أصحاب اللّحف المقطّعة

(لا يهمني متى وأين سأموت, ولكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين يملؤون الدُّنيا ضجيجاً, كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البؤساء والفقراء والمظلومين)

أرنستو تشي جيفارا   

1

الشيوعية من أنضج أفكار كارل ماركس التي اقتربت في سعيها من حلم البشر في العدل الاجتماعي والدولة البسيطة الخالية من أجهزة القمع والتي يُدير فيها الناس شؤونهم بأنفسهم. وقد اشتق المعاصرون اسم الشيوعية  على المصدر الصناعي من الشيوع, وهو الفعل الازم للفعل المتعدي إشاعة, وأدى هذا الاشتقاق المستحدث إلى أوهام كثيرة ضارة,حيث اعتقد الكثير من الناس أن هذه بدعة من بدع العصر الحديث جاءتنا من الغرب, والاسم قد يكون حديثاً والمسمى قديماً, ولا ملازمة بين الاسم والمسمى لأن الاسم متغير والجذر ثابت.

2

  ذات يوم سألتُ هادي العلوي البغدادي -رحمه الله- ماهي الشيوعية في اللغة والحياة؟ أجاب بكلمة واحدة : التسبيل... والتسبيل والمشاعية والشيوعية اسماء مترادفة  لمسمى واحد. والمشاعية بالتعريف الاقتصادي تضاد الملكية فالمشاع لا يملك ويتشكل تاريخ الشرق من الصراع بين المشاعية والتملك. والتسبيل عند أهل الشرق يعني وضع المال, أو ما يَنُوب عنه, في السبيل, الذي هو الطريق, أو جعله في سبيل الله, أي توزيعه على عباد الله. والمصطلح أورده فيلسوف المعرة بقوله في اللزوميات:

ففرقْ مالكَ الجمَّ          وخلّ الأرضَ تسبيلا

 والمال والأرض -ظاهرها وباطنها- كلها لله في عرف أهل الشرق, و المتسول الذي يقف على أرصفة المدن المكتظة بالناس المتخمين ويطالب بحقه: من مال الله. يعي أصول الشيوعية -على بساطته وأميته- أكثر منا نحن الذين ندعي فهمها.

3

وماء السبيل مرفق عام يُقدم ماء الشرب مجاناً للناس وهو من أشكال المشاعية في الشرق. وقد ذكر الباحث  المؤرخ فايز قوصرة في كتابه (من إبلا إلى إدلب) أحد عشر سبيلاً في مدينة إدلب -في الشمال السوري- تتوزع في حاراتها حين كان الماء عزيزاً في منتصف القرن الثامن عشر. وقرأتُ في كتاب (نزهة الأنام في محاسن الشام) للعلامة عبدالله بن محمد البدري الذي عاش في القرن الرابع عشر أن أصحاب البساتين في غوطة دمشق كانوا يضعون الفواكه في أجران حجرية ضخمة على أبواب البساتين ومن يحتاج من أبناء السبيل يأخذ منها حاجته. وفي البساتين من يزرع أشجاراً للفقراء يعرفونها بالتكرار وغالباً ما تُزرع على تخوم الدروب  ليتناولها الدَّرابة. وكان جدي عثمان دحنون- رحمه الله- فلاحاً مرابعاً, يستأجر الأرض ويأخذ ربع إنتاجها, ومع ذلك يحمل من حصته من ثمر التين والعنب وخضار الصيف إلى بيوت  الفقراء والمساكين.

4

على الشيوعيين أن  يستلهموا من هذه الأفكار ما يتناسب مع عصرنا الحالي ليستطيعوا الاندماج في واقعهم الاجتماعي المعيش. بمعنى أن يكون حضورهم في حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية حتى لا تقتصر فعالياتهم على العمل السياسي الأيديولوجي الذي تهرب الخلق منه هروب السليم من الجربان. وأظنها بادرة طيبة أن يكون للشيوعيين مطاعم شعبية مجانية منتشرة في أرجاء البلاد يدخلها من شاء, ليأكل ما شاء, كما يشاء, دون حسيب أو رقيب. وإطعام الخلق مهمة جليلة تستحق من الشيوعيين العمل عليها في كفاحهم اليومي .

