بيروقراطية المؤسسات الصحية، هل تصبح سبباً في هجرة الأطباء؟

الخرطوم: الميدان

ارتفاع وتيرة هجرة الأطباء أحدث  فجوة وصفها مراقبون بـ"الكبيرة" في المؤسسات الصحية بالبلاد، في وقت  يتباهى القائمون على أمر الصحة بإقرار استراتيجية شاملة تركز على الرعاية الصحية الأولية والتغطية الشاملة فضلا عن دعواهم  بزيادة ميزانية الصحة التي خصص لها(20%)فقط من الموازنة العامة، لكن مواجهة التباهي وفرية زيادة ميزانية الصحة يسقطها تدافع الاطباء واصطفافهم بوكالات السفر وتحزيم أمتعتهم طلباً للهجرة  (الميدان) جلست لعدد من الأطباء للوقوف على الأسباب التي جعلت الأطباء يهاجرون .

ومن جهته حذر د. حسام الأمين من  قصورٍ وخللٍ وصفهما بالكبيرين في تسكين وتوظيف الأطباء بعد نيلهم درجة البكلاريوس مباشرة، فطبيب الامتياز يمكث من(7ـــ 12) شهر كاملاً بعد طلب الوظيفة في لجنة الاختيار بعد أدائه للقسم الطبي، هذه الفترة  الطويلة يكون فيها الطبيب عاطل كليا عن العمل ويصرف عليه اخوته  الصغار في المنزل، ومن هنا تأتي  الفكرة الأولى للهجرة إلى الخارج، بعدها يعيش الطبيب بعد تعينه في ظروف غاية في السوء وبمرتب لايزيد عن(1250جنيه) بعد(8)أشهر، بجانب أنه يواجه بمعاناة الحرمان من المرتب وبعدد ساعات غير عادلة  على الإطلاق قد يصل إلى(36) ساعة في(النبطشية) الواحدة يصرف نصفها على المرضى والنصف الآخر على المواصلات، وهنا تبدأ قناعات الكثير من الأطباء تترسخ بالهجرة. بعدها يقابل ذات الطبيب بعد عام عطالة من غير عمل أو وظيفة وعام إمتياز ؛ إذلال في الخدمة الوطنية لفترة عام آخر وبنهاية الخدمة تترسخ لدى الطبيب قناعة بترك البلاد والهجرة بسبب سوء بيئة العمل والتدريب وإنعدام الحوافز وقلة المرتبات هذا، بالإضافة إلى الإعتداءات المتكررة على الأطباء والهجوم الممنهج على الكوادر الطبية من أهم الأسباب التي أدت إلى الهجرة بصورة عامة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هنالك سوء كبير في بيئة العمل وخلل في الربط السريري في كل المستشفيات، فأغلب مستشفيات السودان تعاني من نقص في الكوادر الطبية للأسباب التي ذكرتها، بالإضافة إلى سوء التدريب في كل المستشفيات الحكومية، فالحوادث في كثير من الأحيان تغطى بأطباء الامتياز لأن هنالك نقص في عدد النواب والإختصاصيين.

وأشار أغلب الإختصاصيين إلى السعي للهجرة بسبب بيرقراطية القرارات في المؤسسات الصحية بصورة عامة، وعدم تأهيل المستشفيات  فاتجه الاختصاصيون إلى الخليج وصارت المستشفيات عبارة عن خرابات بسبب قرارات الوزارة والدولة تجاه الصحة، وأعتقد بأن هذا الأمر هو مقصود بسبب تدمير المستشفيات العامة لصالح القطاع الخاص.

  • بيئة غير مشجعة

من جهته نوه  نائب الاخصائي  عمر محمد إلى أن  معظم الأطباء العاملين بالمستشفيات الآن  أطباء امتياز ونواب اختصاصيين، وقال:( إن مداومتهم بالمستشفيات يعود إلى أنهم في فترة تدريب ويريدون فقط إكمال تلك الفترة وسنة الامتياز، بجانب أعداد محدودة من النواب لايتجاوز عددهم(5)حسب التخصص)وتابع:(كافة الأطباء غير حريصين على العمل بالمستشفيات لأن  بيئة العمل  بها غير مشجعة، بالإضافة لضعف  العائد المادي فهو غير مجزٍ، كل تلك الأسباب تدفع الأطباء العموميين للسفر مرغمين، وبحثا عن واقع  أفضل في دول تحترمهم وتوفر لهم الحياة الكريمة) وأكد شاوراب أن هذا الواقع أحدث فجوة كبيرة في الاطباء بالمستشفيات وزاد:(قلَّ ماتجدين أطباء عموميين هذه الأيام إلا طبيب أو طبيبة خدمة وطنية أو من ينتظر أن تتم مدة الخبرة سنتين حتى يتسنَّ لهم السفر) .

معظم المستشفيات تدار بواسطة أطباء الخدمة الوطنية والنواب ونسبة الأطباء المعينين من  وزارة الصحة الإتحادية وأصحاب الرواتب الشهريه قلة قليلة، وهذه القلة أيضا وبسبب ضعف المرتب عزفت عن وظائف الوزارة ورجحت كفة الهجرة .

