أمهات في عين العاصفة

بقلم/التوم إبراهيم النتيفة

وكأن الشعب في رحيلها يؤكد خلودها ويقول:

أيتها الشمس لا تغربي

حتى تعلمي أن ـ فاطمة ـ خالدة كخلودك

ولكنك تغربين ولكنها لا تغرب أبداً

إبان المد النازي على أوربا والفوهرر في أوج سطوته وأحكام قبضته على السلطة وما صاحبها من أجهزة قمعية، والتي تم تأسيسها بإشرافه المباشر، والتي تدين له بالطاعة والولاء، وبمساعدة الاحتكارات والبيوت المالية الألمانية وعلى سبيل المثال احتكار
"كروب" هذه الاحتكارات التي وجدت نفسها قد خرجت من مولد العالم "بلا حمص" وذلك عقب الحرب العالمية الأولى والتي هزمت فيها ألمانيا. وفي مؤتمر برلين 1885م قد أعيد تقسيم العالم والذي كان مقسماً ـ أصلاً ـ بين الضواري الامبريالية. وعرف كل طرف نصيبه والحدود التي يمكن يتحرك فيها ويفرض سيطرته الاستعمارية.

كان لابد لهتلر وهو يمثل مصالح تحالف الاحتكارات والبيوت الألمانية، والتي تجهد بأن تحصل على نصيب في المستعمرات وبأي ثمن.

حتى لو كان هذا الثمن إشعال حرب عالمية ودمار العالم، ولهذا السبب نشبت واندلعت الحرب العالمية الثانية، بين الدول الحلفاء الإتحاد السوفيتي "سابقاً" وامريكا وبريطانيا. وبين دول ـ المحور ـ ايطاليا واليابان بقيادة ألمانيا. وتمدد الزحف النازي، وقد دنست مقومات وأعراف وثقافات وحضارات أوربا وقد تم سحق هذه الشعوب من قبل النازية بجفاء لا إنساني وقمع لم يسبق له مثيل حتى في العالم القديم، وكانت بلغاريا ضمن هذه الدول التي تلقت الضربة الوحشية وأذاقوا شعبها سوء العذاب والتنكيل والقمع بقمع فاق الحد. شيطاني الملامح واللمسات.

وفي هذه الحالة فكان لابد لكل وطني أن يستدعي الحس والنخوة الوطنية لشعبه، ويدافع عن بلاده في وجه الوحش النازي، وكان حزب الشيوعيين دائماً في المقدمة بقيادة جورجي ديمتروف وتقدمت ضمن من تقدم للنضال، مناضلة بلغارية اسمها "دفيلا البسكوفا" وكانت زوجة وأم لأطفال. فرضت عليها الظروف والكارثة المحدقة بوطنها، وكان عليها أيضاً أن تتخذ قراراً حاسماً وذلك بمحض إرادتها واختيارها. وبلا تردد وبشجاعة قررت أن تقف إلى جانب شعبها ووطنها في محنة. ومن أسوأ الأمور وأردأ المواقف أن يقف المرء مكتوف الأيدي متفرجاً ووطنه في محنة. وقررت ـ فيلا البسكوفا ـ أن تقف إلى جانب شعبها، لإزالة دنس النازية من وطنها وحسمت أمرها بأن تسلك هذا الطريق الوعر على الرغم ما يجلب لها متاعب ومرارات.

لأنها أولاً سوف تفقد الإشراف على أطفالها وهم أشد الحاجة لرعايتها وحنانها الأمومي. وإلى جانب هذا وهو المر الأشد قسوة سوف تحرم من رؤيتهم في نهاية المطاف، ولكن لابد مما ليس منه بد.

واختارت الحياة ـ السرية ـ لنشاطها الثوري لأن الأعداء آجلاً ام عاجلاً سوف يجدون في طلبها وملاحقتها. ولكن على الرغم من المعاناة الرهيبة لفقدان أطفالها، ولكنها انخرطت في غمرة النضال ولم تتخلف من المعركة، وصمدت في عداد من صمدوا من الشعب البلغاري. وأستطاعت واستطاعوا أن ينازلوا الوحش النازي وكانوا شبه عزل وكان ايمانهم بوطنهم أمضى سلاحا، وقد كلل نضال الشعب البلغاري بالنجاح عبر تضحيات بطولية وبمساعدة الجيش الأحمر السوفيتي أن يلحق الهزيمة بالآلة الجهنمية للنازية ويدحرها ويحرر بلاده ويظفر بالاستقلال.

