفاع عن الثورة بحجة قفل الطريق على عودة الرجعية، وكانت النتيجة المحنة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الروحية التي يعيشها سودان اليوم، والملاحم البطولية- السياسية الجماهيرية والعسكرية- التي خاضها ويخوضها شعب السودان لإستعادة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية وحل الأحزاب وسحب حق الإضراب بحجة الدفاع عن الثورة، بحجة قفل الطريق على عودة الرجعية. وكانت النتيجة المحنة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الروحية التي يعيشها سودان اليوم، والملاحم البطولية –السياسية الجماهيرية والعسكرية- التي خاضها ويخوضها شعب السودان لاستعادة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية.

موقف العداء للديمقراطية السياسية، كما فهمها ومارسها شعبنا، جسر من جسور المصالحة والتحالف بين السلطة وقيادة الجبهة الوطنية. فكلاهما يقدم عين الحجة لتبرير فرض التنظيم السياسي الواحد، وهي حجة شفافة تكشف المصالح الطبقية والاجتماعية التي تقف خلفها.

الحزب الشيوعي السوداني لا يطرح مبدأ الديمقراطية، لمكاسب تكتيكية مؤقتة. فهو في نضاله من أجل بناء نظام وطني ديمقراطي يفتح الطريق للانتقال إلى الاشتراكية، ينطلق أولا واخيرا من تجربة الحياة السياسية في السودان بتقاليدها ومنجزاتها وعثراتها، وتطابق تلك التجربة مع المنطلق النظري والفلسفي الذي يهتدي به الحزب الشيوعي، وهو أن النضال من أجل الاشتراكية مستحيل بدون النضال من اجل الديمقراطية، ولهذا صاغ في برنامجه المجاز في مؤتمره الرابع عام 1967م هذا المبدأ بقوله: "قيادة الحزب الماركسي للنظام الاشتراكي لا يعني وجوب نظام الحزب الواحد، فعلى الصورة التي تصل بها الجماهير إلى السلطة ومدى اتساع الدوائر الاجتماعية التي تقتنع بالنضال من أجل الاشتراكية، فإن طريق الاشتراكية تتعدد ومنظمتها السياسية تتنوع...."

وعندما صادرت الأحزاب الحاكمة في عام 1965م حرية نشاط الحزب الشيوعي، لم يطالب بقيام نظام حكم يصادر حرية تلك الأحزاب، بل واصل نضاله لاستعادة شرعيته، وثابر على الدفاع عن الديمقراطية وحكم القانون. وفي ظل ديكتاتورية مايو التي حلت جميع الأحزاب، بما فيها الحزب الشيوعي السوداني، بل وأعلنت أنها لا تحتاج لإصدار قرار خاص بحل الحزب الشيوعي لأن ذلك القرار قد أصدرته حكومات ما قبل مايو، دخل الحزب الشيوعي في صراع معروف ومشهود من اجل الحريات والحقوق الديمقراطية، وكافح دفاعا عن بقائه واستقلاله، وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحزاب الطبقات الحاكمة، لم تعترض على الانقلاب في مايو 69، بل اعترض على إشراك الانقلاب للشيوعيين –ولو كأفراد- في أجهزة حكمه الجديد. واليوم أيضا، يواصل الحزب الشيوعي السوداني نضاله المبدئي من أجل استعادة الحريات والحقوق الديمقراطية كاملة ولجميع فئات وطبقات شعب السودان. وهو واثق تماماً أن المستقبل والنصر لهذا المبدأ.

وانسجاما مع هذا المبدأ، طرح الحزب الشيوعي شعارات استعادة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية وتوسيع النضال الجماهيري، منهجا لوحدة المعارضة الشعبية في بيانه الصادر في أغسطس 1973م. وظل يتوجه ومازال لقيادة وأحزاب الجبهة الوطنية لتنسيق نشاط المعارضة في هذا الحد الأدنى لتخفيف أرهاب وأرهاق الديكتاتورية على الشعب سياسيا واقتصاديا، ولتقوية عود الحرة السياسية بانتزاع بعض حقوقها، لأن الجماهير عندما تحقق مكسبا ولو جزئيا، تصبح أكثر مقدرة على مواصلة النضال. وما توقف الحزب الشيوعي يوما عن محاولة إقناع كل أطراف المعارضة، المدنية والعسكرية، بخطورة تجميد نشاط الجماهير السياسي الديمقراطي بالوعود عن الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية بضربة سحرية في جوف الغيب. وواصل الحزب الشيوعي دعايته السياسية والفكرية بين الجماهير يوضح ويكشف خطورة الانتظار والترقب، وأن القيادات السياسية والعسكرية التي تقود الشعب في هذا الطريق، ليست مؤتمنة على الديمقراطية في المستقبل، وان الضمان الوحيد للديمقراطية في المستقبل، هو النضال من أجلها تحت ظل الديكتاتورية.

جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن:

  • كشفت بداية المفاوضات بين السلطة وقيادة الجبهة الوطنية، عن حقيقتين كبيرتين، لهما أثرهما العميق على حاضر ومستقبل نضال شعبنا
  • اعتراف السلطة بضعفها وعجزها، واضطرارها الإذعان لتوجيه الدوائر الأجنبية، وضغط تفاقم الأزمة الداخلية، للبحث عن وسيلة للتحالف مع قيادة الجبهة الوطنية، لتطابق البرامج والأهداف.
  • الحدود التي تقف عندها معارضة قيادة الجبهة الوطنية، وحدود تصوراتها ومفاهيمها لتصفية الديكتاتورية العسكرية.
  • لأكثر من ستة أسابيع عايش شعبنا تجلى هاتين الحقيقتين في توتر وترقب، وضغوط وهبوط في الرجاء وخيبة الأمل، والحيرة والذهول.

الحزب الشيوعي واثق أن جماهير شعبنا ستدرك سريعا أن نضالها وتضحياتها كانت ومازالت هي المعول الذي أزاح ركام التضليل عن هاتين الحقيقتين، وأن نضالها هو لذي أحدث الشرخ في الجدار السميك الذي بدأ وكأنه متماسك منيع، وأن مواصلة هذا النضال سيوفر إمكانيات أكبر لشعبنا ليفيد من هذا الشرخ فيوسعه بحركة الدفاع عن الحقوق الأساسية، وعن طريق تلاحم الصفوف، بدء بحركة الاحتجاج على العالم والإجحاف بالعريضة والمذكرة والبرقية، تدرجا نحو التجمعات والمواكب والإضراب والاعتصام، على طريق استكمال الظروف الذاتية والموضوعية للانتفاضة الشعبية وحمايتها في وجه مقاومة السلطة.

طبيعي أن تتأثر الموازين العامة لحركة المعارضة بانتقال قيادة الجبهة الوطنية من مواقع المعارضة، إلى تكتيك المفاوضات والبحث عن صيغة للتحالف مع السلطة. وطبيعي أيضا أن تستفيد السلطة من فترة القلق والترقب السلبي لإجهاض الضغط الشعبي الذي حاصرها من كل جانب، فتلجأ للمناورة والتسويف، لترتيب أمورها وترميم شقوق الصراعات والتناقضات بين أجنحتها، لتبدأ حملات الإرهاب والملاحقة من جديد، وتسحب أية تنازلات أجبرت على تقديمها.

لكن هذا لا يعني نهاية العالم، وطي صفحة المعارضة، وتفشي حالة اليأس والحيرة، فالقضايا والأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صارع من أجلها الشعب ضد الديكتاتورية العسكرية مازالت ماثلة، ومازالت الأزمة في شمولها عميقة ومتفاقمة. ولئن انتقلت قيادة الجبهة الوطنية لتكتيك المصالحة، وان كتب النجاح لقيام التحالف، فإن شواهد الحياة الملموسة تشير إلى أن تلك القيادة لن تستطيع اقناع كل جماهيرها بالتخلي عن النضال. خاصة وهذه الجماهير قد اكتسبت وعيا وتجارب سياسية، شبت بها عن الطوق والإشارة والانصياع التام للقيادات. إضافة إلى أن هذه الجماهير شاركت في المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية مدفوعة بمصالح ومطامح ديمقراطية راسخة في الريف والقطاع التقليدي، وسرعان ما تزيل عن عينيها غشاوة الزيف باسم الرباط الطائفي واستغلال الدين والتعصب الحزبي، وتعود لحلبة النضال السياسي والاجتماعي. ولئن شنت السلطة حملات إرهاب جديدة، فهي لا تعرض بضاعة جديدة تعيد لها ما افتقدته إلى الأبد. فقد صمد شعبنا في وجه ألوان من الإرهاب يثيب لها الولدان، تحملها برجولة وشهامة ولن يستسلم تحت وطأتها.