ومن جهتها قالت - ممثلة نقابة الأطباء السودانيين حياة عبد الرحمن،في تصريحات سابقة  :(إن مستشفيات الخرطوم تعاني من التجفيف من التخصصات المختلفة) وحذرت في الوقت ذاته من حدوث كارثة إنسانية بسبب هجرة وتشريد الأطباء.

وأكد الدكتور سيد قنات أن عدد اختصاصي جراحة المخ والأعصاب لا يتعدى الخمس، فيما يبلغ عدد سكان ولاية الخرطوم حوالي (8) ملايين نسمة بها (41)اختصاصيا فقط في مجال الصحة الباطنية والمخ والأعصاب و(80)طبيباً في تخصص أمراض النساء والتوليد و (114) في تخصص الأطفال( 3) في تخصص الصدرية و(48)في التخدير.

  • إقرار البرلمان

وكان  البرلمان قد اعترف في  تصريحات سابقة أن هجرة  الاطباء والكوادر المساعدة من المشاكل التي تهدد الأمن القومي والاقتصاد و توطين العلاج بالداخل، وأضاف أن الحد منها يحتاج إلى وقفة جادة من الدولة تتمثل في رفع الأجور وتحسين بيئة العمل للكادر الطبي مقارنة مع ما يجده في الخارج، واعتبر تحسين الأجر بنسبة(75%)من الأجر الذي يتعاطاه بالخارج، سيكون له انعكاساته في الحد منها، ونوه إلى أن هناك زيادة مضطردة لهجرة الأطباء، وقال:( إن الحديث عنها من قبل المجلس القومي للتخصصات الطبية فيه تخوف من ارتفاع وتيرتها) وتابع:(حتى تتم المعالجة بصورة سليمة لابد من تقنين الهجرة عبر مكاتب منظمة وتنسيق كامل مع الدول التي يهاجر إليها الأطباء حتى تنعكس في نمو الاقتصاد وتوفير العملات الأجنبية للسودان، عبر مكاتب منسقة تشرف عليها الدولة، وتقنين الهجرة عبر وزارة الخارجية) وأكد أن ذلك البديل الأنجع للهجرة غير المنظمة واعتبرها أداة  لإيجاد عائد ودخل من الدولة بدل أن تفقد الكادر وتفقد العملات على حد سواء.

  • تأثيرات سالبة

وحذَّر الأمين العام لمجلس التخصصات الطبية الشيخ الصديق بدر من تزايد وتيرة هجرة الاطباء، ونوه لوجود فجوة وصفها بالكبيرة في أعداد الاختصاصيين  بالبلاد، وقال:(إن الذين يقللون من هجرة الأطباء ماعندهم رؤية وغير ملمين بالمعلومات) وأشار لهجرة نصف القوة من الأطباء لخارج البلاد بما فيها  كوادر التمريض وضباط الصحة، وكشف عن تواجد ما لا يقل عن(9)ألف طبيب بالمملكة العربية السعودية فقط وألف طبيب ببريطانيا.

 و أبدى الشيخ الصديق تخوفه من تأثيرات الهجرة على التدريب الطبي بالسودان، وأقر  بأن المجلس مهدد بفقدان القدرة على التدريب بسبب هجرة الاستشارين وانعكاساتها على القدرة الاستيعابية، وأضاف أن الهجرة بوضعها الحالي غير منظمة وأن المجلس لايستطيع إيقافها  ، ونوه لوجود(9)ألف طبيب بالسعودية فقط ، وأضاف أن المملكة أعلنت أن سدس الاطباء العاملين بها من السودانيين واعتبر هذا الوضع بالمهدد ونوه إلى  ابرام اتفاق في وقت سابق مع المملكة العربية  السعودية بإشراف وزارة الصحة الإتحادية وتوقع أن يسهم في تقنين الهجرة ورفع كفاءة الطبيب وتأهيله وتحسين أوضاعه المادية، وقال الصديق:(إن الاتفاق لن يحد من هجرة الاطباء) ونفى وجود أي غرض للتضييق أو الحجر على هجرة  الأطباء من خلال هذا الإتفاق .

وفي السياق وجه الأمين العام لمجلس التخصصات الطبية انتقادات واسعة  لوكالات السفر ووصف ممارساتها بغير الشرعية، وفقا لتصنيفات منظمة العمل الدولية، وقال:( إن ما يتعرض له الاطباء إتجار بالبشر واستغلال لحوجتهم للوظيفة التي يشترط دفع15 ــ 20ألف جنيه للحصول عليها) وانتقد استجابة معظم الأطباء لشروط الوكالات، رغما عن عدم قانونيتها، ودلل على ذلك بلجوء عدد من الأطباء لبيع أثاثاتهم ومقتنياتهم المنزلية لاستكمال تكاليف الهجرة . وأبدى الصديق استغرابه  من ارتفاع  أعداد الوكالات مؤخراً، وأشار إلى أنه كانت هنالك( 3 ) وكالات فقط والآن تقدر بـ(150)وكالة سفر قال إنها حققت أرباحاً طائلة (ولا ندري إلى أين تذهب ولمصلحة من؟).