في وداع الراحل فالح عبد الجبار

هكذا عاش

 ولد فالح عبد الجبار في بغداد عام 1946، وعمل في شبابه خلال منتصف سبعينات القرن الماضي، في جريدة "طريق الشعب" حيث عمل محرراً في قسم الأخبار الدولية ثم سكرتير قسم الشؤون العربية والدولية، ولاحقاً سكرتيرا للتحرير. غادر عبد الجبار العراق في بداية عام 1979 الى براغ، بعد الحملة الشرسة التي قامت بها أجهزة السلطة الدكتاتورية لتصفية كوادر الحزب الشيوعي العراقي. ثم انتقل إلى بيروت، ومنها التحق بصفوف حركة الأنصار التابعة للحزب، حيث ناضل في جبال وسهول ووديان كوردستان بسلاحه وكلماته و صوته .

وفي اواسط الثمانينات، غادر الفقيد كردستان متنقلا في عدد من المحطات منها (سوريا، لبنان، المانيا)، وفي مطلع التسعينات استقر في العاصمة البريطانية لندن، حيث نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من كلية بيركبك بجامعة لندن في العام 1999.

وشغل الراحل العديد من المواقع الأكاديمية المهمة، كان آخرها مدير معهد الدراسات العراقية في بيروت، وعمل سابقا محاضرا في إحدى الجامعات في لندن، كما قاد مجموعة بحث المنتدى الثقافي العراقي في كلية بيركبيك التابعة لجامعة لندن منذ عام 1994.

وعمل مديرا للبحث والنشر في مركز الدراسات الاجتماعية للعالم العربي ومقرها في نيقوسيا وبيروت للفترة بين عامي 1983-1990.

وأخيراً، كان يترأس فالح عبد الجبار معهد الدراسات العراقية في بيروت، حتى وفاته المفاجئة في 26 شباط 2018.

 

مجلة " الثقافة الجديدة ":

الدكتور فالح عبد الجبار.. وداعا !

مرة اخرى وعام جديد أبى إلا ان يفتتح مواسمه بأخبار محزنة.

ففي فجر السادس والعشرين من شباط (الشهر المشؤوم)/ 2018 غادرنا في رحلته الأبدية المفكر وعالم الاجتماع والشخصية السياسية والأكاديمية المرموقة الدكتور فالح عبد الجبار إثر "جلطة قلبية". هكذا إذن رحل بُغتة وهو في اوج نضجه الفكري وعطائه المعرفي يخوض معاركه من اجل التغيير والحداثة. لذا فان هذا الرحيل المبكر يشكل خسارة كبيرة للثقافة الوطنية والديمقراطية العراقية ولنا نحن اصدقاءه وقراءه وأحبته الكثر.

ظل د.فالح عبد الجبار منذ عدة عقود يخوض معاركه الفكرية والبحثية دون كلل، ولم يتعب من التفكير والاجتهاد في كل الميادين والمواضيع التي اشتغل عليها. وقد أدرك د.فالح، ومنذ وقت طويل، "أن الثقافة بُعدٌ من أبعاد السلطة، وأن للمثقف، بوصفه حاملاً ومنتجاً للمعرفة، دوراً يلعبه في عملية التغيير، لكنه أدرك، في الوقت نفسه، أن النضال الثقافي وحده لن يحقق التغيير" وهكذا افتتح الفقيد مسيرته الثقافية والفكرية والنضالية الوطنية في احضان الحزب الشيوعي العراقي.

لقد عرفنا نحن في مجلة (الثقافة الجديدة) الراحل الكبير د.فالح عبد الجبار، سواء في عمله في تحرير المجلة أو في كتاباته الثرّة التي كانت ينشرها في المجلة وفي أماكن اخرى، مفكرا أصيلا يعرف صنعته جيدا فلا يرتكن الى "المسلمات" والأجوبة الجاهزة، بل كان على الدوام - كمفكر وباحث وعالم اجتماع مرموق - يعيش قلق الأفكار ويطرح الأسئلة باحثا عن المزيد من المعرفة. وكانت عادة البحث الدائمة عند د.فالح لاكتشاف مناطق جديدة من المعرفة، في مختلف الحقول التي مرّ عليها، ودفاعه عن الفكر الحر النقدي بعيدا عن الوصفات الجاهزة، أن قدم مساهمات نظرية جدية في الفكر والسياسة وعلم الاجتماع .. الخ. وقد ظلت تلك الأطروحات تثير المزيد من الحوار والنقد الاختلاف أيضا، لجديتها وأهميتها، لهذا يتعين وضعها في إطارها الصحيح. وبرحيله ينكس البحث العلمي الاصيل قامته، وبفقده نودع وبغصة عميقة في قلوبنا احد النجوم الكبيرة التي تلألأت لعقود في سماء السياسة والفكر والعلوم الاجتماعية، نودع مفكرا أصيلا وعالما كبيرا وباحثا جادا كان يمتلك الكثير من عمق المعرفة وجدية الأدوات المنهجية والتحليلية.

ان حياة الدكتور فالح، على امتدادها الواسع، كانت حافلة بالعطاء في العديد من ميادين المعرفة المختلفة، درسا كبيرا لأجيال عديدة من اصدقائه وأحبته وتلامذته، وعزاؤنا ان الفقيد الكبير ترك لهؤلاء، وغيرهم أيضا، إرثا طيبا من المنجز البحثي والمعرفي، ومن المواقف الأصيلة والذكريات الطيبة والسلوك الإنساني الرفيع والروح الشفيفة سيظل يتحدث عنه، ويذكر به، ويبقيه حياً دائم الحضور بيننا.  فقد كان باحثا ماهرا يعرف صنعته جيدا بما قدمه من إبداع أصيل ومنجز بحثي مهم، سيظل محفورا في الذاكرة الجمعية. ورغم رحيله المبكر والمفاجئ سيظل فالح يشاركننا جلساتنا وصخبنا وأحلامنا وآمالنا واختلافاتنا حول الطرق الجديدة غير المطروقة ... فالاختلاف كالحراثة في الأرض، تجرحها سكة المحراث ولكنها تمنحها العافية والغلال.

