تعليقات في السياسية الداخلية

الاستقرار ليس بقوة الحكومة وقطع الرقاب بل بتحقيق العدالة الاجتماعية(1/2)

عندما يقول السيد حسبو محمد عبدالرحمن نائب رئيس الجمهورية عند افتتاحه معارض التراث ضمن مهرجان الجزيرة للسياحة والتسويق في مدني في 5 يناير 2018م "ما في زول أقوى من الحكومة وأي زول يمد رأسه بنقطعوا ليهو" فأين هذا القول مما داع رسول كسرى أنو شروان عندما رأى خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب نائماً تحت ظل شجرة بلا حراس ولا حماية فقال:" عدلت فنمت يا عمر" والسيد حسبو أيضاً لا يتعلم من دروس وعبر التاريخ غير البعيد والتي تقول أن الشعوب هي الأقوى من الحكومات مهما كان جبروتها وطغيانها فهي التي صرعت اعتى الحكام النازيين والفاشيين من أمثال هتلر وموسوليني وغيرهما من الحكام الطغاة الذين أذاقوا شعوبهم مرارات ليس أقلها قطع الرؤوس. ولا يتعظ من المصير المظلم الذي لقبه الطاغية القذافي على يد الشعب الليبي عندما حاصره وهو هارب في جحر قاذروات يعاف الضب من اللجوء إليه .

فالنظام الذي يعتمد على القوة والبطش بشعبه واللجوء إلى الأجنبي لحمايته منه، إنما هو نظام يعيش أضعف سنوات عمره في الحكم. ولن ينقذه من السقوط الشعارات المخادعة التي مل الشعب تكرارها وسماعها لأنها جعجعة بلا طحن.

عندما يقول السيد حسبو "إن القضية الأساسية للبلاء والاقتصاد أن يكون الإنتاج أكثر من الاستهلاك والصادر أكثر من الوارد" فإنه يردد ما قاله النظام طوال أكثر  من ثمانية وعشرين عاماً لخداع الشعب. فإن كان الأمر كذلك فلماذا لا تطبقون ما تقولون ، الواقع يقول أنكم تعملون عكس ما تقولون. إذ كيف يكون الإنتاج أكثر من الاستهلاك وأنتم قد قمتم بخصخصة المشاريع الزراعية والصناعية المنتجة والتي كانت تمثل قمم الاقتصاد وكنوزه الحالية للعملات الأجنبية، وكذلك خصخصة وبيع المؤسسات الخدمية، بما فيها الرابح في كل تلك المؤسسات، انصياعاً لأوامر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتنفيذاً لسياساته الاقتصادية القاضية بتحرير الاقتصاد وحرية السوق "ورفع الدعم" أي زيادة الأسعار والضرائب والجبايات والإصرار على جمعها 100% بكل الوسائل والسبل، ورفعتم يدكم من الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي بما في ذلك الحج إلى بيت الله الحرام وسلمتموها لقمة سائغة للقطاع الخاص يفعل فيها ما يشاء من رفع للأسعار وغيرها من الممارسات. ليس ذلك وحسب، بل بعتم وأجرتم ملايين الأفدنة من الأراضي عالية الخصوبة والإنتاجية لرأس مال القطاع الخاص الأجنبي بامتيازات لا يحلم بها حتى في بلده بحجة تشجيع  الاستثمار، مثل الإعفاء من الضرائب لسنوات طويلة وزراعة ما يشاء من المحاصيل وتحويلها إلى خارج السودان مع ضمان تحويل رأس المال وما يجنيه من أرباح. فما قيمة هكذا استثمار، ولمصلحة من يحدث ذلك؟ إذا كان لا يعود على الشعب والوطن بأي فائدة تذكر، بل ما يحصده الوطن والشعب من أضرار لا يقدر بثمن. وهو يتجسد في مزاحمته أراضيه الصالحة للزراعة ومياهه وضيق فرص العمل التي تسمح شروط الاستثمار للمستثمر بجلب عمالة اجنبية من خارج الوطن. وبهذا يتحول الاستثمار المزعوم من فزع إلى وجع، يفاقم من معاناة  الشعب.

