علمـــاء أم ساســــة وإعلاميون ؟!

بقلم/ محمود الشيخ المحامي

(1)

تكاثرت وتنامت فى الألفية الثانية أعداد من تمت تسميتهم بعلماء الدين، والدعاة منهم على وجه التحديد، داخل السودان وفى الوطن العربى؛ حتى زاحم كثير منهم نجوم المجتمع وصاروا من ضمن وجهائه،

تماماً كما الإعلاميين والأدباء والسياسين والشعراء وكبار المهنيين والممثلين والمطربين ورجال الأعمال ! مع أنهم لو استدبروا من أمرهم، ويمموا وجوههم وقلوبهم نحو ربهم، لما اقبلوا على أمرهم هذا. فالدين الحق لايحتاج جهودهم المبذولة فى غير مواعينها الشرعية فى شيء البتة، فإن ما ضروه ؛ فهم لن يحققوا له نفعا إطلاقاً . و فى الوطن العربى وأجهزته الإعلامية إنتشرت تلك الفئة بسبب تصاعد التيارين الإخواني والسلفي وامتلاكهما للمال، والذي هو وقود الأجهزة الإعلامية ومؤسساتها، مع إيمان بعض الحكومات بوجوب إيجاد متنفس لهذين التيارين.

( 2 )

إن ما يقوم به هؤلاء الأكارم في حقيقته وجوهره لهو ذات الدور التاريخي الذى ظل ومازال يلعبه أئمة الجوامع وشيوخ الخلاوي ومعلمو التربية الإسلامية في المدارس وأساتذة العلوم الشرعية فى الكليات المتخصصة ومشائخ الطرق الصوفية، الذين متى ما استشكلت على المرءِ مسألة شرعية لجأ إليهم . فما الذي استجد حتى يتحول الدين لحرفة تستدعى التفرغ ! ثم سلعة تباع وتشترى، وتتخلل تلك العملية إعلانات تجارية فى القنوات الفضائية؟! ثمّ ما الذي كبَّرها في أدمغة بعضهم بأن صور لهم أن طريق الحق يبدأ من عندهم، و مفاتيح الجنة ملك يمينهم، وأن السياسة لن يستقيم ظلها أبداً إلا إذا ولجوا إلى أسواقها متدافعين مع دهاقنتها كتفاً بكتف ؟!

( 3 )

لعل التاريخ القريب يذكرنا بنموذجين لعالم وداعية، ما خرجا من صحن الجامع ابتغاء رزق أو ضوء كاميرات الصحافة والتلفاز( والله أعلم) ..اختلف أسلوبها وتوجههما، وتباين المعتقدون فيهما، ونالا شهرة إقليمية...ألا وهما المغفور لهما الشيخ / محمد متولي الشعراوى والشيخ كشك، والأخير رغم فساد طرحه في رأيى الخاص، إلا أنه كان شجاعاً ملتزماً بنشر رأيه وفكره داخل الجوامع وفى مجالسه الخاصة ، بجانب أنه كان صاحب طرفة .أما الشعراوى فقد إستوزروه مرةً فى ذات تخصصه ، وما ولج السياسة بعدها إلا ناصحاً الرئيس الأسبق مبارك أمام جمعٍ من الناس .

( 4 )

فى السودان كان المناخ مواتياً ومناسباً لنمو هذه الفئة الجديدة، وذلك خلال السنوات التى شارفت على الثلاثين من حكم الإسلام السياسى، عبر فئة احتكرت الإيمان فيها وعندها. لكن الملاحظة الهامة تتضح فى أن تلك الفئة لم تطل برأسها علناً إلا بعد أن تغلب بعض الإسلاميين على بعضهم إثر نزاع سياسى لا دينى، يوم أن خرج شيخهم ومؤسس حكمهم من ذلك الصراع مهزوما.

قبل هذا الصراع كانت فئة العلماء والدعاة تعمل على استحياء ، إذ ما كان لها أن تطل على الملأ متنبرة المنابر فى وجود شيخ احتكر لنفسه التنظير القانونى والدستورى والفقهى والشرعى نيابةً عن الحاكمين ومؤسسات الدولة والمشايخ الدينية ! وبعد تغييب الشيخ خلى لهم الملعب، وبمثلما كانوا يحتاجون لغطاء حكومى يتيح لهم حرية التحرك والانتشار، كان القائمون على الأمر أيضاً فى أمس الحوجة إلى سندٍ شرعى، فنشأ تحالف غير معلن، جعلهم لاحقاً يتحكمون فى صدور القرار السياسى ومنعه!

(5)

علماء الدين ودعاته ليسوا هم المتخصصون فى العلوم الشرعية فقط ، فهم أيضاً الأطباء المجودون لعملهم والمطورون لعلمهم، هم المعماريون الذين يشيدون إحتياجات أوطانهم من منشآت ، و القانونيون الذين يحرصون على أن يسود العدل فى بلدانهم عبر تشريعهم وصيانتهم للقوانين والدساتير وحقوق الفرد وحرياته وتقنين حكم المؤسسات، هم الحرفيون الذين يلتقطون العاطلين من النواصى لتعليمهم صنعة شريفة، تقيهم المذلة وسؤال الناس والانحراف والتطرف، هم المعلمون الذين يغرسون فى الناشئة مكارم الأخلاق ثمّ علما يستبينون به سبل الحياةِ ، هم أصحاب كل الفنون الذين يقدمون الجاد منها ابتغاء رفعة البشرية وسمو الحس الجمالى الإنسانى والحفاظ على سلامة وجدانه،هم كل من يخدم البشرية على مستوى كل الأصعدة .

( 6 )

لم يذكر الله كلمة العلماء في القرآن إلا مرة واحدة دون بيان المقصود منها، على إعتبار تعدد أوجه العلم " ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور" (فاطر الآية 28) . ولذلك فإن اطلاق مسمى (رجل الدين) بصورة الشمول أمر غير صحيح ، فهو رجل علوم شرعية . وهذه أيضاً تخصصات ، فمنهم من درس أصول الفقه ومنهم من تخصص فى علم الحديث وآخر فى علوم الأنكحة والمواريث الخ...وهؤلاء بكل تخصصاتهم تحتاجهم البشرية والمسلمون فى أمور محددة بغرض تفسيرها وشرح طرائق تطبيقها ، وليس من ضمنها السياسة ولا الإقتصاد ولا الطب أو الهندسة أو العلوم الطبيعية ، ولأنهم يدركون فى قرار أنفسهم ذلك الأمر، تجدهم يتحججون بشمولية الإسلام والقرآن لكل شيء ، وهى قولة حق أريد بها باطل التدخل فى الشئون السياسية.

( 7 )

إن صغرت منابر الدعوة على هؤلاء الأكارم ورغبوا فى مساحات أبرح، وإن ضاقت على رؤوسهم العمائم ، فليتوجب عليهم فى حالة رغبتهم المزايدة فى سوق الله أكبر من سياسة وإعلام، شأن بقية الخلائق، أن يحفظوا الدين وشعائره فى مكان مقدس ، لا أن يصطحبوه معهم كيما يفج لهم الدروب ، ويجيش الجماهير ، ويطبق على أفواه المنافسين. وليفعلوا كما فعل حمامة المسجد( عبدالملك بن مروان) ، الذى أتاه نبأ توليه الخلافة وهو يتلو القرآن فى المسجد ، فكان أن طوى مصحفه وهو يخاطبه : " هذا فراقٌ بينى وبينك " !! ووجب على بعضهم كذلك النأى عن نظرية السبع صنائع هذه Jack of all trades مابين دعوةٍ وسياسةٍ وإعلام .