5

 الشيوعية تتسع لمن يُصلي كما تتسع لمن يُغني, فها هو لينين يكتب نصين طريفين غير مسبوقين. النص الأول: كتبه إلى المسلمين في روسيا بتاريخ 24 تشرين الثاني- نوفمبر 1917 (أيها المسلمون في روسيا وسيبيريا وتركستان, يا من هدم القياصرة مساجدهم وعبث الطغاة بمعتقداتهم, إن معتقداتكم وعاداتكم ومؤسساتكم القومية والثقافية صارت اليوم حرَّة مقدسة. نظّموا حياتكم القومية بكل حرية, فهي حق لكم, واعلموا أن الثورة العظيمة و مجالس الحكم المحلي للعمال و الجنود والفلاحين تحمي حقوقكم وحقوق كل شعب روسيا)

والنص الثاني (لقد أُعيدت الآثار والكتب الإسلامية المقدسة التي كانت نهبتها القيصرية إلى المساجد. وقد تمَّ تسليم نسخة القرآن الكريم المعروف بمصحف عثمان في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بيتروغراد في 25 كانون الأول-ديسمبر 1917 وقد أُعلن يوم الجمعة, يوم الاحتفال الديني للمسلمين, يوم الإجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى)      

6

عندما حاول بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لصالح الفقراء نزلت عليهم نازلة من بينهم. وما يزال الجياع والفقراء والمساكين  وأهل السبيل في الانتظار. مع أن لينين وعدهم في مقال خطير منشور في جريدة البرافدا في العدد 251 تاريخ السابع من تشرين الثاني سنة 1921 تحت عنوان حول أهمية الذهب: (...حين  ننتصر في النطاق العالمي, سنصنع من الذهب, كما أعتقد, مراحيض عامة في شوارع بعض أكبر مدن العالم. وسيكون ذلك أعدل استعمال للذهب واوضحه دلالة للأجيال التي لم تنس أنه بسبب الذهب ارتكبت أبشع المجازر بحق الإنسان...) حلمان في قول لينين: حلم انتصار الجياع وبناء مجتمع العدل, وحلم التخلي عن الملكية, وجعلها مشاعاً بين الناس. تحوَّل لينين في حياته إلى طاقة روحية خالصة مستثمرة لأجل الجياع. لقد أهلك نفسه من أجل الفقراء المساكين. وهذه من نوادر التاريخ, إذ المعتاد أن  يهلك الحاكم نفسه من أجل نفسه.

7

حكم لينين دولة مترامية الأطراف إلا أنه لم يخص نفسه بشيء من خيراتها, بل اختار الفقر وحتى الجوع فمات سريعاً. لو عاش لينين بضعة أعوام أخرى لاقترب من تحقيق حلمه في مجتمع لا مالك فيه ولا مملوك ولا قامع ولا مقموع, مجتمع مشاعي كما تبلور في وجدان أهل الحكمة والفلسفة. وهؤلاء الأبدال, كما يسميهم معلمي هادي العلوي البغدادي, حاولوا عمارة الأرض بالعدل, فما أفلحوا. وكان ما كان مما لست أذكره, فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر. و يمكننا القول بثقة أن لينين مات غمَّاً, لأنه لم يجد بين رفاق دربه من يملك القدرة على صيانة هذا الحلم العظيم. وزاد الطين بلَّه تحنيط جثمانه في موسكو ووضعه في الساحة الحمراء فُرْجَة للناس. وأغلب الظن أن زوجته كروبسكايا ماتت غماً هي الأخرى لرؤية زوجها بهذا المنظر. وقد عارضت تحنيطه وطالبت دفنه مثل كل البشر.

8

هل تحارب بعض الأحزاب الشيوعية اليوم الشيوعية ؟ نعم أعتقد ذلك. لأن الشيوعي -في ظني- عنده وجدان وضمير وشجاعة وقيم وأخلاق وإيمان. وهو في الأصل "مناضل اجتماعي" لا تحكمه السياسة بل يحكمه الضمير والوجدان. ولينظر كل شيوعي إلى ما آلت إليه أحوال الخلق في هذه السنوات العجاف والذي من المفترض - من كل شيوعي- أن يكون مع الخلق ضد من يسعى لإذلالهم في معيشتهم. وأذكر حادثة تعود بالزمن إلى عام 1934 عندما كان الجيش الأحمر للعمال والفلاحين الصينين يقوم بتحرك استراتيجي كبير, من مقاطعة جيانغشي في الجنوب إلى الشمال, في مسيرته الشهيرة التي قطع فيها 12500 كم. مر الجيش الأحمر بمقاطعة هونان وأقام بعض أفراده في بيوت الفلاحين. عندما غادروا هذه البيوت قَطَعَ كل فرد من الجيش الأحمر لحافه إلى جزئين, أخذ جزءاً, وقدم الجزء الآخر للفلاحين الفقراء. بعد خمسين عاماً من ذلك,  زار أحد الصحفيين هذه المقاطعة, حيث  حكى الفلاحون هناك له هذه القصة, وقالوا: الشيوعيون هم أولئك الذين قطعوا ألحفتهم لتقديم نصفها للفقراء.