إن ممارسات النظام الطفيلي المعادية للإنتاج ورفع يد الدولة منه، قاد إلى تدني الإنتاج والإنتاجية وادى إلى تدهور مريع في الصادرات وبالتالي شح غير مسبوق في العملات الأجنبية. ويتأكد ذلك بوضوح تام في موازنة العام الحالي 2018م والتي تشير إلى أننا نستورد بما مقداره تسعة (9) مليار دولار بينما نصدر ما لا يتعدى عائده أربعة (4) مليار دولار . ولهذا يبلغ العجز في الميزان التجاري (5) مليار دولار وفي ميزان المدفوعات خمسة (5) مليار دولار. ويبلغ العجز في الموازنة 83 مليار جنيهاً.

والملاحظ أن هذه العجوزات تمثل حضوراً دائماً في كل الموازنات منذ أن سطت الجبهة الإسلامية القومية على الحكم. إلا أن عجز الموازنة لهذا العام فهو رقم غير مسبوق لا في تاريخ نظام حكم الرأسمالية الطفيلية وحسب، بل لم يحدث في كل تاريخ السودان الحديث والقديم أيضاً. ولهذا حاولت الحكومة خداع الشعب والمجتمع الدولي برقم متدني للعجز مقداره 28 مليار جنيه ووضعت مبلغ الخمسة وخمسين مليار تحت بنود التمويل والاستدانة الداخلية والخارجية والتي في علم الغيب ولم يتم تحصيلها كواقع يدخل الموازنة ويعتبر جزءاً منها.

الملاحظ أيضاً أن هذا العجز يتصاعد بأرقام عالية عاماً بعد الآخر، ويفسر د.صابر محمد الحسن ذلك التصاعد (بأنه يعزى إلى أننا رغم فقدنا لـ(50%) من موارد البترول بعد انفصال الجنوب وتحويل (50%) من احتياطيات البنك المركزي لحكومة الجنوب، ظل سلوكنا الاقتصادي كالعادة ولم يحدث أي تغيير. تخيل دولة فقدت (75%) من موارد النقد الأجنبي، هل من المعقول الاستمرار في ذات السياسة الاقتصادية وكأن شيئاً لم يحدث. الاستمرار في الاستيراد بنفس المستوى والصرف بنفس المستوى وتستمر الحكومة بنفس المستوى. لذلك فالاختلالات موجودة في جسم الاقتصاد، وعندما تضيق الأمور نقوم بعمل اجراءات بسيطة وعندما نشعر بالضغط تتراجع منها. وأن جهودنا في العمل قاصرة في حدود الكارثة وحالما تخف صدمتها تعود الأمور إلى ما كانت عليه في سابق عهدها".

ويعترف د.صابر محمد الحسن بأن تلك الضغوط يمارسها البنك الدولي عندما قال "طالبنا البنك الدولي بأن لا نحدد سعراً للدولار وتتركه يحدد سعره حسب طلب السوق وهذا ما قمنا به"

[راجع صحيفة التيار عدد 18 ديسمبر 2017م]

نسأل السيد حسبو نائب رئيس الجمهورية من قوله (سيكون العام 2018م عاماً بعبور الاقتصاد بعد رفع العقوبات) كيف سيتم هذا العبور مع كل هذه الحقائق الدامغة في الواقع الكارثي للاقتصاد السوداني الذي وصل فيه سعر رغيف الخبز الواحد واحد جنيهاً؟

خلافاً لما ذهب إليه السيد حسبو، فإن ميزانية العام 2018 تجسد الافقار المطلق للغالبية الساحقة في شعب السودان، وتفاقم من الأزمة الاقتصادية/ المالية للبلاد.