فالح....نحن أحبتك ورفاقك وأصدقاؤك، في رحيلك الأبدي نضع باقة وردة حمراء على مكتبك، وفي هذه اللحظات نودعك وداع المحبين الخلّص ونضع على قبرك باقة ورد ندية مثلك، نقية كنقاء قلبك العليل، لن نراك بعد اليوم جسدا، لكنك ستعيش معنا في كل لقاء وفي مختلف المواقع، أو في جلسات سمر، تحولها كعادتك الى مساحة حوار فسيح حول قضية جادة، مثيرا جدالا لا ينتهي حتى حول أبسط التفاصيل.

لن ننساك يا " أبا خالد " لأنّ الورد يظلّ يعبق برائحة الحياة ولا يشيخ.

وما عسانا ان نقول الآن سوى: فالح.. لقد خسر معك الموت لعبة المفاجأة.. ولكنك باق أنت بين أجمل مثقفي العراق الديمقراطي لا عراق الحروب والقيامات ومتاريس المتحاربين والمتحاصصين في ان.

(الثقافة الجديدة) وهي تودع د.فالح عبد الجبار، تعزي زوجته الرفيقة د. فاطمة المحسن وأبناءه وأسرته و جميع اهله ورفاقه وقرائه ومحبيه مثلما تعزي نفسها بهذا المصاب الكبير، راجية للجميع الصبر والسلوان.

الذكر الطيب دوما للفقيد الكبير د.فالح عبد الجبار !

وداعاً أبا خالد ! فبعدك لن يكتمل النصاب.

(الثقافة الجديدة)

26/2/2018

 

الشيوعي الكردستاني

ينعى فالح عبد الجبار

نعى الحزب الشيوعي الكردستاني، الفقيد فالح عبد الجبار، الرفيق المبدع والمفكر الكبير وصديق الشعب الكردستاني الوفي. وفي ما يلي نص برقية النعي:

ينعي المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكردستاني رفيقا عزيزا ومبدعا ومفكرا كبيرا وصديقا وفيا لشعبنا الكردستاني فالح عبد الجبار الذي وافته المنية صباح هذا اليوم في بيروت اثر نوبة قلبية. يعتبر فالح عبد الجبار من المفكرين الماركسيين الذين كتبوا في مجال علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وقد أغنى المكتبة الاشتراكية عبر دراساته العميقة المتسمة بالبعد النظري بالارتباط مع واقع المنطقة سواء في العراق وكوردستان والشرق الاوسط عموما، مركزا على الخصوصيات التاريخية لهذه المنطقة وخلفيات تطور الظواهر الاجتماعية فيها وما يتعلق بمفاهيم الاثنية والقومية والدولة، والاسلام السياسي، اضافة الى اسهاماته العميقة من خلال عرض فرضياته عن الاشتراكية في زمن انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، باعثا الامل كغيره من المفكرين الماركسيين الثوريين بضرورة دراسة التجربة وتقيمها، ومؤكدا بأن الرأسمالية ليست نهاية المطاف، واضاف الى المكتبة الماركسية ترجمته الغنية والدقيقة لمؤلف (رأس المال) لكارل ماركس.

اضافة الى مساهماته في ميادين الصحافة في بداية السبعينات في بغداد، شارك فالح عبد الجبار في صفوف بيشمركة الحزب الشيوعي في جبال كوردستان مناضلا ضد الديكتاتورية، وكرر موقفه المبدئي من حق شعبنا الكردستاني في تقرير مصيره في المساهمة الفكرية التي عقدت بداية شهر ايلول 2017 في السليمانية في الندوة المقامة بمناسبة الاستفتاء في كوردستان وذلك في دراسته حول بناء الامة وبناء الدولة، حيث طرح بشكل اكاديمي وجهة نظره، مبينا في مناقشاته الاخيرة حول هذا الموضوع بانه سيكون ـــ ومهما كانت النتائج ـــ مقاتلا في الجبهة الامامية مع البيشمركة دفاعا عن كوردستان.

لك المجد ايها الرفيق العزيز، ولرفاقك واصدقائك وعائلتك العزة والفخر.

المكتب السياسي

الحزب الشيوعي الكوردستاني ـ العراق

26 شباط 2017

 

 

الرئيس معصوم يعزي

بعث سيادة رئيس الجمهورية الدكتور فؤاد معصوم رسالة تعزية  يوم الاثنين 26/2/2018، الى عائلة المغفور له عالم الاجتماع والشخصية الوطنية الدكتور فالح عبد الجبار. وفي ما يلي نص الرسالة:

الى السيدة فاطمة المحسن وعائلة الفقيد المغفور له عالم الاجتماع الدكتور فالح عبد الجبار المحترمين

تلقينا بحزن عميق نبأ رحيل الشخصية الوطنية والباحث وعالم الاجتماع المرموق الدكتور فالح عبد الجبار.

واذ ننظر باعتزاز الى مسيرته المديدة في العمل السياسي والفكري، وإلى انجازاته القيمة متجسدة في كتاباته السياسية والاجتماعية خلال فترة هامة من تاريخ العراق المعاصر، ودأبه على نشر وترجمة العديد من النصوص والدراسات الفكرية المتميزة، فاننا نتقدم بأحر مشاعر العزاء لكم وكل العائلة الكريمة ومحبي الراحل وعارفي مكانته، سائلين المولى القدير أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يلهم عائلته الصبر والسلوان.

 

مواساة

وزير التعليم العالي

نعزي الوسط الأكاديمي والثقافي برحيل المفكر العراقي الدكتور فالح عبد الجبار الذي سطر علما ومصنفات مهمة في المتن الاجتماعي والسياسي.

ونعرب عن مواساتنا الحارة لمحبيه وأسرته بهذا المصاب ونسأل الله أن يلهم ذويه وافر الصبر وحسن العزاء.

إنا لله وإنا إليه راجعون

الدكتور عبد الرزاق العيسى

وزير التعليم العالي والبحث العلمي

 

نعي وزير الثقافة

تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة المفكر العراقي الكبير فالح عبد الجبار الذي حفلت مسيرته العلمية والثقافية بالتألق والإبداع ،حيث ترك لنا ارثاً زاخرا بأبحاثه الخاصة بدراسة الفكر السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط من خلال أعماله التي تناولت، الدين، دور القانون، الصراع الديني والمجتمع المدني وغيرها الكثير، وبرحيله خسر الوسط الثقافي احد عمالقته الكبار ولكنه سيبقى خالدا بيننا بأعماله وإبداعه.

