في اليوم العالمي للصحة النفسية دكتور صلاح هارون للميدان:

هناك قانون معيب خاص بالصحة النفسية أدرج لمجلس الوزراء

  • إن الخدمات الصحية الراهنة قائمة على علاج المرضي ومن المفترض أن تكون موجهة للتأهيل والتعزيز والوقاية من الأمراض النفسية
  • ماهو غير معروف أنه لم يعد مفهوم الصحة النفسية يقتصر على الأمراض الشائعة ، بل تعداها ليشمل المشكلات النفسية وهي أكثر انتشاراً من الأمراض العقلية
  • السودان من الدول الموقعة على تشريعات دولية تلزمه بحق المواطن في الحصول على الرعاية الصحية، والدمج في المجتمع

في العالم وحسب  تقرير منظمة الصحة العالمية أن بين كل 4 أفراد في المجتمعات يوجد مريض نفسي، في السودان تعاني الصحة النفسية ضعفاً شديداً وعدم توازن خصوصاً في مناطق الريف وأطراف المدن التي تكاد تنعدم فيها خدمات الصحة النفسية، مع حقيقة أن معظم المحتاجين للرعاية الصحية النفسية من الذين يقطنون تلك المناطق هم من الفقراء والمحتاجين الذين يعانون من تكلفة العلاج النفسي العالية جداً، خصوصاً وأن خدمات التأمين الصحي لا تشمل كل أدوية المرض النفسي.

علماً أن البلاد تتوفر فيها إمكانيات مادية ونوعية لتطوير أوضاع الصحة النفسية، حيث أن الدراسات الطبية العليا بجامعة الخرطوم ومن ثم مجلس التخصصات الطبية  يعملان علي تخريج  اثنين من اختصاصي الطب النفسي في السودان سنوياً لأكثر من عشرين عاماً، وبالتالي فإن عدد الاختصاصيين ربما يكون قد فاق الـ 150 اختصاصي نفسي، وأن معظمهم هاجر خارج السودان بسبب عدم وجود سياسة لاستبقاء الاختصاصين  خصوصاً فيما يتعلق  بعملهم  في الولايات والأقاليم، وأهم أولويات هذه السياسة بالطبع هي تحسين شروط الخدمة بمرتبات مجزية تفئ حاجتهم وحاجات أسرهم. في هذا الحوار يجيب دكتور صلاح هارون اختصاصي الطب النفسي على أسئلة الميدان بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية.

حوار: أقسام عبد الله

+ هل تغطي خدمات الصحة النفسية كل البلاد؟

= إذا نظرنا مقارنة بين الماضي والحاضر نجد أن هنالك تطوراً يومياً في خدمات  الطب النفسي المقدمة في السودان، وذلك نسبة للتطور في العلوم الطبية عموماً والطب النفسي خصوصاً وكذلك التطور في الخدمات المساعدة مثل علم النفس وعلم الاجتماع، أما من ناحية تغطية المناطق المختلفة في السودان فنجد أن هنالك ضعفاً شديداً وعدم توزيع متوازن، كذلك نجد أن الخدمات النفسية في مجالات الصحة النفسية تتركز في الخرطوم خصوصاً من ناحية مؤسسات ومستشفيات عامة وخاصة لاختصاصي الطب النفسي. في بعض من ولايات السودان توجد تغطية جيدة مثل مدني، كسلا، القضارف، بورتسودان. أما في مدينة عطبرة يوجد اختصاصي واحد وهاجر إلى خارج السودان وفي مدينة  شندي توجد اختصاصية، وإذا رصدنا هذا الكم الهائل نجده ضعيف بالنسبة لعدد سكان السودان ونسبة الاختصاصيين بالذات ضعيفة جداً، دائماً ما نجد خدمات الطب النفسي تتركز في المدن الكبيرة وفي المراكز فقط، أما في الريف والقرى فلا توجد خدمات للمرضى النفسيين، مع حقيقة أن معظم المحتاجين لخدمات الطب النفسي هم المواطنون الذين يقطنون في المناطق الريفية وفي أطراف المدن الكبيرة ومعظمهم من الفقراء والمحتاجين.