تبدل الحال، ولا عودة إلى ميزان القوى وقبضة السلطة إلى ما قبل إعلان طريق المصالحة في الأسبوع الأول من يوليو 1977م. انكشف المستور في ضعف السلطة ولمسه كل مواطن دون حاجة إلى استنتاجات وانكشفت حدود معارضة قيادة الجبهة الوطنية. وسرت في أوصال الحركة الشعبية موجه من الحماسة والجرأة والثقة بالنفس في تقييم الأحداث وموازنة الحقائق، والإفصاح عن الاستعداد للخروج من السلبية وخوف الإرهاب إلى المشاركة المستقلة في تسيير دفة الحياة السياسية ومواصلة النضال ضد الديكتاتورية العسكرية.

من هذا المنعطف الجديد، وعلى طريق بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية من خلال العمل اليومي وعلى المدى البعيد والصبور، يدعو الحزب الشيوعي السوداني لمواصلة نشاط حركة المعارضة الشعبية لتتبلور، في هذه الفترة ووفق متطلباتها، في جبهة واسعة للديمقراطية وإنقاذ الوطن، توحد الأحزاب والمنظمات والتيارات السياسية والاتجاهات الفكرية والشخصيات الوطنية، الراغبة في مواصلة النضال من أجل الديمقراطية، والسيادة الوطنية والتقدم الاجتماعي، والمصممة على متابعة طريق النضال الجماهيري اليومي وتحمل مشاقه –بعيداً عن المؤامرات الإنقلابية لاستعادة الحقوق والحريات الديمقراطية وحشد القوى بمسئولية وطول نفس لمعركة الانتفاضة الشعبية للإطاحة بالديكتاتورية العسكرية، واستعادة إرادة الشعب مقننة في دستور ديمقراطي علماني، يؤمن حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحق الإضراب، وحرية التعبير والعقيدة والضمير، وحرية النشر والصحافة، ويصون حقوق المواطن الأساسية من أي تغول من جانب الدولة.

ولكي ما تقوم هذه الجبهة الواسعة على الوضوح الكامل والثقة المتبادلة لتلبية احتياجات الفترة السياسية، يؤكد الحزب الشيوعي الحقائق التالية:

  • لا يدعي الحزب الشيوعي لنفسه مكانة خاصة أو مميزة في الإطار الذي يستقر عليه تكوين الجبهة. يقدم الحزب الشيوعي تجربته وقدراته، ويتعلم ويفيد من تجارب وقدرات الأطراف التي تقبل الإنخراط في الجبهة.
  • الجبهة مفتوحة لكل الأحزاب والمنظمات والإتجاهات والشخصيات، في شمال البلاد وجنوبها، التي تناضل عملياً وبين الجماهير ووفق هوية واضحة من أجل الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية ومقاومة عسف الديكتاتورية، والتدرج بنضال الشعب نحو الانتفاضة الشعبية للإطاحة بالديكتاتورية العسكرية واستعادة إرادة الشعب، وحماية سيادة الوطن، وتقنين مكتسبات انتصار الشعب في دستور ديمقراطي علماني.
  • تصوغ أطراف الجبهة بحرية تامة ومن خلال تبادل الرأي الصريح، برامجها وخطط عملها، وتصدر قراراتها ومواقفها بإجماع الآراء، ولا يحق لأي طرف منفرد أن يتحدث باسمها أو يتخذ قراراً من خلف ظهرها.
  • إحترام الاستقلال السياسي والتنظيمي والفكري لكل الأطراف المشاركة في الجبهة، وحق كل طرف في مواصلة نشاطه من منبره الحزبي أو الفكري، دون وصاية أو اكراه.
  • يحق لكل طرف بعد الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية واستعادة حقوق الشعب، أن ينسحب من الجبهة ويختار منهجه الخاص به، ومن حق أي طرف أو الأطراف الأخرى مواصلة تماسك الجبهة وتطوير برنامجها وصياغة تكتيكاتها للفترة الجديدة.
  • لضمان مساهمة أفراد القوات المسلحة وبقية القوات النظامية، في النشاط السياسي وممارسة حقهم كمواطنين، تدعوهم الجبهة لمساندة برنامجها ونشاطها بالأشكال والأساليب التي تلائم أوضاعهم، وتتبنى الجبهة برنامجهم الخاص بالإصلاح الديمقراطي للقوات المسلحة وبقية القوات النظامية، شريطة أن لا يفرضوا على الجبهة تكتيكا انقلابياً.
  • لصيانة وحدة الوطن، ومواجهة مخاطر التمزق والنعرة الانفصالية والإقليمية الضيقة، تعترف الجبهة وتصون الحقوق القومية الديمقراطية للأقليات الإقليمية بدء بدعم وتطوير الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب، وتبني الأهداف والمطالب الديمقراطية للتجمعات الإقليمية، واحترام منظماتها التي تعبر بها عن مطامح تغيير وتجديد الحياة في مناطقها.

