اندونيسيا .. وثائق أمريكية تكشف دور الغرب في قيام الدكتاتورية

 

بقلم : رشيد غويلب

تبقى المذابح التي ارتكبها الجيش والميليشيات بحق أعضاء الحزب الشيوعي الحركات اليسارية عام 1965 في اندونيسيا، وهي أكثر البلدان الغنية بالسكان والموارد في جنوب شرق آسيا، واحدة من وصمات العار السوداء في تاريخ الحرب الباردة، ومن بين أكبر المذابح في القرن العشرين. وحتى الآن تجري الإساءة للناجين من المجزرة وأقارب الضحايا ، بينما ظل القتلة في منجى من العقاب. والآن تلقي الوثائق الحكومية الامريكية التي رفعت عنها السرية اخيرا، لأول مرة في الولايات المتحدة، مزيدا من الضوء على هذا الملف القاتم.

ويبلغ حجم الوثائق التي تم رفع السرية عنها أكثر من 30 الف صفحة ، وهي تنشر الكترونيا و بصورة تدريجية للراي العام من قبل "المركز الوطني لرفع السرية" وأرشيف الأمن الوطني بجامعة جورج واشنطن. وتمثل الوثائق التي تم الكشف عنها اكبر كمية من نوعها منذ تأسيس المركز في عام 2009 . وكانت أفلام "قانون القتل" (2012) و "نظرة صمت" (2014) للمخرج الأمريكي جوشوا أوبنهايمر قد قدمت لأول مرة مرتكبي جرائم القتل الجماعي أمام الكاميرا. و عملت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي المحيطين بالديمقراطي توماس أودال على الإفراج عن الوثائق.

وكانت إندونيسيا قد نالت استقلالها سنة 945 بعد 300 سنة من الحكم الاستعماري الهولندي وثلاث سنوات من الاحتلال الياباني، وأصبحت عضواً مؤسساً لحركة عدم الانحياز. وعندما اعتمد رئيسها آنذاك سوكارنو بشكل متزايد سياسة مواجهة الإمبريالية في أواخر الخمسينيات ، وأمّم الشركات الغربية، واقترب سياسيا من الحزب الشيوعي الاندونيسي، اغضب بذلك بعض الحكومات الغربية وأوساطاً في الجيش الاندونيسي. وكان الشيوعي الاندونيسي في حينه ثالث اكبر حزب شيوعي في العالم بعد نظيريه السوفييتي والصيني.

وبعد اختطاف وقتل العديد من قادة الجيش، الذين قيل انهم كانوا يريدون، بالتعاون مع المخابرات المركزية الامريكية، إسقاط حكومة الرئيس سوكارنو، تم تنفيذ الانقلاب والمذابح التي رافقته. وسبق ذلك اتهام الشيوعيين كذباً وزوراً باختطاف سبعة جنرالات واغتيالهم، وإن عضوات منظمة جيرواني النسوية اليسارية قد اشتركن في تصفية الجنرالات والتمثيل بجثثهم وجثث عشيقاتهم . وتناقض هذا الاتهام مع نتائج تشريح الطب العدلي. ونتيجة لذلك تم الانتقام من الكثير من النساء اللواتي تعرضن للتعذيب القاسي والاغتصاب. وعمل إعلام الانقلابيين على وصم الشيوعيين بالخيانة الوطنية، وبرر عمليات الإبادة الجماعية. واستمرت الحكومة طيلة عقود في اثارة المخاوف من "شبح الشيوعية"، حتى بعد توجيه ضربة كبيرة للحزب الشيوعي الاندونيسي وقوى اليسار في البلاد.

وتقدم الوثائق الأمريكية، والتي هي في معظمها مراسلات دبلوماسية بين عامي 1964 و1968، مزيدا من التفاصيل بشأن الدعم الذي قدمته سفارة الولايات المتحدة فى جاكرتا لعمليات"التطهير" المعادي للشيوعية في صفوف الجيش الاندونيسي عبر سجلات يومية تفصيلية. وعلى سبيل المثال، أبلغ السفير الأمريكي مارشال غرين في برقية من جاكرتا يوم 18 تشرين الأول 1965 وزير الخارجية في واشنطن عن العنف المناهض للشيوعية في سومطرة وسولاويزي وجاوا. كما أطلعه على تعذيب أحد خاطفي الجنرالات و "اعترافه" بأن الحزب الشيوعي هو العقل المدبر.

وفي السنوات التالية أعيد دمج إندونيسيا بالنظام الرأسمالي. وفي وقت مبكر من عام 1965، برر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قصف فيتنام الشمالية بالاشارة إلى نظرية تساقط احجار الدومينو. مشيرا إلى "حماية" الثروة المعدنية الكبيرة في دولة الجزر، أي اندونيسيا . وبعد عامين، وصف الحدث الاجرامي المروع باعتباره "الفوز بالجائزة الكبرى في جنوب شرق آسيا". وفي كانون الأول 1967، نظمت شركة الإعلام الكبرى Time.Inc. في جنيف مؤتمراً لمستثمري إندونيسيا. وقال رئيس الشركة بصراحة ان الهدف هو "خلق مناخ جديد تعمل فيه الشركات الخاصة والبلدان النامية معا من اجل مصلحتها المشتركة، ولتحقيق اعلى الارباح للعالم الحر".

وهذا ما يفعلونه حتى اليوم. وهو نفسه السبب في أن هناك القليل من اهتمام الحكومات بمعالجة العنف، سواء في إندونيسيا أو في بلدان الغرب الراسمالي.