+ الملاحظ أن تكلفة العلاج النفسي مرتفعة جداً ولذا فإن المرضى يلجأون في أحايين إلى الطب الشعبي،  ما تعليقكم؟

= من ناحية التكلفة العلاجية فهي كبيرة جداً، وخدمات الصحة النفسية متواجدة في المستوى الثاني والثالث من خدمات الرعاية الطبية، وهناك نص دستوري ينص على توفير الخدمات الطبية والصحية مجاناً  للمرضى. خدمات الصحة النفسية غير موجودة في هذا المستوى. معظم الأمراض النفسية مزمنة وتحدث قدر عظيم من الألم الأمر الذي يجعل غالبية المرضي النفسانيين غير فعالين في النشاط الاجتماعي وغير منتجين ويحتاجون لعلاج طويل المدى ويشكلون عبئاً على ميزانية الأسرة، كما أن تكاليف الأدوية كبيرة جداً، وخدمات التأمين الصحي لا تغطي كل احتياجات الرعاية الصحية ولا تغطي كل طبقات المجتمع. الاشكالية الثالثة هي أن الخدمات الصحية الراهنة قائمة على علاج المرضي ومن المفترض أن تكون موجهة للرعاية العلاجية للتأهيل والتعزيز والوقاية من الأمراض النفسية في السودان، أما المؤسسات فهي تقوم على رعاية المرضى طبياً للتشخيص والمعالجة فقط، وهذا لا يكفي لاستكمال عملية الشفاء وتحويل المريض لشخص فعال اجتماعياً ومنتج اقتصادياً.

    + في ظل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية نعتقد أن من المفترض توفر الوقاية من الأمراض النفسية التي قد تساعد في تخفيف نسبة الاصابات، ما تعليقك؟.

= مفهوم الصحة النفسية لم يعد المفهوم الشائع لدي المواطن العادي وهي تفهم  كأمراض الفصام، والاكتئاب، والوسواس القهري، والقلق، وأمراض الأطفال النفسية وهذا هو المفهوم الشائع عن الصحة النفسية، ماهو غير معروف لم يعد مفهوم الصحة النفسية يقتصر على الأمراض الشائعة حتى لدى الأطباء بل تعداها ليشمل المشكلات النفسية وهي أكثر انتشاراً من الأمراض العقلية والنفسية كما أن لها أساس قاعدي مهم جداً ولها محددات كثيرة وهي أكثر تأثيراً في إحداث المشكلات النفسية.

+ هل يمكنك الإشارة لأهم مسببات المشكلات النفسية؟

من أسباب المشكلات النفسية الفقر وتسلل تبعياته من ناحية غذائية سكن، وغذاء، وعلاج، وتعليم وهو أكثر انتشاراً في الريف وفي أطراف المدن، كما أن الظروف الطبيعية القاهرة للمواطن في الريف ومناطق الإنتاج مثل عدم الاستقرار الأمني في الكثير من مناطق السودان وما تتركه الحروب من تأثيرات مباشرة على النفس كإبعاد المواطن عن عملية الإنتاج وتفكيك الأسرة، كما أن القهر السلطوي يتمثل في عدم توفير الخدمات اللازمة سواء في التنمية البشرية كالصحة والتعليم إضافة لذلك العبء الكبير في الضرائب والجبايات وغيرها من أنواع القهر السلطوي جميعها تشكل عبئا  كبيرا على الغالبية العظمى للمواطنين في الريف والمناطق الحضرية، وتسبب ضغوطا نفسية كبيرة على النسيج الاجتماعي والتماسك الأسري وتربية الأولاد وتعليمهم، كما أن العنف المنزلي يعد من أهم مسببات المشكلات النفسية جميع هذه النقاط توضح أن مفهوم الصحة النفسية لا يقتصر على الأمراض النفسية التي تلعب فيها الأمراض الوراثية والعضوية، والاجتماعية الدور الأكبر، كما أن المشكلات النفسية تتم معالجتها بطريقة مختلفة تحتاج إلى استراتجيات، ووسائل، وآليات مختلفة من الوسائل العلاجية والوقائية. في السودان لا توجد مؤشرات تحدد تغيرات الأمراض في المجتمع، ويقول تقرير منظمة الصحة العالمية أن بين كل 4 أفراد في المجتمعات يوجد مريض نفسي.