أنا لله وأنا إليه راجعون، العزاء لأسرة العالم الكبير وللوسط الثقافي، داعياً الله أن يتغمده برحمته الواسعة ويدخله فسيح جناته ويلهم أهله الصبر والسلوان.

فرياد رواندوزي

وزير الثقافة والسياحة

 

الديمقراطي الكردستاني يواسي

عزى المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، بوفاة عالم الاجتماع الدكتور فالح عبدالجبار، عبر برقية جاء في نصها:

الى عائلة المغفور له باذن الله عالم الاجتماع والمفكر العراقي الكبير المرحوم فالح عبدالجبار

بقلوب حزينة تلقينا خبر وفاة المفكر وعالم الاجتماع العراقي فالح عبدالجبار عن عمر يناهز 72 عاما اثر وعكة صحية مفاجئة، ونحن اذ نعزي أنفسنا برحيل علم جديد من أعلام الفكر والثقافة الانسانية وصديق وفي للشعب الكوردي المناضل، ندعو من الله عز وجل أن يرحم فقيدنا ويرزقه جنة الرضوان ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان ...

المكتب السياسي

للحزب الديمقراطي الكوردستاني

 

 تعزية الاشتراكي اليمني

 عزى الامين العام للحزب الاشتراكي اليمني الدكتور عبد الرحمن عمر السقاف بوفاة عالم الاجتماع العراقي والمفكر الماركسي فالح عبد الجبار الذي وافته المنية امس الاثنين.

وبعث الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني برقية عزاء ومواساة إلى أسرة فالح عبدالجبار، وفيما يلي نص البرقية:

الأعزاء أسرة الفقيد فالح عبدالجبار

 اسمحوا لي أن أتقدم إليكم بخالص العزاء والمواساة برحيل المفكر وعالم الاجتماع فالح عبدالجبار.

ونحن إذ نعزيكم وأنفسنا بهذا المصاب الأليم فإننا على ثقة ويقين بأن فكر ونضال الفقيد سيظل مشعلا متقدا ينير طريق المناضلين التقدميين والباحثين عن المعرفة العلمية والمتطلعين إلى العدل الاجتماعي والعيش المشترك في العالم العربي.

الرحمة والخلود للفقيد.

 د. عبد الرحمن عمر السقاف

الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني

الثلاثاء 27 فبراير 2018م

 

خسرنا فيه باحثا ومفكرا متميزا

 د. سعد عبد الرزاق

 فالح شخصية متميزة للغاية. تعرفت عليه في لندن عندما شكلنا "المنبر الثقافي" في بداية تسعينات القرن الماضي، ويرجع له وحده الفضل الأول لكل نشاطاتنا في المنبر، وهي نشاطات عديدة تتعلق بندوات حول اهم القضايا العالمية في ذلك الوقت،  وقد ابتدأها  بندوة "ما بعد الماركسية"، التي صدر عنها كتاب باللغتين العربية والانكليزية. وبالرغم من امكانياتنا البسيطة، فقد تمكن المنبر من القيام بكثير من النشاطات المهمة.  وفي عام ٢٠٠٧ طلب مني فالح ان اشاركه في برنامج معني بتأهيل خريجي البكلوريوس والماجستير من الجامعات العراقية، حيث كانت الفكرة أن هؤلاء الخريجين يعانون من نقص في المنهج العلمي للدراسات الاجتماعية والانسانية.  وهكذا قمنا بوضع برنامج واسع استمر  ثلاث سنوات، وحقق نجاحاً كبيراً.  وخلال هذه الفترة تعرفت على فالح عن قرب. كان يتمتع بنشاط مفرط ومواصلة في تتبع القضايا الفكرية الاساسية التي تواجه العراق والعالم الثالث، ومحاولة تحليلها وتفسيرها.

وكانت هذه تأخذ منه معظم ساعات النهار، ولا ابالغ إذ قلت أنه كان يتواصل في دراسة هذه القضايا لأكثر من ١٠-١٢ ساعة في اليوم.  وربما  تثبت ذلك المؤلفات العديدة التي خلفها .

لقد خسر الفكر الاجتماعي العراقي باحثاً ومفكراً متميزاً، في فترة دقيقة تحتاجها بلادنا لتحليل وتفسير الكثير من القضايا التي تخص مجتمعنا وعلاقاته المعقدة.

وخسرت انا صديقاً وفياً ليس من السهولة تعويضه.

 

 

فالح عبد الجبار

اختار وطنه للكتابة لا للإقامة

 بيروت - حازم الأمين

مات فالح عبد الجبار مساء أول من أمس في بيروت لا في بغداد ولا في لندن. فالح بقي منشغلاً بوطنه العراق على رغم أنه، وخلافاً لآخرين قرروا العودة بعد سقوط صدام حسين عام 2003، قرر أن لا يعيش فيه. ربما شعر بأن هذا ليس عراقه، وبأن هذا العراق هو موضوع لبحثٍ ولدراسة، لكنه لا يصلح اليوم لأن يكون موضوع حياة. مات في بيروت، المدينة التي كان قد وصلها في أواخر السبعينات ثم ما لبث أن غادرها إلى مغتربات أوروبية، ليعود إليها بعد عام 2003 لأنها أقرب إلى بغداد التي بقيت مادة توتره ومولد طاقته إلى العمل وإلى مؤلفاته وكتبه عنها. كتب بالإنكليزية مؤلفات نشرها في لندن، وأخرى بالعربية، من بينها: "الديموقراطية المستحيلة– حالة العراق"، "معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي"، "الدولة والمجتمع المدني في العراق"، "العمامة والأفندي".

