مفهوم الحداثة الشعبية و حوار الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب العالمية

عبد المجيد مومر

ينطلق تفعيل نتائج حوار الحزب الشيوعي الصيني و الأحزاب السياسية العالمية  من التأسيس لأرضية فكرية متينة مسائلة قلقة ، لا تطمئن لمنطق البديهة و لا تكتفي بحكم المسلمات. أرضية فكرية نقدية تراكم الشك و تمارس وضع الأسئلة الكبرى دون الارتهان للأجوبة الصغرى ذات الأفق المحدود. لأن دور الأسئلة هو خلخلة  وضع " التعاون الجامد "، و العمل الدؤوب لإعادة تشكيل مفهوم ذكي و  متطور لمجتمع ذو مصير مشترك للبشرية و عالم أفضل. و لعل هذا الطموح الخلاق ظهر جليا خلال مراسم افتتاح الاجتماع رفيع المستوى لحوار الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب السياسية العالمية في بكين، حيث  أكد السيد شي جين بينغ الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني على أن مبادرة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية تتحول حاليا من مجرد مفهوم إلى حقيقة. و أوضح كذلك أن فكرة بناء مجتمع مصير مشترك تعني في جوهرها ربط طموحات ومصائر كافة الشعوب والبلدان معا على نحو وثيق، ومشاركة السراء والضراء، وتحويل كوكب الأرض إلى أسرة متناغمة.

و بالتالي يتجسد دور الشباب السياسي المغربي في تدعيم أسس هذا الحوار بشكل لا يكتفي بالتعارف  المؤدي عادة إلى دخول " سجن أحكام القيمة " بل يسعى نحو الابداع  المشترك المعبرعن نبل الأهداف، والتحليل العقلاني المرتكز على وقائع الطبيعة و انتظارات الإنسان. وهو الدورالذي ينبغي أن يمارسه حوار الحزب الشيوعي الصيني و الاحزاب السياسية العالمية ، وفق أهدافه وإكراهات المحيط العام  بحكم الغايات التي يريد أن يحققها من داخله .
و لعل اعتماد " الحداثة الشعبية " كمنظار معرفي قد يفتح وعي الكتلة الناشئة من الشباب المغربي على الرؤية الاستراتيجية لهذا الحوار الذي يتجاوز الإجابة الكلاسيكية على سؤال: ما العمل؟! . فالحداثة الشعبية كتعبير عن الهوية الثقافية و فلسفة المعنى و الانتماء  عند الأجيال الصاعدة ، منطلقها دينامية المجتمع و المؤسسات و تفاعل العلاقات الاجتماعية مع زمن " التقنية و الذكاء الصناعي ". إنها صورة لعادات الوجدان و حركية  العقل حيث أنها قيم مستخلصة من خصوصية الثقافات المحلية ، و هي كذلك قيم كونية تحتضن قدرة الشباب على العمل  المتضامن لرفع التحديات المستقبلية دون تخاذل أو تردد و النضال من أجل مجتمع ذو مصير مشترك للبشرية و عالم أفضل.
 
فلابد من توفر آلية استراتيجية يستطيع معها - و بها - الشباب  معايشة زمن الثورة الصناعية الرابعة عبر وثبة معرفية خاضعة لعملية اكتشاف وبناء مستمرين من داخل وخارج مفهوم الحداثة الشعبية ، لأنه يشكل ذاك الوعاء المعرفي لتطابق الذات المستنيرة مع ميكانزمات " العقل الشعبي " قصد تحرر إرادة الجيل الجديد من معيقات التطور وتعزيز مبدأ التَبَادُل المُتَبَادَل بين الشباب العالمي. و  لإنه أيضا آلية لتمكين الشباب المغربي  من الغوص  العميق في بحر مفهوم مبادرة " الحزام و الطريق "  ، فلا يمكن أن نستمر في التجديف بين أمواج الثقافة العولماتية العاتية دون حوار أحزاب سياسية عالمية متعاونة تدفع العالم باتجاه المضي قدما في نظام العولمة الاقتصادية المفتوحة والشاملة والمتوازنة ومتبادلة النفع، من أجل تحقيق المنفعة لكافة البلدان وخلق حياة أفضل للأطفال في العالم بأسره مثلما أكد عليه السيد شي جين بينغ.
و لأن مفهوم الحداثة الشعبية يرسخ لاستمرارية نقدية مسائلة للأرض الحاملة للخطى والنور البعيد الذي نرنو إليه دون الإصابة برهاب الظلام. فكما الليل الدامس بظلاميته المثقلة للخطى، والباعثة على اليأس و القنوط و الملل ، كذلك  تبعث الأضواء البراقة الكامنة في الأجوبة الصغرى على الزهو الفارغ و النرجسية القاتلة التي تعيش هالتها بعض الأحزاب السياسية وتبني عليها مظلوميتها بل تسميها اغترابها بتلذذ مفرط داخل الشرنقة الخلابة ، و بين ثنايا مظلوميتها تخفي عجزها واتكالها . ثم تنظم الى خانة " العقل المستقيل " الذي يفتح المحيط العام على الدور المجهول في مسرحية التنابز بالألقاب ، في حين أن  الأحزاب السياسية في العالم وجب أن تعمل جاهدة متضامنة على لعب دورها  من خلال المشاركة في بناء سلام عالمي والإسهام في التنمية العالمية وحماية النظام الدولي .
 