وبلغ الرفض لها ما قاله عنها نواب البرلمان غير المؤيدين لاجازتها "إن مناقشة البرلمان لهذه الموازنة ضياع للوقت وتحصيل حاصل وإقرار بحالة فاسدة. فهي كلام على الورق لأنه بعد ثلاثة أشهر من إجازتها تجد الوضع مختلفاً في السوق. والحديث عن تطور الزراعة والثروة الحيوانية أحلام. ويدل على أزمة عقل مستفحلة. إنها ضد مخرجات الحوار الوطني لمخالفتها رفع المعاناة عن المواطنين واعتمادها على الضرائب بصورة أساسية" مع ذلك وبالرغم من الزيادة غير المسبوقة في أسعار السلع الضرورية للمعيشة اليومية، يظل الحد الأدنى لأجور العاملين يراوح مكانه بين 425 ـ 600 جنيهاً خمسة أيام من الشهر. وقال رئيس المجلس الأعلى للأجور عبد الرحمن حيدوب إن هناك فجوة كبيرة بين الحد الأدنى للأجور وتكلفة نفقات المعيشة التي لا تقل عن 2183 جنيهاً. ويقدر مكتب النقابات المركزي للحزب الشيوعي السوداني أن الحد الأدنى لمعيشة أسرة مكونة من خمسة أفراد يبلغ 5,900 جنيهاً وهو مع ذلك مبلغ يغطي 7% مما تحتاجه. فهو لايشمل جوانب هامة مثل الأثاث والفرش والصيانة لأي شئ أو الاتصالات أو مصاريف الأعياد والمجاملات والزينة والترفيه، تقديرات مكتب النقابات هذه تحسب العشاء فول يومياً لمدة 30 يوماً بـ10 جنيهات لكل الأسرة في اليوم، أي 300 جنيهاً في الشهر، وهو تقدير جد متواضع حتى قبل الزيادات الأخيرة فما بالك بعد الزيادات البالغة 260% لكل السلع. وإذا كانت هذه الأسرة تصرف لكل فرد 4 قطع خبز في الوجبات الثلاثة وقدرت سعرها جميعها بعشرة جنيهات لكل الأسرة أي 300 جنيهاً في الشهر فهذا يعني أنه بعد موازنة 2018 فإن الخبز وحده يكلف الأسرة 600 جنيه بدلاً من 300 جنيه.

في البيان الذي أصدره اتحاد غرفة المستوردين للسلع أشار بأن الزيادة في قيمة الدولار الجمركي ستكون لها نتائج كارثية بارتفاع السلع وستقود قطعاً إلى تقليص حجم الاستيراد وتنشيط عمليات التهريب والاستيراد غير المقنن.

ما يجدر ذكره أن الذين يصرفون مرتبات سواء من الدولة أو القطاع الخاص لا يزيد عددهم عن المليون مواطناًوفقاً للجنة الاقتصاد بالمجلس الوطني فكيف يكون حال البقية الباقية من الشعب السوداني مع توقف أكثر من 80% من المصانع وتشريد مئات الآلاف من العمال، ومع الدمار الذي حاق بالمشاريع الزراعية قاطبة وضيق مساحتها المزروعة بسبب الارتفاع المهول في الضرائب والجبايات وأسعار مدخلات الإنتاج المختلفة. وكيف يعيش مئات الآلاف من الخريجين من الجامعات والمعاهد ودور العلم المختلفة الذين قضوا سنوات بعد التخرج يبحثون عن عمل وهم في قمة سنوات العطاء. وكيف مع العاطلين المشردين من العمل وكيف بالمعاشيين الذين لا يسد معاشهم الرمق وهم في مثل هذه السن التي توجب، بل وتفرض على الدولة الاهتمام بهم لقاء ما قدموه من أفضل سنوات عمرهم للشعب والوطن. نواصل .