في ربيع 2003 التقيت في بغداد فالح عبد الجبار، وكنت قصدت المدينة كصحافي لتغطية الحرب وما أعقبها بعد سقوط صدام حسين، وكان فالح قد جاءها كعراقي غادر بلده في أعقاب هجرة الشيوعيين العراقيين القسرية، وبرفقة فالح كانت الكاتبة فاطمة المحسن زوجته ورفيقة الهجرة والحزن العراقيين. يومها بدا لي فالح، المؤرخ والباحث والكاتب، صحافياً أيضاً، ذاك أننا ترافقنا معاً في رحلات إلى مدن الفرات الأوسط في العراق، أنا بهدف رصد ما أحدثه سقوط النظام في هذه المدن، وفالح لرصد ما تبقى من بنى عشائرية ومذهبية بعد سنوات القمع البعثي. كان في هذه الرحلات صحافياً أكثر مني، ذاك أنه انشغل كباحث بما يشغل الصحافيين، وراح يرصف لنا الوقائع الصغرى بصفتها مؤشراً لتحولات كبرى ليست بعيدة عن الحدث. زرنا، فالح وأنا، في حينه مقتدى الصدر في منزله في النجف، وفالح إذ راح يعاين وجه الوريث، لم يتردد بسؤاله عما اعتقد فالح أنني تعثرت بالسؤال عنه.

والأيام التي أمضيناها في بغداد وكربلاء والنجف أشعرتني بأن للرجل همة الصحافي ومنهج الباحث وعقل المؤرخ، وهذا ما مكنني أنا رفيقه في تلك الرحلات من كتابة سلسلة من التحقيقات عن الظاهرة الصدرية بصفتها حدثاً لم يكن في متناولنا نحن الذين عرفنا العراق من خارجه. وفالح الذي كان مهجوساً بالعشيرة والقبيلة بصفتهما الركيزة النواة في الظاهرة السياسية العراقية، كان هو من فسر لنا الصدرية بصفتها ظاهرة الأفخاذ العشائرية النازحة من أقصى الجنوب العراقي، كالناصرية والعمارة والبصرة، إلى بغداد، فأقامت في مدينة الصدر (مدينة صدام سابقاً)، وألف لها السيد محمد صادق الصدر (والد مقتدى) كتاب "فقه العشائر"، الذي مثل وفق فالح دستوراً للعلاقة بين العشائر والمرجعية الشيعية.

ولعل فالح الذي انتقل من الماركسية إلى الليبرالية من دون أن يكون هذا الانتقال صدامياً، احتفظ من ماركسيته بحس الباحث الاجتماعي، وتخفف من البعد الحداثوي التبسيطي الذي سقط فيه غيره من المنتقلين إلى الليبرالية. فالطوائف والقبائل بقيت في صلب اهتمامه بصفتها وحدات سياسية ارتبط بها الكثير من الأحداث السياسية. المجتمع، وفقهه، ليس ترسيمة نظرية حديثة بل هو هذه الوقائع الثقيلة، وهو عندما توجه إلى بغداد فور سقوط صدام تقدم حس الباحث في خطوته حسّ المبعد عن وطنه، فكان متحفزاً لرصد ما فاته من انهيارات.

وفي غمرة عودة الباحث إلى وطنه في ذلك العام، اصطدم مع غيره من العائدين بعراقٍ آخر غير الذي غادروه، فيومها كان فالح وفاطمة والراحل جلال الماشطة عادوا إلى بغداد لملاقاة من غادروهم، فإذا بهؤلاء وبعد سنوات البعث والحرب والحصار أناس آخرون. صديقتهم في الحزب وفي جريدة الحزب وصلت إلى الفندق لملاقاتهم ليكتشفوا أنها محجبة، ويومها ردت على دموعهم بأن ذكرتهم بأنهم غادروها، وأن الحياة في ظل الحصار لم تعد ممكنة من دون حجاب.

 

 "الحياة" اللندنية

٢٧ شباط ٢٠١٨

 الموت المعلن لفالح عبد الجبّار *

 عدنان حسين

هذا موت لا يليق بالتأكيد، بعمرِ فالح عبد الجبار ولا يناسبه، إذْ يدهمه وهو في ذروة شبابه البحثي وفي عنفوان نضوجه الفكري، وثمّة ما كان في الانتظار ليكتمل ويُنجز في مشروع معرفي/ أكاديمي متميّز.

لكنّه موت، بصورته وصيغته المنقولة على الهواء مباشرة، يليق بفالح عبد الجبار، إذ يعصف به وهو يقف شامخاً عند منصّة المعرفة والعلم، يسترجع تاريخ وطنه وشعبه وينطق بالحكمة أمام كاميرات التلفزيون .. إنه موت معلن ومباشر، كبير الشبه بموت المحاربين الأشدّاء في ساحات الوغى، فلِما يزيد على نصف قرن كان فالح، في نشاطه السياسي والمعرفي، مقاتلاً جريئاً من أجل الحرية والمدنية والتحضُّر والديمقراطية.

قبل يوم من "حادث الاستوديو" الذي انتهت به حياة صديق العمر فالح عبد الجبار، كان يُخبرني في اتصال هاتفي بأنه يعدّ العدّة للسفر بعد يومين إلى بودابست كيما يشارك في ندوة أو حلقة دراسية، ثم يعود إلى بيروت لينتقل بعدها إلينا هنا في بغداد .. كان، كعادته، شديد الحماسة لتتبّع اتجاهات المشهد السياسي العراقي وكتابة تقرير عنه عشيّة الانتخابات البرلمانية وغداة تفتُّت الكتل التي هيمنت على هذا المشهد وعلى العراق، لأربع عشرة سنة متّصلة، فكان أنْ تسبّبتْ بالكثير من المِحن والكوارث... سألني عن هذا وذاك من قادة الكتل وكيفية تأمين تنظيم اللقاءات بهم لزوم التقرير الذي كان سيُعدّه باللغتين العربية والإنجليزية، وتواعدنا.. لكنّه سيخلف الميعاد هذه المرّة على غير عادته.

منذ سنوات عانى فالح من تعب القلب، وفي السنة الأخيرة واجه أكثر من موقف كاد فيه أن يسقط مغشيّاً عليه .. لم يشأ فالح أن يرأف بقلبه المُنهك بجدّيته في البحث والتقصّي وبصرامته في التدقيق والتمحيص وبإخلاصه لقضيّة العراق... لم يرغب في أن يستمع إلينا ونحن نسأله، بحبّ وتوجّس، أن يخفّف الوطء بعض الشيء، من أجل قلبه ومن أجل مشروعه المعرفي ومن أجل محبّيه: فاطمة المحسن وابنته فيروز وولديه خالد وعلي ونحن، بيد أنه لم يُرد أن يتمهّل نزولاً عند أحكام العمر، فظلّ، حتى في أوقات وعكاته الصحية المتواترة، يعمل مثل بلدوزر لا ترتاح إلا قليلاً لتعاود عملها الشاقّ الدؤوب بحيوية متصاعدة ومتواصلة.

