المثقف النقدي مفهوماً ودلالة

علي اسعد

 بما لا يستحق “المثقف” تسميته ما لم يبحث في الماهية التي يتشكل منها وفي الهوية التي ينتمي إليها. لذا كان على “المثقف” دائما أن يترحل باحثا عن أبعاد هويته الذاتية، ولا غرو في ذلك، فمبحث “المثقف” يفيض بالتشويق ويتدفق بالإثارة، وقلما نجد مفكرا بارعا لم يخض في هذه القضية ويبلي فيها بحثا في دلالاتها وغوصا في معانيها. وقد تقاطرت الأبحاث وتواترت النظريات في هذا الميدان لتشكل مجالا حيويا بالغ الاستقطاب في العلوم الإنسانية ولاسيما في علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع التربوي على حدّ سواء.

وقد دأب المثقفون أنفسهم على البحث المستمر في ماهية “المثقف” ودوره، فوظفوا أدواتهم النقدية استقصاءً للعلاقة الحيوية بين “المثقف” والثقافة، كما بين “المثقف” والحياة والإنسان، واستطاع هذا الموضوع أن يستقطب جلّ الباحثين والدارسين فتكاثفت أعمالهم وتكاثرت أبحاثهم في هذا الميدان المثير.

ومن أجل استجلاء مفهوم “المثقف” ومعاينة حدوده وأبعاده، تتجه هذه الدراسة إلى استجواب الأعمال الفكرية للباحثين في هذا الميدان، والترحال في تضاريس النظريات الفكرية التي تناولت هذا الموضوع لاستكشاف طبيعة العلاقة التي تربط المثقف النقدي بالحياة وقضايا الثقافة. وفي هذا الترحال تقتضي منهجيتنا – تجنبا للضياع في المتاهات- أن نبدأ في رحلة البحث عن “المثقف” بأسئلة بسيطة واضحة حول ماهية المثقف وصورته: من المثقف؟ وكيف نعرفه؟ وما أوج علاقته بالثقافة؟ وما هي أبعاده بالحياة؟ ومن هو “المثقف” العضوي أو الملتزم أو النقدي؟ وما هي أهم النظريات التي تناولت قضية العلاقة بين “المثقف” والثقافة والحياة؟ تلك هي الأسئلة التي تشكل الإطار العام لهذه الدراسة حول “المثقف” في تقاطيع صلته بالوجود الاجتماعي والحياة الثقافية بما تنطوي عليه من قضايا وإشكاليات.

ما بين الثقافة والمثقف

تأخذ العلاقة بين الثقافة والمثقف صورة صميمة جوهرية لا انفصام فيها، إذ لا يمكن فهم “المثقف” إلا في ضوء مفهوم محدد للثقافة، فالمثقف وليد الثقافة، صقل بها وتشكل في بوتقتها. وتتمثل الثقافة انتروبولوجياً في العلاقة الحيوية بين الإنسان والوجود مسلكاً وروحاً وفعلاً وحياة، وهذا يعني أن الثقافة بصورتها الأنتروبولوجية هي الحياة الإنسانية بأشمل معانيها وأعمق تجلياتها. وضمن هذا التصور الشامل للحياة الثقافية يصعب علينا تعريف “المثقف” إذ لا بد من تجاوز المفهوم الأنتروبولوجي للثقافة والخوض في مفهوم الثقافة الإبداعية، أي: في الجانب الواعي للثقافة الذي يتمثل في الجوانب العليا من الانتاج الثقافي في مجال الوعي العام وفي فضاءات العلوم الإنسانية من فلسفة وفكر ودين وفن وأدب وشعر وموسيقى ومسرح، وفي عمق هذا التموج الثقافي للوعي الإنساني يمكننا أن نستجلي فهمنا للمثقف بوصفه صورة راقية للوعي الإنساني في أكثر جوانبه نضجا وتطورا وانطلاقا. وهذا يعني أن “المثقف” هو المرآة التي تنعكس فيها الثقافة الواعية الإبداعية للمجتمع الإنساني حيث يتماهى “المثقف” مع إرادة التغيير في الحياة ويتفاعل مع الثقافة بوجهها الإنساني على حدّ سواء.

 فالمثقف وفق هذه الرؤية وعي ثقافي، تتجلى قدرته على امتلاك الحقيقة، والتأثير فيها، وإعادة تشكيلها وانتاجها روحيا وأخلاقيا وإنسانيا، والثقافة التي تميّزه هي في هذه الحالة ثقافة الأخلاق والحياة التي تتمثل في قيم الحق والعدل والخير والجمال. والثقافة هنا في هذا السياق تعني نمطا من أنماط التجليات الثقافية للمثقف ودوره في الحياة، وهي ترمز في الوقت ذاته إلى تدفق فعله الثقافي الذي يتصف بالقيمة الأخلاقية، ترسيخا للسمو الأخلاقي الذي يتميز به “المثقف” تأثيرا في الكون والحياة الثقافية.