ويدرك الحزب الشيوعي، أن بناء هذه الجبهة في ظروف ومستوى الحركة الشعبية الحالي، يشكل عملية سياسية وتنظيمية ودعائية طويلة، يعتمد نجاحها على توفر شرطين:

  • أن لا تغرق وتحبس نفسها في جدل عقائدي، بعيدا عن هموم الجماهير وواجبات النضال اليومي، أو ان تتخذ من البحث في تفاصيل وأشكال الحكم بعد إسقاط السلطة، ثغرة للهروب من النضال المباشر. فمن خلال تطوير النضال والممارسة تتوصل أطراف الجبهة للتصور الموحد لشكل الحكم الديمقراطي في المستقبل.
  • أن لا تنحصر جهود تكوين الجبهة في اتفاقيات فوقية بمعزل عن مشاركة الجماهير.

وبما أن تكوين جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن، كتحالف سياسي للنضال، يشكل امتدادا ومواصلة لتجارب شعبنا السابقة لمايو، ومعاناته الدامية خلال ثماني سنوات من المقاومة، فإنها ومن مواقع التكتيكات الدفاعية ومراكمة القوى، تواجه مهام سياسية متقدمة في أربعة ميادين، لتلبية الاحتياجات التي فرضها المنعطف الجديد:

الميدان الأول: التعبئة السياسية الشعبية، وبالامكانيات المتاحة اليوم، لتحويل ما أعلنت السلطة التنازل عنه، إلى مكسب راسخ تأمينا لحقوق الشعب الأساسية: السياسية والاقتصادية.

الميدان الثاني: رفع شعارات حماية السيادة والاستقلال الوطني، بإلغاء تفاقية الدفاع المشترك مع مصر، بوصفها الحماية العسكرية الخارجية للسلطة، وانسحاب السودان من المحاور المشبوهة التي لا تخدم مصالحه ومصالح العرب كمحور الرياض القاهرة، والقيادة الثلاثية مع مصر وسوريا، وميثاق طرابلس، ومنع استخدام الأراضي السودانية كقاعدة لإنطلاق العدوان المصري على ليبيا، ووقف الحرب القذرة ضد الجمهورية الاثيوبية.

الميدان الثالث: تطوير الشعارات التي ظلت تناضل تحتها المعارضة الشعبية من أجل الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية، لتشمل تنظيم حركة شعبية نشطة تفرض على السلطة تعديلات في الدستور:

  • الحد من سلطات رئيس الدولة في الدستور، وحصرها في أعمال السيادة فقط.
  • رفع القيود القانوني التي تحد من الحقوق الأساسية بعبارة في حدود القانون.
  • إلغاء المادة 4 التي تفرض الاتحاد الاشتراكي حزبا واحدا على شعب السودان.
  • إلغاء المواد الدستورية، والقوانين المتفرعة عنها التي تقيد أو تصادر حق وحرية المواطن السوداني في الترشيح لأجهزة الحكم المحلي والإقليمي وجهاز السلطة التشريعية ومنصب رئيس الجمهورية.

استنهاض وتنظيم هذه الحركة الشعبية، وما صحبها من حملات دعائية، يوسع من آفاق العمل السياسي، ويخلق فرصا للنضال القانوني الذي يساعد في جذب أقسام واسعة من الجماهير التي أرغمها الإرهاب الديكتاتوري على السلبية، كما يخلق مناخا سياسيا ملائما لتوعية القوى السياسية والاجتماعية الجديدة التي تفتحت عيونها على النشاط السياسي والاجتماعي والنقابي والثقافي في ظل ديكتاتورية مايو، وما فرضته من هياكل شائهة وممارسة ممسوخة قائمة على الكذب والتضليل ونسخ نضال الشعب. فاختلطت أمام هذه القوى الألوان والقيم، ولم تجد فرصة لتتعرف وتستوعب تاريخ الوطن ومآثر شعبه. هذه القوى الجديدة هائلة الوزن كبيرة العدد متنوعة الروافد، من الجنوب والقطاع التقليدي، وجيل جديد أدركته ثورة أكتوبر 64 وهو يحبو طفلا فطيما.

 

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+