ترك لنا فالح عبد الجبار مكتبة عامرة بالمؤلفات والمترجمات الرصينة التي ستبقي عليه حيّاً، مراجع ومصادر موثوقة للباحثين وطلّاب المعرفة والمؤرخين.

ويترك لنا فالح سيرة إنسانية ووطنيّة غنيّة: كاتباً وصحفيّاً نشرت كتاباته الصحف والمجلات الرصينة في العراق ولبنان ومصر وبريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى، فضلاً عن مؤلفاته في السياسة وعلم الاجتماع. ولم يتوانَ فالح أيضاً عن الالتحاق بحركة المقاومة الفلسطينية في أواخر ستينيات القرن الماضي وكذلك في الثمانينيات التي أمضى بعضها نصيراً شيوعيّاً في كردستان العراق.

ما أوجع موتك المبكِّر .. صديقي فالح عبد الجبار!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*"المدى"

 27شباط 2018

 

 مؤلفاته

 تخصص الدكتور فالح عبد الجبار بدراسة الفكر السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط، وتتناول أعماله: الدين، دور القانون، الصراع الديني والمجتمع المدني.

واجتهد في نشاطه البحثي والعلمي، وصدرت له مؤلفات عديدة، وترجمات لمؤلفات مهمة.. أبرزها:

(الدولة والمجتمع المدني في العراق، الديمقراطية المستحيلة- حالة العراق، معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي، المادية والفكر الديني المعاصر، بنية الوعي الديني والتطور الرأسمالي (أبحاث أولية)، فرضيات حول الاشتراكية، المقدمات الكلاسيكية لنظرية الاغتراب، ما بعد ماركس، القومية: مرض العصر أم خلاصه؟،).

وكان آخر نتاجاته في عام 2017 (كتاب الدولة - اللوياثان الجديد)، و(كتاب دولة الخلافة- التقدم إلى الماضي- داعش والمجتمع المحلي في العراق).

ومن أبرز مؤلفاته التي يتداولها القراء بكثرة هو كتاب (العمامة والافندي)

وله من الترجمات: (الاقتصاد السياسي للتخلف، موجز رأس المال، رأس المال، نتائج عملية الإنتاج المباشرة). ومن أشهر ترجماته هو مؤلف رأس المال الضخم، الذي عكف الدكتور فالح على ترجمته عن الألمانية طيلة 10 سنوات، حتى صدر في العام 2015.

وللفقيد أيضاً، مؤلفات صدرت باللغة الإنكليزية.

 

الفكر الاجتماعي العراقي.. في حداد مفتوح طويل..! *

 


الدكتور فارس كمال نظمي

في هذه الساعات القاتمة، تظل كلماتنا باردة ومعانينا موحشة أمام نبضات شرايين فالح عبد الجبار التي لا تزال دافئة تريد التشبث بلغز الحياة التي غادرها مبكراً، ليترك ظلاله عميقاً في أسلوب تفكيرنا حيال الجدليات المتشابكة للواقع العراقي.

فلا أظن أن أي باحث اجتماعي مهموم بأوجاع العراق، إلا وشعر صبيحة هذا اليوم 26 شباط 2018 أن جزءا ثميناً من ذاكرته المفاهيمية والرؤيوية قد مات أو فُــــقــِد أو تيتّم بشكل أو بآخر عند سماعه نبأ رحيل فالح عن عالمنا، عن عراقنا الذي لا يزال يحق له أن يفاخر - من بين أشياء قليلة باتت تستحق التفاخر- أن فيه ثمة مفكرين قادرين على استيعاب مآسي بلدهم وكوارثه في نماذج فكرية متينة وهادئة ومنفتحة ومشبعة بفضيلة الأمل وأنوار المستقبل، على غرار ما فعل هذا الفاعل الاجتماعي العميق طوال رحلته العقلية المضنية، من الخلايا الحزبية الحالمة بالتغيير إلى الأكاديميات المتقصية لشروط التغيير.

فالح عبد الجبار كان يعمل بطاقةٍ مؤسسية لا بطاقةٍ فردية، إذ ظل حريصاً طوال مشواره الفكري أن لا يتصدى إلا للقضايا المجتمعية الملتبسة ذات الجذور المتعددة المستويات، وذات المخرجات العملية المتداخلة الدلالات في آن معاً. ولذلك ملأ زمانه، وسيظل يملأ زماننا الحالي والقادم، لأنه ببساطة "جازفَ" بمقاربة الكليات السوسيوسياسية، ونجح في تأطيرها عقلياً في كل مرة، حتى حين كان يوغل في الجزئيات والتفاصيل. حقق كل ذلك مرة واحدة ودفعة واحدة: التأليف الفردي، والمداخلات العامة، والبحث الجماعي، وتأسيس المشاريع الأكاديمية، وإطلاق مشاريع النشر والترجمة.

فالح عبد الجبار ظل يسارياً وهو في أقصى حالات نقده للماركسية وانفتاحه على مدارس علم الاجتماع الأخرى، إذ لم يغادر أبداً فرضية أن الفكر العلمي الأكاديمي ليس ترفاً معرفياً محايداً، بل له غائيته الساعية لتغيير التاريخ إلى وضع أكثر عقلانية في علاقة المحكومين بالحاكمين، وفي اعتماد أسس منصفة لإعادة توزيع الثروة، وفي إمكانية أن يتدخل (أي الفكر العلمي) دوماً لبلورة وعي سياسي جماعي متقدم عبر التأثير في العوامل المادية المنتجة لذلك الوعي، لا سيما من خلال التأثير الإيجابي في نسق العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالناس قابلون دوماً للتغيير بفعل السياقات المستجدة، أي مرشحون دوماً لإعادة إنتاج ظروف حياتهم بما يجعلهم أقرب إلى إشباع حاجاتهم المشروعة المستلبة، وهنا على الفكر العلمي أن يسهم في استكشاف هذه السياقات والعمل على إنضاجها.