وفي المستعمرات وما قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها وبعد أن سكت هدير المدافع واسدل الستار على أكبر مجزرة بشرية شهدها التاريخ والأكثر قسوة والأشد عنفاً، كانت معارك التحرر الوطني من الاستعمار تطبف الآفاق. وكان لكل بلد أبطاله ـ ولئن كان الشيء بالشيء يذكر ـ والأستاذة/فاطمة أحمد إبراهيم وهي ليست صنوة للبلغارية فيلا اليسكوفا، فحسب بل أنها تمثل رمزاً قومياً مدهشاً ومثالاً يحتذى للشجاعة والإقدام وشجاعتها ليست نزوة عابرة أو نزق صبياني أحمق أو طيش مستهجن، إنها ثمرة حزب شيوعي وحس وطني رفيع وأدت نضالي تاريخي.

وفي أثناء معارك التحرر الوطني اللاهبة ـ والحركة الوطنية السودانية على أشدها، اندفعت فاطمة بكل عنفوانها في قلب المعركة ورمت بكل ثقلها كتفاً بكتف مع رفاقها في الحزب الشيوعي والقوى الوطنية الثائرة من أجل الاستقلال، ومنذ ذلك الوقت حددت موقفها من العالم واختارت مصيرها ووجدت طريقها في المسيرة الظافرة دون أن تلتفت للوراء ومن غير أن تضع اعتبار للنتائج، التي يمكن أن تترتب على هذا الاختيار لأنها ليست شيئاً من الأشياء ولكنها في الأساس قائدة سياسية من الطراز الأول لا يشق لها غبار.

أنها لم تطمع يوماً في سلطةٍ أو جاهٍ ولم تجثو على ركبتيها لطاغية أو مستبد ولم تنحني للعاصفة. ولم تنحني جانباً عن طريق الثورة ولم تنسحب من معركة أو تهزم كفرسان أسبارطا تماماً.

وكانت كـ"وليام والاس" في اسكتلندا 1334م وهو يقود جيش قوامه من الفلاحين العراة والجوعي ضد أطماع انجلترا في بلاده. وخاض معارك شرسة ضدهم وانتصر عليهم وأذاقهم مر الهزائم.

حاول الانجليز أغراءه بأن يكون ملكاً على بلاده، ويكون تابعاً لأنجلترا ومنحه ملكية أراضي واسعة تساوي مساحة انجلترا، فرفض في إباء وشمم وأخيراً تم أسره، ومارسوا عليه التعذيب الوحشي، وطلبوا منه بغية اذلاله في ظل المقصلة أن يطلب ـ الرحمة ـ من الملك ولكنه فاجأهم وهو مغمى عليه ونطق بكلمة واحدة(الحرية) أخرستهم.

وعندما قررت فاطمة العودة للوطن من منفاها الأختياري ـ تشكلت لجنة لاستقبالها من كل الطيف السياسي والقومي، وكان استقبالاً باهراً يليق بمقامها الرفيع، واحتفلت بها مدن سودانية عديدة على سبيل المثال: العاصمة القومية ـ مدني ـ عطبرة ـ وبورتسودان ـ وكسلاـ القضارف ـ وكوستي والأبيض ..الخ. واستقبلت استقبال الأبطال.

كما استقبل الشعب الأسباني رئيسة الحزب الشيوعي الاسباني "الباسيونارا" دولوريس ايباري الباسيونارا" بعد أن عادت من المنفى والذي استغرق حوالي الـ(50)عاماً.كان النداء الذي أطلقته ضد الفاشية والفاشيين "نو باسران" "لن يمروا"!

وبالنسبة للباسينورا لم يكن العناء ذهب سدى وما جسدته الحناجر بالهتاف في استقبالها:

"دولوريس بيننا دولوريس على أرضها"

أستقبلتها الشبيبة العمالية في مناجم "أستوريا" كان الآلاف تلو الآلاف والغالبية منهم في سن أحفادها يهتفون في قلب الطود الآيبري يحيون :"دولوريس ايباري الباسيونارا"

رئيسة الحزب الشيوعي الاسباني التي عادت:

"دولوريس بيننا دولوريس على أرضها".