 + ما هو وضع الطب النفسي في البلاد عموماً ؟

= في السودان توجد موارد مادية ونوعية كافية لتطوير الوضع السائد في مجال الصحة النفسية منها دأب الدراسات الطبية العليا بجامعة الخرطوم ومن ثم مجلس التخصصات الطبية على تخريج اثنين من اختصاصي الطب النفسي في السودان سنوياً  لأكثر من عشرين عام وبالتالي عدد الاختصاصيين يكون قد فاق  الـ 150 اختصاصي نفسي، معظمهم هاجر خارج السودان بسبب عدم وجود سياسة لاستبقاء الاختصاصين فيما يخص عملهم  في الولايات والأقاليم. حصل تطور كبير جداً في تطوير مادة الطب النفسي لم تكن موجودة في السابق فأصبحت تدرس وتمتحن لطلاب الطب في جميع الجامعات السودانية، وأضحى خريج كلية الطب مؤهل لمعالجة المشكلات النفسية الأولية كاكتشافها وتحويلها للتخصص. أضف إلى ذلك  انتشار كبير جداً لكليات علم الاجتماع منذ التسعينات، وتوجد دراسات عليا لتخصص في علم النفس العلاجي. إذا نظرنا إلى هذه الخريطة في علم النفس العلاجي نجد السودان غني جداً بالموارد البشرية في مجال الصحة النفسية، ومن جهة ثانية انتشار المؤسسات الصحية كبير وواسع يغطي معظم أنحاء السودان  في كل مستويات الرعاية الأولية الأساسية، وهي مهمة جداً لتقديم الخدمات في القرى والأرياف كما توجد المؤسسات الصحية الثانوية كالمستشفيات وهي مزودة  بكوادر طبية مختلفة، بدءاً من الزائرة الصحية والداية القانونية نجد بجانب تلك المؤسسات أن عدد مؤسسات الصحة النفسية والطب النفسي ضعيف جداً وهو متوفر على المستوي الثالث من الخدمات الصحية لأسباب اقتصادية وإدراية وعدم إدراك لأهمية الصحة النفسية. الأسباب التي أدت لضعف خدمات الصحة النفسية سياسية من الدرجة الأولى.

+ إذن كيف السبيل لمواجهة تكلفة العلاج المرتفعة والتي أشرت إليها ؟

= نجد أن دولتنا من الدول الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية. وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ووثيقة حقوق الإنسان وهذه تشريعات دولية تلزم الدول بتقديم الرعاية الصحية التامة للمواطن مجاناً، إضافة لذلك فيما يتعلق بالصحة النفسية تلتزم الدول الموقعة بحق المواطن على الحصول على الرعاية الصحية والدمج في المجتمع والانتفاع بالحقوق التي تحقق استقلاله فيما يخص العمل والخدمة. كما أن السودان في دستوره ينص على أن يتمتع المواطن بالحق في الصحة عموماً وفي وثيقة الحقوق ينص على توفير العلاج المجاني في المؤسسات العلاجية الأولية والمجتمعية؛ لكن رغم هذا الالتزام الدستوري والالتزام على المعاهدات الدولية لم تترجم وتجسد في الواقع العملي بسبب عدم إدراك السياسيين والمنفذين للسياسات الصحية لأهمية الصحة النفسية. ثبت عملياً في الدراسات التي تم تنفيذها في أكثر من دولة من خلال تطوير خدمات الصحة النفسية في الكثير من الدول أنها ترتبط ارتباط جدلي وافتراضي بمستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول، وثبت علمياً من خلال البحوث والتجارب أن العجز في الانتاج الاقتصادي والاجتماعي يكون لأسباب الاضطرابات النفسية أكثر بكثير جداً من الإصابة بالأمراض العضوية، وكذلك لم يجد الاهتمام بموضوع الصحة النفسية مقتصراً على منظمة الصحة العالمية بل أصبح من أولويات البنك الدولي الذي أصبح يجري الكثير من الدراسات والبحوث لمعالجة عبء الاضطرابات النفسية على الإنتاج الاقتصادي وتأثيرها على الجانب الاجتماعي من المؤسف أن نجد الصحة النفسية ليست من أولويات السياسيين والمنفذين الذين قد تشغلهم أولويات أخرى منها الأمن وبعض الأمراض والملاريا.

+ كاختصاصي في الطب النفسي، ما هي أهم طرق المعالجات من وجهة نظرك؟

= المعالجات: يجب أن تراعي أنها تتم بتكلفة اقتصادية تتناسب مع الامكانيات الاقتصادية  للبلد، وإنشاء مؤسسات منفصلة للصحة النفسية يكلف تكلفة مالية كبيرة جداً ويأخذ وقت لتأسيسها، نجد أن السودان تبنى سياسية تقديم الصحة النفسية من خلال مؤسسات الرعاية الصحية الأولية منذ السبعينات، ومثلها للرعاية الصحية الأساسية في كل وزارات الصحة في السودان. نجح ذلك البرنامج في الريف والحضر رغم تأثره في بعض مناطق الحروب ولكن ما زال الكثير منها فعالاً، ابتداء من الصحة الأساسية الشفخانة والمركز الصحي والمستشفى الريفي وبها كوادر مؤهلة.