وهو في يساريته هذه ظل عقلانياً وامبريقياً، على نحو فريد، إذ زاوج بهدوء وسلاسة بين التفكير العلمي والنزعة الأخلاقية دون أن يُفسِد أياً منهما، بل تلاقحا حد التماهي. فكانت بصمته التي ستبقى ماثلة في الثقافة العراقية: إنه المفكر المهموم بقضايا المستضعفين، دون أن يفقد ارستقراطيته الأكاديمية.

رحل فالح عبد الجبار تاركاً أسئلة طازجة كثيرة كان قد وعدنا بتقديم إجابات وافية عنها عبر مشاريعه التي لم تعرف الكلل أو الإحباط يوماً، إذ غادر مسرعاً منصاعاً لفكرة الموت البيولوجي السقيم والعبثي. وإذا كان قد ترك شيئاً جوهرياً لا يصدأ في عقول مجايليه وتلاميذه وقرائه، فإنه سيحقق حيزاً مؤكداً وثابتاً له أيضاً في ذاكرة الباحثين الشباب القادمين ممن سيجدون في مؤلفاته ومحاضراته ومقابلاته المتلفزة رصيداً مدهشاً لا ينضب، يتعلمون منه كيف يمكن استيعاب مجمل التطور الاجتماعي الغامض التكوينات والغايات، ببضعة مفاهيم آسرة كان وحده يجيد مزجها ببعضها على نحو تفسيري يبطل سحر المعطيات الكلية المعقدة.

أقولُ أخيراً.. وبهدوء وحزن وإشراق.. أن رحيل قامة لا تتكرر كفالح عبد الجبار قبل أوانه، مغترباً خارج وطنه رغم التصاقه الروحي به، ودون إسناد أو تقدير كافيين من مؤسسات بلده، تجعلني أسترجع بأسىً القيمة الكبرى التي لطالما التصقت بكبار المفكرين الاجتماعيين: قيمة الوفاء لمجتمعهم وناسهم وذكرياتهم الأولى رغم كل شيء. وببساطة، كان فالح وفياً لأفكاره وللعراقيين الذين أحبهم كثيراً، ولذلك فإنه ككل الكبار رحل ليبقى أبداً..!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 نقلا عن صفحة الكاتب في الفيس بووك

 

خسارة لا تعوض

عبدالرزاق الصافي

نزل خبر رحيل الرفيق فالح عبدالجبار نزول الصاعقة على جمهرة أصدقائه ومحبيه ورفاقه، نظراً للمكانة التي يحتلها في قلوبهم، ولما كانوا ينتظرون ان يتم على يديه من انجازات ثقافية وفكرية في مجال علم الاجتماع. فقد كان في عز نشاطه العلمي والنضالي.

لقد بدأت مسيرة الفقيد في طريق الشعب منذ صدورها في 16 أيلول 1973 حتى إغلاقها في أيار 1979. فقد كان أحد ألمع محرريها.

وحين اضطر الحزب الشيوعي الى الانتقال الى المعارضة، إثر الحملة الوحشية التي شنها حكم البعث الفاشي المقبور في العام 1978 وما بعده. واللجوء الى الكفاح المسلح، لم يتخلف عن الالتحاق بفصائل الانصار الشيوعيين، وانخرط في صفوف الاعلام الحزبي في جبال كردستان ولم يكتف بالإسهام فيه بفعالية كبيرة، وانما شفع ذلك بنشاط علمي مرموق في مناقشة طروحات الاسلام السياسي اللاديمقراطية. وواصل ذلك فيما بعد، عند توقف الحركة الانصارية. وانتقل الى بريطانيا حيث كرس وقته لمواصلة نشاطه العلمي ودراسته الاكاديمية. وحصل على شهادة الدكتوراه بجدارة عالية أهلته لأن يكون أحد أنشط العاملين في مجالات الدراسات العليا في علم الاجتماع. واصبح قطباً مرموقاً فيه. وأغنى المكتبة العربية والانكليزية بالعديد من المؤلفات التي كتبها منفرداً او الندوات والدراسات التي شارك في اقامتها مع العديد من الكوادر العلمية المرموقة من عراقية وعربية وعالمية. وتبوأ مكانة مشهورة بينها.

وكأستاذ جامعي أسهم كثيراً في إفادة طلبته في مجال علم الاجتماع في بريطانيا فيما يتعلق بالوضع العراقي.

وكانت آخر مبادراته المبدعة في نشاطه العلمي إنشاؤه منظمة للدراسات الاستراتيجية في بيروت قامت بنشاطات مرموقة، وفي اعداد دورات علمية لكوادر عراقية. ولم تشغله كل هذه الاعمال والنشاطات عن متابعة ما يحدث في العراق الذي كان شغله الشاغل ودراسته وتقديم المساهمات العلمية والعملية الجادة لمعالجته.

ولا يسعني في هذه العجالة ان احيط بكل نشاطات الفقيد العلمية والنضالية الكثيرة التي تتيح لي القول بثقة وألم ان فقدانه خسارة لا تعوض.

تعازينا الحارة لزوجته السيدة فاطمة المحسن وابنته فيروز وولديه خالد وعلي ولكل محبيه ولرفاق دربه.

 

وداعاً فالح عبد الجبار

سلم علي

توفي صباح اليوم العالم والباحث العراقي البارز د. فالح عبد الجبار في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت إثر نوبة قلبية.

انها صدمة مؤلمة وخسارة كبيرة لا تعوض لكل رفاقه ومحبيه.. ولحزبنا الشيوعي العراقي الذي ارتبط به الفقيد منذ بواكير شبابه وبقي على صلة وثيقة به حتى رحيله المفاجئ.

تميز بجرأته الفكرية ومساهماته الفلسفية وابحاثه الرصينة التي ستبقى معيناً لا ينضب لكل المناضلين من اجل تحرير الانسان من أغلال الجهل والتخلف والاستغلال.

تعازينا الحارة لعائلته واولاده وللعزيزة فاطمة في مصابهم الأليم .. قلوبنا معهم.