فتتبيث دعائم حوار الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب السياسية العالمية يظل في عمقه الفكري المتنور رهينا بالمزيد من التسلح الدائم و الواثق بقابلية التكيف مع المستجد دون الانشداد إلى  انغلاق معرفي و سياسي  لم يسفر إلا على تقوقع يكتفي باستحلاء لحظة الدهشة حين تتوالى صدمات الحداثة. و لا يعني النقد المستمر جلد الذات بل تطويعها بما يخدم قابليتها للتطور، إذ أن بناء وهم الحقيقة المطلقة في تصديق مجريات الأمس أو الثقة الساذجة في المستقبل لن يحشر الذات إلا في وهم طلاء " الغرفة المظلمة"  كل يوم بلون مزاجي . و قد تتعدد الألوان البراقة غير أن " الغرفة "  تأبى إلا أن تظل " مظلمة " تحجب جدرانها القزحية الأفق البعيد ، و تصيب العقل بالعماه السياسي.
 
إن كسب ثقة الشباب  بالنسبة لحوار الحزب الشيوعي الصيني  لا يعني فقط إدعاء الانفتاح على التجارب الحزبية العالمية بل الاستماع العميق لمحتملها، و التبئيرعلى قوة ركائزها، وجعلها المحرك الأساس لكل تعاون دولي من أجل ارتقاء و صعود الشعوب المتأخرة. فعقلية حصول الفائز على كل شيء وإفقار الجار لجاره منهج سيؤدي ليس فقط إلى إغلاق أبواب الآخرين ولكن أيضا إلى وضع العقبات في طرقنا، هذه الأفكار ستعمل على تآكل إمكانيات التنمية الخاصة بكل بلد، وستضر بمستقبل البشرية جمعاء مثلما صرَّح به الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني .
و كذلك فرفع لواء مفهوم  مجتمع ذو مصير مشترك للبشرية و عالم أفضل لا يختزل فقط في ادعاء المسايرة و المواكبة و تقفي آثار الشعوب المتقدمة ، بل هو نقد إواليات المنعطفات التاريخية الكامنة في عمق الثقافات المحلية ، ورصد نقط ضعفها والتركيزعلى مكامن قوتها بما يخلق الإنسجام والتناغم داخل بنية " العقل الشعبي " بشكل يحتفظ له بخصوصيته و يجعل منه آلية مستعدة للمساهمة بفاعلية و فعالية في خوض غمار الحوار من أجل  التطور و العمل المتعاون  على تنمية إدراك الشباب و انفتاحهم المنتج على الأبعاد المتعددة لمشروع "الحزام و الطريق ".
إن نتائج " حوار بكين " وجب أن تجد حاضنتها السياسية الشابة التي تضمن استمرارية تطورها  حتى يستوي عقلها المعرفي بالارتكاز على مرحلة " ما بعد الحوار" و العمل على  ضمان انخراط شباب الأحزاب السياسية  و الانفتاح المُنْتِج على هذه التجربة الحضارية القوية ، كما أن القيادات الحزبية المشاركة في هذا الحوار أصبحت ملزمة بتحيين أدوارها و وظائفها في البحث عن  تفكيك  أبعاد هذه المفاهيم السياسية المتجددة قصد تجويد العمل الحزبي وضمان إفراز رؤيته  الاستراتيجية بعيدا عن الانزلاقات التحريفية  الفاقدة للمرجعية الثقافية و الانتماء الفلسفي .


عبد المجيد مومر الزيراوي
رئيس تيا ر أولاد الشعب بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )