ثم ماذا بعد رفع العقوبات الأمريكية؟

صدقي كبلو

وأخيرا صدر القرار الذي انتظره الجميع في السودان وخارجه: رفعت عقوبات كلينتون الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عام 1997 فماذا نتوقع أن يحدث؟ ما هي الآثار الآنية والمستقبلية للقرار؟

تتحكم في الآثار المترتبة على القرار عوامل متعددة بعضها موضوعي وبعضها نفسي، والعامل النفسي على أي قرار اقتصادي دائما مؤقت ويعتمد نفسه على عوامل أخرى موضوعية مثل الاستقرار السياسي والأمني وتناسق واستمرارية السياسات الاقتصادية والنقدية.

ولعل العامل النفسي الذي يسود الساحة السودانية الآن هو التفاؤل والذي شكلته الدعاية الرسمية بأن العقوبات هي سبب مشاكل الاقتصاد السوداني، هذه الدعاية خلقت جوا نفسيا بأن رفع العقوبات سيحل كل مشاكلنا، خاصة مسألة النقد الأجنبي من خلال التحويلات والاستثمارات ولربما العون الاقتصادي من أمريكا نفسه. وقد أدى هذا الجو النفسي، إلى جانب عوامل موضوعية صادفت فترة ترقب القرار (انخفاض الطلب على النقد الأجنبي لأسباب موسمية). والسؤال المهم هو إلى متى تستمر حالة التفاؤل وهل صحيح أن النقد الأجنبي سيتدفق على السودان على شكل تحويلات واستثمارات؟

من أين تأتي التحويلات؟ أو لنوسع المسألة ونقول مم يتشكل عرض النقد الأجنبي؟ انه يتشكل من:

  • عائد الصادرات من سلع وخدمات ينتجها ويقدمها السودان للعالم فهل ستزيد الصادرات والخدمات التي سنقدمها للعالم بمجرد رفع العقوبات؟ إن المسألة أكثر تعقيدا ولا تتم بشكل مباشر، فزيادة الصادرات من السلع يعتمد على تطوير الإنتاج المحلي في مجالات الصادرات الزراعية والثروة الحيوانية والنفط والمعادن، وهذا يعتمد أساسا على السياسة الاقتصادية والمالية المحلية والأطر القانونية والمؤسسية بما في ذلك مدخلات الإنتاج الزراعية وعلاقات الإنتاج في الزراعة وتمويل الزراعة المروية والمطري (الآلية وصغار المزارعين) وتحفيز المنتجين والعائد الذي يعود عليهم وفي هذا المجال فإن ما يقدمه رفع العقوبات محدود، فليس هناك من مخلات إنتاجية في مجال الزراعة والثروة الحيوانية لم تكن متاحة للاقتصاد السوداني وخاصة منذ يناير 2017 عندما رفع أوباما العقوبات مؤقتا. ومهما يحدث في هذا المجال فإن الآثار على القطاع الزراعي لن تحدث إلا في الموسم القادم ونتائجها ستظهر في نهاية عام 2018 وبدايات عام 2019. أما في مجال النفط فإن النجاح في جذب استثمارات جديدة يتوقف على منطقة الاستثمار، فلو مثلا ستكون الاستثمارات في شرق وشمال وأواسط السودان فقد يسهل جذبها للاستقرار الأمني النسبي في هذه المناطق، أما في مناطق دارفور الكبرى وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق فالمستثمرون سينتظرون الوصول لسلام دائم وليس مجرد وقف النار وهذا يصدق على مجال المعادن وفي كلا المجالين فإن الوقت المطلوب لظهور العائدات التي ستؤثر على النقد الأجنبي لن يكون قصيرا وبالتالي سيصدم ذلك المتفائلين وستؤثر الصدمة في رفع أسعار النقد الأجنبي من جديد. أما في مجالات الخدمات فهناك خدمات الموانئ البحرية والجوية والتي قد يعود لها النشاط من جديد، ولكن بعض هذه الخدمات لم يتوقف فقط للمقاطعة بقدر توقفه لصعوبة تحويل الأرباح (شركات مثل الطيران الهولندي واللوفتهانزا والبريطاني، كان عامل التحويل أساسي)، ومن المتوقع أن تعود الطائرات السودانية للتحليق في مطارات عالمية وبالتالي تسترد السوق من شركات مثل التركية والأثيوبية والكينية والشركات العربية المتعددة وهذا يعتمد على المدى الزمني لصيانة طائرات الخطوط الجوية السودانية ودعم أسطولها وعلى قدرة الشركات السودانية الخاصة في الوصول للمطارات الأوربية وكل هذا لن يكون تأثيرها في المدى القصير.
  • تحويلات السودانيين العاملين بالخارج وهذه مبالغ ضخمة يمكن أن تؤثر إيجابا في سعر الصرف، إذا تم جذبها عبر القنوات والبنوك الرسمية وهذه منافسة بين السوق الرسمي والموازي لا تتعلق فقط بالعرض بل بتشكيل وتركيب الطلب على النقد الأجنبي، فالسوق الموازي يستفيد من سياسة حرية التجارة والتي لا تتدخل في تحديد الواردات السلعية والخدمية وتركيبها، وبما أن جزءا معتبرا من هذه الواردات يتصف بمرونة طلب سعرية منخفضة لأنه يشكل طلب الفئات الغنية في المجتمع فالسوق الرسمي فاقد للمعركة، وإن توجه الحكومة فيما عبر وزير المالية نحو توحيد سعر الصرف لن يوقف الجنيه من التدهور ولا العملات الأجنبية من الصعود ما دامت فاتورة الواردات وتركيبها في حالها؛ بل سيؤدي لآثار تضخمية ضارة وسيدفع لإنهاء الحالة النفسية المتوقعة انخفاض السعر أكثر. إن قضية التحويلات يمكن علاجها بسياستين مقترنتين الأولى تحفيز المحولين أنفسهم بحوافز مادية ترفع قيمة تحويلاتهم الحقيقية وليست النقدية، والثانية لجم الطلب على النقد الأجنبي بالعودة لسياسة تحدد الواردات المسموح بها لمصلحة الاقتصاد والضرورية للمواطن السوداني.