الذكر الطيب دوماً لفقيدنا الغالي أبو خالد

 

لم يمهلني موتُه العاجل أن ألتقيه للمرةِ الأولى!

فارس حرام

كان أوّل اتصالٍ مباشر منه (خارج حدود تعليقات الفيسبوك المتبادَلة والإيميلات الجماعية) عندما بعثَ برسالة إليَّ قبل سنتين يطلب فيها سيرتي لغرض ترشيحي وزيراً للثقافة في مشروع حكومة التكنوقراط الذي لم يرَ النور، هكذا ومن دون مقدمات!

رسالة أخرى أرسلها بعد شهورٍ يدعوني فيها الى مؤتمر عن الاحتجاج في العراق يقام ببيروت، وقد أخبرنا حينها أنه سيحضر المؤتمر قادماً من أربيل، ولكنّ عارضاً صحيّاً منعه عن المجيء فخسرتُ فرصتي بلقائه الأوّل. ثم توالت الرسائل بيننا، وهدايا كتبه وبحوثه. حتى فاجأني قبل شهور قليلة بصوته في الهاتف ذات صباح، يدعوني فيه الى حضور جلسته في اتحاد الأدباء ببغداد، وكان ذلك الصباح من أجمل الصباحات التي لا تُنسى، فكتبتُ منشوراً خاصاً بهذا الاتصال في الفيسبوك أعتذر فيه عن الحضور لسبب قاهر. وهكذا خسرت من جديد فرصة لقائه الأوّل. والآن أخسر هذه الفرصة نهائياً. يا لها من خسارة مضاعفة. خسارة عالم جليل وضمير حيّ وعقل مضيء، ثمّ خسارة شخصيّة سأبقى أتحرّق بسببها ما حييت.

ما أفجع خسارتنا بك أيها العالِم الدكتور فالح عبد الجبار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن صفحته في "فيسبوك"

 

كابوس الموت يقتنص الحكمة !

عماد جاسم

كلما أوهمنا أنفسنا باقتناء شيء من الفرح، من امل التغيير ورؤية الحياة التي نتمنى، يباغتنا الغياب ويسرق أيقونة للتمدن وللفكر الحر المتعقل، من كنوز بلادنا المنتفخة بالغباء!

هو الموت يفجعنا برحيل مفكر من الطراز الرفيع، (فالح عبد الجبار) الذي اصر ان يبقى وفيا لفكره التنويري المتجدد، وفيا لفكرة التضامن الانساني، وفيا لحب البلاد. أنشد للحياة، احتفل بمنجزه العميق، مبحرا في دروبه الوعرة، شارحا طبيعة التطور المجتمعي، وطارحا اسئلة الوجود ومقدما تحليلات انسانية واجتماعية عبر بحوثه وكتبه التي تستند الى معرفة شمولية ولعقل حكيم متوازن، بارع في استنطاق المعنى فكانت مؤلفاته منارات للتعرف والتعريف على مجتمع يحتاج امثاله ليستدل على دروب الخلاص من (عمامة) التراجع ومُذكّرا بتاريخ المدنية (والافندية(

 

مناضل حقيقي

 فيصل لعيبي

غاب مناضل حقيقي وكاتب أصيل وباحث اجتماعي ثوري معتبر ومقاتل في صفوف الأنصار الشيوعيين ضد أعتى دكتاتورية عرفها العراق في القرن العشرين. رحل الصديق ، صاحب الترجمة الأكثر دقةً ووثوقاً لأعظم سِفر ثوري في العصر الحديث ( رأس المال ) لكارل ماركس وصاحب الدراسات المهمة في القضية القومية والمسائل العرقية والدينية والطائفية في العراق  والمنطقة. مات الصديق فالح عبد الجبار أبو خالد وفيروز وعلي . أحر التعازي لأميرة أم أولاده ولأولاده ولفاطمة محسن رفيقة أيامه الأخيرة ولكل من عرفه وجلس معه واستمتع باحاديثه وتمعن بأفكاره وتصوراته . وداعاً فالح . لقد خسرناك ونحن في اشد الحاجة اليك ، في هذا المنعطف الخطير الذي يمر به العراق ..  سيكمل رفاقك وأصدقاؤك الخلص السير في طريقك التنويري  والإنساني النبيل.

 

 مع فالح عبد الجبار وعنه.. في براغ

رواء الجصاني

رحلت الشخصية الوطنية العراقية المميزة: فالح عبد الجبار بتاريخ الاثنين 26\2\2018 ، وفور انتشار الخبر الأليم، انهمرت المواساة ومشاعر الحزن، كما الذكريات والاستذكارات، وما برحت، وستستمر، وذلكم هو ديدن الاوفياء من المعنيين والاصدقاء والاقران، كأبسط تعبير عن التقدير والاجلال لباحث ومؤرخ ومفكر، يشهد له المخالفون والمختلفون معه، وربما قبل غيرهم، بالكفاءة الاستثنائية..

ومن المفترض- بل والمطلوب على ما ندعي - ان تكون هناك وهنا توثيقات وتأرخة عديدة لعطاء الفقيد الجليل، وكذلك عن سيرته ومغترباته، وبشكل رئيس في بيروت ودمشق ولندن، فضلا عن براغ، وهي التي ما تسعى اليه هذه السطور العجلى، مساهمة في ذلك النهج ..

وبعيدا عن بغداد ودمشق، واللتين تشاركنا فالح وانا في صداقاتها وذكرياتها، منذ اواسط السبعينات، اخترت براغ دون غيرها من مغتربات (فالح) لأسجل بعض ما لدي عنه وله، لأنها محطته الاولى ، أو تكاد، في مسارات المنفى الاضطراري الذي امتد عنده – وعندنا - لأربعة عقود بالتمام والكمال... وكذلك لأن عطاءه في هذه المدينة العريقة، غير معروف، او غير موثق بتعبير ادق، عند المتابعين والمعنيين.... كما يأتي التوثيق (البراغي) ايضا لان علاقاتنا وصداقتنا قد ترسخت وتنوعت هناك اكثر فأكثر، كما سيرد الحديث .

