تعليقات في السياسة الداخلية

استقرار دارفور بالاستجابة لمطالب أهلها وليس بنزع السلاح وحده

تجني سلطة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة ثمار سياساتها الفاشلة المفجعة في دارفور. فهي التي أشعلت الحرب عندما قال رئيسها أن من يريد تحقيق مطالبه فليواجهنا بالسلاح. وهي التي سلحت بعض القبائل الموالية لها في ذلك الوقت لنصرتها في مواجهة الحركات التي أجبرت على حمل السلاح لنيل حقوقها المشروعة،

وهي التي أشعلت الفتنة بين القبائل الموالية لها وتلك التي رفضت تنفيذ مخططها. الحقائق التاريخية الموثقة تقول:إن الجبهة الإسلامية القومية هي التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن المآسي الإنسانية التي حاقت بأهلنا في دارفور منذ أن أصدر الدكتور حسن الترابي، عندما كان عراباً للجبهة ويمسك بمقود كل مفاصل النظام، فتوى تبيح تمزيق دارفور الكبرى لقيام حزام أمني عربي إسلامي تأميناً لدولة إسلامية كان يحلم بقيامها في السودان بما فيه كل الغرب.

ولهذا فإن نزع السلاح يجب أن يكون عبر لجنة موثوق بها لا تحابي قبيلة أو أفراداً. كان الحزب الشيوعي محقاً في البيان الذي أصدره المكتب السياسي وجاء فيما يتعلق بنزع السلاح:(إننا في الحزب الشيوعي نؤكد على ضرورة النزع الكامل للسلاح في كل أنحاء البلاد بصفة خاصة مليشيات النظام في العاصمة والأقاليم والجامعات).

يؤكد أهمية ما جاء في بيان المكتب السياسي عن السلاح والفوضى التي كان يعامل بها في انحياز تام للقبائل والقوى المناصرة للسلطة ما جاء في محضر الاجتماع المشترك بين لجنة أمن ولاية جنوب دارفور ووفد من قبيلة الفور الذي عقد في مدينة نيالا في 13 اغسطس وحضره والي الولاية الفريق الركن آدم حامد موسى ما يلي:

(المراحيل والدفاع الشعبي كان يسمح لهما بامتلاك الأسلحة، وأدى ذلك إلى تسليح المواطنين، وبدأت المواجهات باستخدام السلاح الناري. وقد سبب دخول السلاح مشاكل كبيرة وعند قيام حملة الوالي الأسبق/الطيِّب إبراهيم محمد خير، بجمع السلاح، تم جمعه بين المستقرين فقط دن الرحل).

إن حل مشكلة دارفور لا تتم بجمع السلاح وحده، وعلى الحكومة أن تعترف بأن المشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا يمكن حلها عبر العمل العسكري كما اكدت التجربة، وأن الحل السلمي سيفرض نفسه طالما يقف وراءه شعب السودان ويدعمه رأي عالمي مستنير ومدرك لأبعاد وعمق المأساة.

جاء في التقرير السياسي المجاز من المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني ما يلي:

(مرت عشر سنوات منذ أن بدأت الحرب في دارفور، وانطلاق الحرب في دارفور لم يكن صدفة، بل هو نتاج طبيعي لعدم حل المسألة القومية بشكل عام منذ الاستقلال ـ وجوهرها استمرار التنمية غير المتوازنة وعدم العدالة في توزيع الموارد والخدمات واهدار الموارد الطبيعية وتحويل الفوائض الاقتصادية من الإقليم للمركز وفقاً لآليات التنمية الرأسمالية، وضعف تمثيل دارفور في الحكومة المركزية والإزدراء الثقافي والعرقي المبنيان على ذلك مما أدى إلى تراكم الغضب الشعبي والمعبر عنه في عدة تنظيمات)

ونتيجة لتمترس السلطة حول أجندتها الهادفة لتنفيذ مخططها عبر الحل العسكري فقد فشلت كل محاولات السلام في دارفور ـ كما جاء في التقرير السياسي للحزب الشيوعي ـ منذ اتفاقية وقف النار في أنجمينا في2004م مروراً باتفاقية أبوجا بين حركة التحرير جناح مناوي واتفاقية الدوحة 2012 وما بينهم وبعدهم من اتفاقيات بين الحكومة وفصائل مقسمة من الحركات المسلحة.

إن البديل الأساسي للحرب ونزع السلاح أو جمعه بالقوة يكمن في الاستجابة لمطالب أهلنا في دارفور والمتمثل في:

 نصيب دارفور في السلطة والثروة وحل مشاكل الأرض والحواكير والتعويضات المجزية العادلة لكل من أصيب في الحرب. ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في دارفور، وعودة النازحين إلى قراهم الأصلية بعد إعادة تأهيلها وتعميرها بكل الخدمات الضرورية لحياة الإنسان وتعويضهم وفقاً للشروط الواردة في بنود الاتفاقيات والمعايير الدولية وإطلاق سراح كافة المعتقلين والمسجونين السياسيين من أبناء وبنات دارفور.

كان التقرير السياسي للحزب الشيوعي المجاز في مؤتمره السادس واضحاً وضوحاً تاماً عندما حمل حكومة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المسؤولية الكاملة لمآسي الحرب في دارفور؛ وما أقدمت عليه من قصف بالطائرات وحرق للقرى وجرائم الاغتصاب والقتل الجماعي أو التهجير القسري وذكر بحزم لا يقبل المساومة أن الحل الديمقراطي لمسألة دارفور لن يتم إلا في إطار حل الأزمة الوطنية العامة، بإسقاط الدكتاتورية واستعادة الديمقراطية وعقد المؤتمر الدستوري الجامع.

ولهذا فإن أي محاولة لحل الأزمة الشاملة في دارفور خارج هذا الإطار العام مثل نزع السلاح أو اعتبار وقف الحرب وحده هو العصا السحرية التي ستحل الأزمة وإهمال باقي القضايا الأخرى مثل التنمية وإعمار البنى التحتية وإنهاء التهميش في قسمة السلطة والثروة والاستجابة لمطالب أهل دارفور الملحة والعاجلة، هو عبث لا طائل من ورائه كما أكدت تجارب السنوات الأحد عشر الماضية من عمر المأساة، و"تلفيق" مخادع للرأي العام العالمي والمحلي سيعمق الأزمة، ويعيد إنتاجها من جديد بأسوأ وأبشع مما هي عليه الآن.