وعليه فإن الأثر النفسي سيزول بعد الصدمة التي سيتلقاها المتفائلون في فترة وجيزة قد لا تزيد عن ستة شهور وبالتحديد عندما يبدأ موسم زيادة الطلب على النقد الأجنبي بدءا من شعبان القادم (حوالي أبريل 2018) وحتى نهاية ذي القعدة (سبتمبر2018) حيث يعود الطلب لحاجيات رمضان والعيدين والحج وفتح المدارس).

غير أني أعتقد أن رفع العقوبات قد يعطي إشارة إيجابية للمستثمرين العرب والآسيويين ويصبح جذبهم للاستثمار في السودان يعتمد أكثر على السياسات المالية والاقتصادية واستقرارها والاستقرار السياسي.

إن الاستفادة الحقيقية من رفع الحظر في مجال العون الأجنبي غير متاحة للنظام بتركيبته وسياساته الحالية، فالقرار 13400 الخاص بدارفور وقانون دارفور الصادر من الكونغرس وقرار 1993 الخاص بالإرهاب، لم يتم رفعهما بعد وسيؤثران على العون الأجنبي بشكل عام، وعلى مطلب السودان بمعالجة ديونه.
إن الولايات المتحدة ستستمر في استعمال سياسة العصا والجزرة لتحقيق مصالحها وفي تهيئة الجو السياسي والأمني لاستثماراتها في السودان، إذ أن رفع العقوبات ليس هو الفصل الأخير في العلاقات الأمريكية السودانية والدولية.

لن يغير رفع العقوبات من المشاكل التي تواجه الميزانية السودانية والاختلال العضوي في تركيب إيراداتها ومنصرفاتها، وهذه قضية مرتبطة بطبيعة النظام وحاجته لمنصرفات عالية في مجالات الدفاع والأمن مما يقلل ما يتوفر للخدمات الاقتصادية والاجتماعية وللتنمية، وبالتالي لا نتوقع من الميزانية الجديدة لعام 2018 جديدا كما وضح من مؤشراتها التي سنتناولها في مرات قادمة.  ولكن ما زالت رسالة وزير المالية السلبية حول أن رفع العقوبات قد يؤدي لتوحيد سعر الصرف تهدد بزيادة ضخمة في الأسعار قد تنعكس سلبا على الاستقرار السياسي والاقتصادي معا.

كما أنه لن يكون هناك تغيير في الميزان التجاري وعجزه وانعكاسات ذلك على ميزان المدفوعات، فرغم الزيادة الملحوظة في المساحات المزروعة قطنا، فالحديث عما واجهته العروة الصيفية من مشاكل لا يدعو للتفاؤل، وما زالت سياسة تصدير المعادن غير مستقرة ولا تنعكس إيجابا على الميزان التجاري وميزان المدفوعات، فإذا كان ما تقوله الحكومة صحيحا عن إنتاج الذهب فأين يذهب عائده من النقد الأجنبي؟