ففي عام 1979 يصل فالح من بيروت، ومعه (أميرته) مع براعمهما الثلاثة (خالد وفيروز وعلي) الى براغ، التي كنا قد ولجناها قبله بفترة قصيرة، ليعمل – رسمياً- مترجما ومحررا في القسم العربي بمجلة (قضايا السلم والاشتراكية) .. ولكنه ليتفرغ - عملياً- لمهام ونشاطات الاعلام الخارجي (المركزي) للحزب الشيوعي العراقي، قبل ان تتحول تلك المهمة الى بيروت، ثم دمشق لاحقا .

وفور حلول فالح في براغ ضمتنا الهيئة المسؤولة عن ذلك الاعلام، بمسؤولية الراحل الجليل ثابت حبيب العاني (ابي حسان) ومعنا شمران الياسري (ابو كاطع) المعطار، النقي، وآخرون.. وتولى فالح المسؤولية الاولى في التحرير والصياغات، وكنت مكلفاً بالشؤون التنفيذية لتلك الهيئة.. وصار كعهده: شعلة من العمل والتميز في الاداء والعطاء(1).

ثم يبدأ تالياً ، بعد فترة وجيزة ليس إلا، الاسهام في التحضير لإطلاق رابطة الكتاب والفنانين والصحفيين العراقيين في الخارج... ولذلك التقينا ثانية في مهام جديدة، اضافية، وقد كان لفالح عبد الجبار، دوره المميز هنا ايضا، بل وفي صميمه، وفي ما يخص براغ واوربا بشكل رئيس...

وهكذا راحت النشاطات السياسية والثقافية والاعلامية، الحيوية تترا، ولتتعزز بعلاقات شخصية وعائلية حميمة، كان ركناها الآخران: صديق عمر فالح، عبد الاله النعيمي، وكذلك صديقنا المشترك الحميم: حميد برتو.. وكنا نجد فسحاً هنا، واخرى هناك، في محطات استراحة انسانية، وان كانت شحيحة، في "معمعان" العمل التنظيمي، والفعاليات السياسية والوطنية.. وكم كنت احسد (فالحاً) في فلاحه بجمع كل تلك الحيوية العملية والحياتية، ومحبة الاخرين، ووديته مع الجميع، وقدرته على احتواء وادامة الصلات مع ذلك الكم من الاصدقاء والمحبين ... ويكفي الاستطراد هنا بالإشارة الى ان شقته كانت مضافة لعشرات من المثقفين والسياسيين وغيرهم، ممن زاروا براغ، لعمل او سياحة او مهمات ..

لقد جمع فالح عبد الجبار، طيلة وجوده في براغ ، بين جديته العملية، وطبيعته وسجيته الانسانية - وانا شاهد عيان هنا - فهو محاور ومتابع وحريص في اطروحاته السياسية والفكرية امام، ومع الجواهري وزكي خيري ومحمود صبري، وغيرهم.... مرة في السياسة المباشرة، واخرى في الجوانب الفكرية، وثالثة في الشؤون الثقافية. ولعلني أفيدُ أزيّـد لأذكر وأستذكر، محاورته للرائد محمود صبري، ومعه يحيى بابان – جيان، ومجيد الراضي، حول "واقعية الكم" والتي نُشرت لاحقا في اصدار خاص ربما هو الاول، والاسبق من نوعه ..

كما ثمة لقطة اخرى ذات شأن وصلة، وهي علاقة فالح مع الجواهري في براغ، الذي كان معجبا به، ومطمئنا له، وذلك ما أجزم انه كان وراء طلب الشاعر الخالد منه، لاحقا في دمشق، لمتابعة اجزاء مهمة من شؤون تحرير وصياغة مذكراته – الجواهري- ذات الجزأين، وقد سبق ووثقت عن ذلك في كتابات سابقة ..

وإذ يطول الحديث وتنهمر الذكريات عن الفقيد العزيز، وحوله ومعه، أعود الى بعض إشارات ومؤشرات عن العلاقة الصداقية مع فالح، وكذلك الاجتماعية، التي توطدت عبر امسيات، ثنائية أو أعـم! و(مؤامرات) خفيفة حينا، أو (مغامرات) وجدانية احياناً أخرى !!. ألم أقل انه كان يعطي لكل حال حقها، ولكل أوان حاله!!!. وتلكم هي مميزات ليس من السهولة جمعها في وقت واحد ..

وبعد عامين في براغ، يستدعى فالح الى دمشق، للمشاركة في الاعلام المركزي للحزب، ومن بعدها الى كردستان حيث بؤر وتشكيلات الانصار الشيوعيين، ثم يعود الى دمشق، لتتوالى اللقاءات، والجلسات معه، واصدقائنا المشتركين، مرات ومرات ومرات. لنتعاطى السياسة، والثقافة وما بينهما، كثير كثير !.

ثم تلعب الجغرافيا دورها، كما ظروف اخرى، فننقطع حينا ونتواصل في آخر، وحتى نلتقي مجددا في اربيل عام 2000 في مهرجان الاحتفاء بمئوية الجواهري الكبير، وكان الرجل امينا في الحفاظ على مثابرته وتميزه، بل وبعمق يتزايد، بالتزامن مع اتساع المعرفة، وتضاخم الجهد الفكري..

لقد كان آخر اتصال هاتفي مع فالح قبل اشهر قليلة، حين كنت اهيئ لإصدار الكتاب التوثيقي عن الذكرى السنوية العشرين لرحيل الجواهري، وقد اعتذر بكل تواضع عن المشاركة هذه المرة لوعكة صحية، وانشغالات - كما وتجبجباً من ان لا تكون مساهمته بالمستوى اللائق ومناسبة مهمة كهذه كما اوحى واستنتجت-(2). وقد أكد انه سيعمل على مادة (دسمة) بحسب تعبيره، للذكرى الحادية والعشرين لرحيل الجواهري في تموز 2018 ... ولكنه رحل قبل الاوان، ليتركنا نبحث نحن عن مواد نكتبها عنه، وفيها بعض التباهي ايضا – ولمَ لا !- بعلاقات جميلة وذكريات حميمة مع انسان تميز بالمعرفة والوعي، وذي مواهب لا يباريها غير قليلين ... وداعا فالح!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة "طريق الشعب" ص6 – 7

الخميس 1/ 3/ 2018