مشروع قانون التأمينات الاجتماعية مثالاً

ضرورة إشراك الرأي العام والمواطنين في مناقشة التشريعات

المهمة ذات البعد المجتمعي

 

رائد فهمي

أقر مجلس الوزراء اخيرا مشروع قانون التأمينات الاجتماعية وأحاله إلى مجلس النواب. ويغطي هذا القانون مخاطر الشيخوخة والمرض والبطالة، وهي العناصر التي يتألف منها نظام الضمان الاجتماعي الشامل. فالقانون يمثل ركيزة أساسية لتحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية والعيش الكريم لسائر المواطنين. لكن أهميته تتجاوز معالجة قضايا تقاعد العاملين في القطاع الخاص والفقر بشكل عام، ذلك انه يؤسس لتضامنات مجتمعية تعزز النسيج الوطني وتوفر قاعدة راسخة لمبدأ المواطنة.

غير أن هذه الاغراض النبيلة المفترضة في قانون تأمينات اجتماعية، تكاد تكون قد غيبت في زوبعة الانتقادات والاعتراضات التي اثارها مشروع القانون من فئات وشرائح اجتماعية مختلفة يصيبها الضرر فيما لو تم تشريع القانون بصيغته المقترحة من مجلس الوزراء.

قبل الاستطراد في عرض أهمية تشريع قانون للتأمينات الاجتماعية نشير الى أن في مقالنا لا نتناول بالنقاش مواد مشروع القانون، فهو غير متاح للرأي العام وغير منشور في وسائل الاعلام، ولم يخضع لدراسة جدية ومتكاملة من قبل الأوساط السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية ومن الأوساط الأكاديمية، بل تركزت المواقف على مواد القانون التي تلغي التشريعات الخاصة وتحدد نسب الاستقطاعات واحتساب الرواتب التقاعدية. الغرض من مقالنا هو لفت الاهتمام إلى أهمية تشريع قانون للتأمينات الاجتماعية وبيان أسباب ذلك، وتأكيد ضرورة أن يخضع مثل هذا القانون قبل تشريعه إلى حوارات ومناقشات مجتمعية واسعة لضمان التوصل إلى اوسع التوافقات بشأنه، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

عودة إلى أهمية مثل هذا التشريع، نوضح ما نقصده بمساهمة قانون للتأمينات الاجتماعية في ايجاد تضامنات اجتماعية؛ تتحقق هذه التضامنات من خلال آليات ووسائل تمويل الضمانات الاجتماعية التي ينشد قانون تأمينها. فالمتطلبات المالية لنظام شامل كالذي يستهدف القانون اقامته لا يمكن ان تغطيها الإيرادات النفطية حصرا، بل لا بد ان يأتي قسم منها من استقطاعات ومساهمات المواطنين والشخصيات المعنوية (الشركات وأرباب العمل) من القطاعين الخاص والعام. وهذه الاستقطاعات تخصص لتمويل صناديق تتولى صرف الإعانات والاستحقاقات للفئات المشمولة بالقانون، أي كبار السن والعاطلين عن العمل والمرضى. وعبر آليات هذا التمويل يتحقق التضامن بين الأجيال: بين من هم في سن العمل ومن تجاوزوا سن التقاعد، بين الأصحاء والمرضى، وبين العاملين والعاطلين. ولهذا السبب يعتبر هذا القانون وامثاله بمثابة شبكة تحفظ تماسك المجتمع، وتدعم السلم الأهلي، وتجسد مبدأ المواطنة.

لذلك فان مثل هذه القوانين التي تؤسس للبناء الاجتماعي الوطني لا بد أن تطرح للمناقشة العامة، وان تقوم الحكومة بعرض كل مشروع وفلسفته وأهدافه ومضامينه وآلياته على الرأي العام ووسائل الإعلام، واثارة نقاش علني بشأنه.

وتتأكد الحاجة الى هذا التوجه عند النظر الى الاعتراضات الجدية وردود الفعل السلبية التي صدرت عن الفئات المشمولة بتشريعات خاصة، نص مشروع قانون التأمينات الاجتماعية المقترح على إلغائها، مثل قانون الخدمة الجامعية، وقانون التقاعد لعام ٢٠١٤، وقانون الخدمة الخارجية وغيرها. وان من الضروري بالطبع التعامل جديا مع هذه الاعتراضات، وصولا إلى معالجات سليمة تأخذ بالمشروعة منها، التي لا تخل بأسس القانون وأغراضه.

ومن المحتمل طبعا أن يصطدم مشروع القانون في صيغته الحالية بمعارضة شديدة من جميع الفئات التي حصلت على امتيازات بموجب قوانين خاصة بها، علما ان معظم هذه الفئات تشغل مواقع مؤثرة في الدولة وفِي المجتمع، ما ينبئ بمسار صعب لهذا المشروع في مجلس النواب.

ولا يزال هناك متسع من الوقت لتقوم الحكومة، ولاحقا مجلس النواب عندما يصله مشروع القانون، بنشر مشروع القانون على نطاق واسع، لكي تجري مناقشته في وسائل الإعلام وفي المنابر الثقافية والاجتماعية والأكاديمية. ومطلوب من الحكومة ايضا ان تقدم عروضا وافية لمشروع القانون وغاياته وفلسفته وآليات تنفيذه المقترحة وتأثيراته على الفئات الاجتماعية المختلفة، وان تطلق حوارات واسعة في شأنه بهدف تحقيق أوسع توافق مجتمعي وسياسي على صيغته النهائية، بما يضمن تشريعه. فهذا القانون يخص الملايين من المواطنين، وله تداعيات اجتماعية واقتصادية ومالية كبيرة، ينبغي توفر الوضوح بخصوصها والعمل على توفير شروطها، لضمان تحقيق الأهداف المبتغاة من تشريع القانون الشامل المنشود للتأمينات الاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحزب الشيوعي العراقي

جريدة "طريق الشعب" ص1

الاحد 27/ 8/ 2017