انجاح الخدمات الصحية للمواطنين وتوصيلها لهم في مختلف أرجاء السودان بتكلفة اقتصادية غير كبيرة هو الحل لدمج خدمات الصحة النفسية في مؤسسات الرعاية الصحية النفسية في مؤسسات الصحة الأولية وفي المستشفيات من المستوى الثاني والثالث وربط هذه المؤسسات جميعها بشبكة للاستشارات والتحويلات، في العام 2009 تم رسم السياسة القومية والاستراتجية للصحة النفسية في السودان وأهم أهدافها دمج الصحة النفسية في المؤسسات الطبية العامة، وهنا يجب الإشارة إلى أن خدمات الصحة النفسية لا تقتصر على تقديم الرعاية والحصول على العلاج بل تشمل تعزيز الصحة النفسية والوقاية من أمراضها،  السياسيين  والمنفذين للخطط السياسية كما أشرت سابقا وبسبب عدم إدراكهم لأهمية الصحة النفسية وتأثيرها يفصلون بين الجسم والعقل وفقاً لنظرية ديكارت، مع أنه لا يوجد فصل فيه وحدة كاملة للإنسان في ذات وجهين، ورسولنا الكريم قال (إن مثل المؤمنين في ترابطهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى .....الخ ) إن أصاب الإنسان أي مرض تظهر فوراً إصابات مرضية نفسية، المؤسسات الطبية قامت على فلسفة ديكارت ولذلك الإداريين الطبيين والكثير من الأطباء غير قادرين على نظرية مفهوم الصحة الشاملة.

السبب الثاني يفترض أن يصاحب استراتيجية الرعاية الصحية  سن قانون للصحة النفسية وهو خلافاً لكثير من المفاهيم الخاطئة، التي تهتم فقط بضبط وتنظيم نوعية الرعاية الطبية الخدمية للمريض النفسي من تشخيص للمرض وهكذا. هنالك الكثير من القوانين السائدة منها القانون القومي للصحة النفسية العامة في لائحة أداب وأخلاق السلوك المهني في المجلس الطبي السوداني، قانون المعاملات المرئية والقانون الجنائي وقانون الأحوال الشخصية وقوانين العمل والخدمة المرئية، هذه جميعها تعطي كل النصوص الحاكمة لعلاقة الطبيب بالمريض كعلاقة تعاقدية تقاضي الطبيب في حالة التقصير الطبي والأخطاء الطبية أو الإهمال الطبي وتنص على الكثير من المبادئ القانونية مثل كيفية إعطاء الموافقة على العلاج الطوعي الإجباري وحفظ الأسرار الطبية والبحوث، إضافة لذلك هناك القرارات والأوامر الوزارية واللوائح التي تفضل هذه المبادئ وكذلك التشريع القانوني الذي يحكم تقديم المهنة الطبية في السودان منذ عقود طويلة، من ضمنها خدمات الطب النفسي ومثل هذا الوضع يتواجد في الكثير من الدول ويعطي أهمية قانونية للصحة النفسية ليس لإحكام وضبط عملية الرعاية العلاجية فقط بل يمكن أن يعمل على تعزيزها، لكن قانون الصحة النفسية متمم ومكمل للسياسات الصحية النفسية ويعمل على تقدير هذه السياسات وتحقيق غاياتها بإنشاء مرافق فائقة الجودة تسهل الحصول على الرعاية الصحية، وإعطاء جميع الحقوق الأساسية للمرضى، وتطوير المهنة، وتعزيز الصحة النفسية في المجتمع برمته، وهو هدف أساسي ورئيسي لتأسيس الصحة النفسية في السودان وفي المجتمع برمته،  حيث توجد دولة قوانين سائدة تشتمل على نصوص للصحة النفسية لا يجب تكرار نصوصها، فقانون الصحة النفسية  تتمثل أهميته في أنه يلزم مرؤسيها ومؤسسيها ومنفذي السياسات الحكومية على مستوى القطر أو الولاية أو المحلية، واللذين يحجمون عن إدراك السعي لإحداث تطوير في الوضع السائد في مجال الصحة النفسية والاعتماد على قانون إلزامي وتشريعي أمام الإداريين الصحيين وراسمي الخطط عن تنفيذ سياسات الصحة النفسية،  فالقانون يمد خططه لمعاجة مقدمي الصحة النفسية في المؤسسات العلاجية بل لمحاكمة الإداريين التنفذيين في حالة عدم وضعهم لاستراتجية  وخطط التطوير في الصحة النفسية على أرض الواقع، حالياً يوجد قانون تم إعداده بطريقة لاعلم لي بها وقدم لمجلس الوزراء والمجلس الوطني، وهو في رأيي قانون معيب يكرر ذات النصوص والمبادئ التي تضبط العملية العلاجية  فقط وبهذا يكرر ما أسس في القوانين الأخرى من ناحية ثابتة وهو معد للتنفيذ في مؤسسات الصحة النفسية التي تسعى لدمج خدمات الصحة النفسية في المؤسسات العلاجية العامة وبالتالي سيحول دون إتاحة خدمات للصحة النفسية رعاية وتعزيزاً ووقاية  للمحتاجين منها في الريف والحضر.