ومن أجل تقديم تصور واضح عن مفهوم “المثقف” لا بد من المقارنة بين الثقافة والمثقف؛ فالثقافة هي المحمول، والمثقف هو حاملها بل هي المنتوج والمثقف منتجها ونتاجها في آن واحد. وهنا يجري التمييز في الأصل الأجنبي اللاتيني بين الثقافة culture وبين المثقف؛ ففي اللغة الفرنسية تعني كلمة (intellectuel) في أحد وجوهها (المفكِّر) أي المشتغل في مجال الانتاج الفكري والمعرفي على وجه الخصوص، والمثقف وفقا لهذا التصور يكون الإنسان العارف المصقول بالمعرفة، والمحمّل بعطائها، وهذا هو الحد الأدنى لمفهوم “المثقف” في صلة التواصل مع الثقافة والتشبع بمعطياتها.

ومن المؤكد أن مفهوم “المثقف” الفعّال يتجاوز حدود العلاقة الطبيعية بين الفرد والثقافة إلى حد الانتاج الثقافي، وهذا يعني أن “المثقف” لا يقف عند حدود تمثل الثقافة والتماهي بها، بل لا بد له أن يتجاوز هذا المستوى إلى درجة المشاركة في انتاجها وإبداعها وتجديدها. ومن هنا يجب التمييز بين “المثقف” العادي والمثقف البنيوي المنتج للثقافة والفاعل في عملية إبداعها. ومن الضرورة بمكان التمييز بين درجة الفعل الثقافي ومستوياته. فهناك “المثقف” العادي المنتج للثقافة في حدودها الدنيا، وهناك المنتجون لها في أعلى درجة من درجات الانتاج الإبداعي، مثل: كبار العلماء والمفكرين والمثقفين الذين يؤثرون في الحركة الثقافية انتاجا وصيرورة وإبداعا. والنخبة الثقافية، وفقا لهذا التصور، ترمز إلى هؤلاء المثقفين الذي استطاعوا أن يحققوا أعلى درجة إبداعية في عملية الانتاج الثقافي وفي عملية التأثير الثقافي في مجال الكتابة والإبداع في مختلف أوجه النشاطات الفكرية في مجال الشعر والأدب والفلسفة والموسيقا والعلوم الإنسانية بصورة عامة. وفي مجال التمييز بين “المثقف” وغيره من الناس، لا يمكننا أن نتحدث عن الإنسان الجاهل تماما، فالناس مثقفون على وجه العموم، والثقافة خاصية إنسانية، فالإنسان يرتبط جوهريا بالمعرفة ويمتلك القدرة العقلية في عملية تَمثُّل الفكر وفي عملية انتاجه بمستويات مختلفة.

فالثقافة معرفة وقيمة أخلاقية بالدرجة الأولى، ومن هذا المنطلق الأخلاقي تتمنهج رؤيتنا للمثقف حيث تكون الثقافة كما يراها كانط: “مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقا من طبيعته العقلانية”، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط “أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه”(1). ويكون “المثقف” في هذه الحالة سعيا إنسانيا لتحقيق هذه الغايات الثقافية العليا. وفي دائرة هذه العلاقة بين الثقافة والمثقف يمكن القول: إن “السلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما، فالفرد، في أي مجتمع، مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه، وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه، غير أن هذا التراث عندما يتجمد ولا يتجدد يسير نحو الضمور فالزوال، ويحول بالتالي بين الفرد وبين كامل إدراكه لذاته وغيره، ومن هنا كانت هناك صلة دائرية بين تجدد المجتمع وتجدد الفرد فكل منهما يجدد الآخر(2). وضمن هذا التصور يمكن إدراك هوية “المثقف” في صلته الحقيقية مع الثقافة والحياة والمجتمع.

