تونس : المعارضة تعتزم توسيع الاحتجاجات ... والائتلاف الحكومي يحذّر

ساد الهدوء، يوم أمس، معظم المدن التونسية، بعد ليلة مضطربة تخللتها احتجاجات ليلية، وأسفرت عن مقتل متظاهر وإصابة 11 عنصراً أمنياً.

إلا أن ذلك الهدوء لا يُعلم مداه إلى الآن، في ظل اعتزام المعارضة توسيع نطاق الاحتجاجات على قانون المالية الجديد «حتى إسقاطه». اعتزام يثير قلق الائتلاف الحكومي الذي أجمعت وجوهه، على الرغم من خلافها المستجد، على اعتبار تلك الدعوات من باب «المزايدات ومحاولات الشيطنة»

شهدت تونس، خلال اليومين الماضيين، موجة احتجاجات شعبية على قانون المالية الجديد الذي يتضمن إجرءات تقشفية، من بينها رفع الدعم عن بعض السلع، وزيادة الضرائب. يأتي ذلك في وقت تهتز فيه الساحة السياسية على وقع تلويح حزب «نداء تونس» بفك ارتباطه بحركة «النهضة»، ما ينذر بفسخ الائتلاف الحكومي الذي يحكم البلاد منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2014.

مشهد سياسي واقتصادي واجتماعي مضطرب يسم الدولة التي انطلقت منها شرارة «الربيع العربي»، وهي تعيش في أجواء الذكرى السابعة لانتفاضة «الحرية والكرامة». ولئن كان شهر كانون الثاني/يناير موعداً سنوياً متجدداً لاضطرابات تتخذ في الأغلب طابعاً اقتصادياً اجتماعياً، بالنظر إلى الضائقة التي يعيشها سكان المناطق الداخلية والأرياف في هذا الشهر من كل عام، إلا أنه هذه المرة يبدو أكثر خطورة كونه يعقب إقرار «خطوات إصلاحية» يشترطها صندوق النقد الدولي، ويتزامن مع اشتداد التجاذبات السياسية بين الحكومة والمعارضة، وحتى داخل الائتلاف الحكومي نفسه، وذلك على أبواب الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في السادس من أيار/مايو من العام الحالي.

وتحولت الموجة الاحتجاجية الجديدة، التي بلغت ذورتها ليل الإثنين ــ الثلاثاء بمقتل متظاهر في منطقة طبربة جنوب العاصمة، إلى مادة تراشق حادّ داخل البرلمان وعلى منابر وسائل الإعلام. ووجد نواب المعارضة، وخصوصاً منهم ممثلي «الجبهة الشعبية» و«الكتلة الديمقراطية»، في الاحتجاجات فرصة سانحة لتصعيد انتقاداتهم ضد الائتلاف الحكومي، إذ اتهموا الأخير بممارسة «سياسة تجويع وتفقير واضطهاد وقهر وذل»، داعين إلى التراجع عن «البنود الموجهة ضد الشعب» في «موازنة 2018» التي تم إقرارها في 9 كانون الأول/ديسمبر الماضي، والتي تضمنت رفع أسعار البنزين، وزيادة الضرائب المفروضة على السيارات والاتصالات الهاتفية والإنترنت والإقامة في الفنادق، فضلاً عن خصم ما نسبته 1% من رواتب الموظفين بهدف سد العجز في تمويل الصناديق الاجتماعية.

هذه الانتقادات اللاذعة سرعان ما استدعت ردوداً من قبل ممثلي «النهضة» الذين رأوا أن ثمة مغالطات في الحديث عن قانون المالية، متهمين المعارضة بـ«محاولة التملص من المسؤولية، وإلقاء التهم جزافاً، وشيطنة الآخرين». وفي الاتجاه نفسه، حذر ممثلو «نداء تونس» من «عمليات الشيطنة والمزايدات»، ورأوا أن «الحراك الحالي لا علاقة له بقانون المالية». كذلك حذروا من «عمليات التخريب في وقت تشكو فيه البلاد من تهديدات إرهابية». تحذيرات ترافقت مع زيارة تفقدية قام بها، صباح أمس، رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى معبر ذهيبة وازن الحدودي، وكذلك المراكز الأمنية الحدودية في منطقة رمادة بولاية تطاوين، وهو ما قرأ فيه بعض نواب المعارضة رسالة مفادها: «الأمن مقابل الغذاء».

تَعزَّز الانطباع المتقدم لدى الجبهة المعارِضة مع انبعاث الجدل حول التظاهر ليلاً، الذي أجمعت الوجوه الحكومية على رفضه، إذ أشار رئيس الحكومة إلى أنه «في الديموقراطية ليست هناك احتجاجات في الليل»، في حين رأى الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، خليفة الشيباني، أن «الاحتجاج الديمقراطي يكون في وضح النهار وليس في الليل». تعليقات لم تَرُق ممثلي المعارضة، الذين ذكّروا نواب «النهضة» و«نداء تونس» بأنهم ارتقوا إلى الحكم «بسبب المظاهرات ليلاً»، محمّلين الحكومة مسؤولية أعمال العنف التي تخللت الاحتجاجات الأخيرة، متسبّبة في مقتل مواطن وإصابة 11 عنصراً أمنياً، ومسفرة عن اعتقال 44 شخصاً.

هذا الجدل المتصاعد يُحتمل أن يتخذ أشكالاً أكثر حدّة في الأيام المقبلة، مع اعتزام المعارضة الدفع نحو توسيع نطاق الاحتجاجات حتى إسقاط قانون المالية. ووفقاً لما أدلى به زعيم «الجبهة الشعبية»، حمة الهمامي، في مؤتمر صحافي في العاصمة أمس، فـ«(إننا) سنبقى في الشارع، وسنزيد وتيرة الاحتجاجات حتى نسقط قانون المالية الجائر الذي يستهدف خبز التونسيين ويزيد معاناتهم... (كما أننا) ندعو التونسيين إلى مواصلة النضال». دعوات تصعيدية قابلتها الحكومة بالدعوة إلى التهدئة، محاوِلة طمأنة المواطنين إلى أن ما يواجهونه من مصاعب راهناً إنما هو مخاض مؤقت لرخاء سيبدأ مطلع 2019. وأقرّ الشاهد بأن «الوضع الاقتصادي صعب»، مستدركاً بأن «الناس يجب أن تفهم أن الوضع استثنائي، وأن بلدهم يمر بصعوبات، ولكن نحن نرى أن 2018 سيكون آخر عام صعب على التونسيين»، بينما نقل وزير المالية، رضا شلغوم، عن رئيس الحكومة تعهده بـ«عدم زيادة أسعار المنتجات الأولية»، لافتاً إلى أن «الضرائب لا تطال بشيء سلة المنتجات الغذائية، لأنها خارج إطار الضريبة على القيمة المضافة».

إزاء ذلك، يبدو أن لكل من الأطراف المتناوئة حساباته إزاء الاحتجاجات وكيفية التعامل معها؛ حكومة يوسف الشاهد، التي أطلقت في أيار/مايو الماضي حملة لمكافحة الفساد، تشتد حاجتها إلى الاستقرار الأمني، لمتابعة «برنامجها الإصلاحي» الذي يشترط المانحون عليها تنفيذه، والذي يلقى اعتراضات من قبل منظمات وشخصيات ترى أنه سيؤدي إلى تعميق الأزمة، وأن ثمة بدائل منه أكثر جدوى وفاعلية. حزبا «النهضة» و«نداء تونس»، اللذان تعرّض ائتلافهما لهزة قبل أيام مع تلويح الأخير بإعادة النظر في التحالف مع الأولى، يظهران، من جهتهما، مشغولَين بالتحضيرات للانتخابات المحلية، ومن بعدها التشريعية، والتي بدأت إرهاصاتها بالظهور مع إجراء انتخابات تشريعية جزئية في ولاية ألمانيا في 16 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وعليه فمن غير المفيد للحزبين الآن بروز تطورات يمكن أن تلهيهما عن الاستحقاق الرئيس. أما المعارضة فإنها تجد في الاحتجاجات فرصتها للتشنيع على الائتلاف الحكومي وتعزيز رصيدها الشعبي.

ومن بين تلك الحسابات جميعها تتعالى أصوات المتظاهرين في القصرين وسيدي بوزيد وغيرهما، مردّدة: «زاد الفقر زاد الجوع يا مواطن يا مقهور»، و«نظامك أكله السوس»، و«يا حكومة الالتفاف الشعب يعاني في الأرياف»، و«الأسعار شعلة نار». شعارات يترافق إطلاقها مع أعمال احتجاجية أوصلت، خلال اليومين الماضيين، إلى إحراق مراكز شرطة، وسرقة متاجر، وتخريب منشآت في مدن عديدة، بحسب ما أعلنت وزارة الداخلية، الأمر الذي ينذر، في حال استمرار الاحتجاجات، بدخول عناصر «من خارج النسيج» على الخط، خصوصاً أن تونس لمّا تأمن نهائياً بعد من التهديد الإرهابي الذي يحدق بها