المثقف لغةً

مفهوم “المثقف” مفهوم حديث الولادة والاستخدام، لذا قلما نقع في القواميس اللغوية إلا على شذرات خاطفة تتعلق بهذا المفهوم. وقد جاء في قاموس المعاني: “رَجُلٌ مُثَقَّفٌ: مُتَعَلِّمٌ، مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْمَعَارِفِ، أَيْ ذُو ثَقَافَةٍ “. وجاء في القاموس المحيط لـمجد الدين الفيروزآبادي: “ثقـُف وثقِفَ ثقافةً: صار حاذقاً خفيفاً فطِناً…وثقـَّفه تثقيفاً سوّاهُ وثاقفه فثقفـَه كـنصَرَه فغلبه في الحِذق. وامرأةٌ ثـَقافٌ، كسَحاب، فطِنةٌ، وثِقاف ما تسوّى به الرماح”. ونجد في القواميس العربية تقاطعا في العلاقة بين “المثقف” والمعرفة والثقافة، فالمثقف رجل متعلم يمتلك معرفة وثقافة. وهذه التعريفات تلميحية بسيطة لا تجاوز حدود الإشارات اللغوية البسيطة. ويعرف معجم العلوم الاجتماعية المثقفين “بأنهم الأفراد الذين يتميزون عن باقي أفراد المجتمع بالخبرة والمعرفة (…) ويستخدمونها في مواجهة المواقف الجديدة بنجاح أو حل المشكلات الجديدة بابتكار الوسائل الملائمة”(3).

 ومفهوم “المثقف” مفهوم مستحدث في اللغةالعربية، شاع استخدامه في الأدبيات الاجتماعية والسياسية خلال العقود القليلة الماضية. ولفظا(مثقف) و ثقف) بمعنى (حذق وفهم وأدرك. (لفظ (Intellectuel) ذو الأصل اللاتيني المستخدم في اللغات الأوروبية.. أقرب في معناه إلى كلمة (المفكر) لأن الكلمة مشتقة في اللغات الأوروبية من كلمة (intellect) أي الفكر) (4).

وقلما ترد كلمة “مثقف” في معاجم اللغة العربية، ولكن يمكن أن تطالعنا هذه المعاجم بالفعل: “ثقّفَ” وتأتي بمعنى [حذق]، كما في الصحاح. وقد ظهرت كلمة “مثقف” لأول مرة في اللغة العربية في قاموس (محيط المحيط) لبطرس البستاني في نهاية القرن التاسع عشر كترجمة لكلمة Intellectuel الفرنسية، أو “أنتلجنسيا” الروسية، وقد عرفت هذه الكلمة في القاموس بمعنى قريب جداً إلى المعنى المألوف والمتداول في المجال الثقافي وتأتي بمعنى [متعلم وله معنى بالمعارف] أي ذو ثقافة. وفي هذا السياق يعرّف بشارة المثقفين: “بأنهم فئة تتجلى قوة عملها في فكرها الذي تستثمره من أجل ضمان مورد رزق لها، (….) وهي تقوم بالعمل الفكري وفي الوقت نفسه تتخذ مواقف من القضايا التي تهم المجتمع وبالتالي فهي تجمع ما بين العقلانية في التحليل والمواقف القيمية والأخلاقية”(5).

 وقد وردت كلمة “المثقف” بصيغ مختلفة في التراث العربي، و وظفت كلمات متعددة للإشارة إلى المثقف، مثل: الحكيم، والشاعر، والعلامة، والأديب، والفقيه، والشيخ، والمحدث، والشاعر، والراوي، والفيلسوف، والعالم، والرشيد، وصاحب القلم، والوراق، والمتعلم، والمتأدب. وهذه الكلمات وغيرها قد يتضمن معنى “المثقف” الكلمة التي نستخدمها في العصر الحديث.

 مفهوم المثقف

نادرا ما نقع على مفهوم في العلوم الإنسانية خارج دائرة الوضعية الإشكالية التي تغمر المفاهيم الأنسانية، ولاسيما في مجال العلوم الاجتماعية. وهذه الوضعية الإشكالية للمفاهيم تعبير موضوعي عن قيمة الحقيقة الاجتماعية نفسها التي تأخذ مسارها في مدارات التحول والتغير المستمر. فالمفاهيم في العلوم الإنسانية تعبير عن حقائق اجتماعية نسبية، سريعة التغير، ومضية التبدل، ولا يمكن أن تتبلور على صورة حقيقة نهائية. وهذا الوضع الإشكالي يزيد هذه المفاهيم غنى وتنوعا، وهذه المفاهيم قلما تستنفد معانيها ودلالاتها في نظرية أو رأي واحد، فالمفهوم الاجتماعي – لأنه وثيق الصلة بظاهرته المتغيرة – غالبا ما ينطوي على تضاريس عميقة وطبقات من التراكمات الموغلة في الأعماق. ومن هنا كان على الباحثين التوغل والاستكشاف في أعماق المفهوم الاجتماعي، واختبار الغنى والثراء الكبير الذي يتميز به. وضمن هذا التصور نقول: إن تراكم القول والبحث في المفاهيم دليل على عمق هذه المفاهيم، كما هو دليل على شمولها وأهميتها. وضمن هذا التصور يمكن القول: إن مفهوم “المثقف” يأخذ مكانه بين المفاهيم الإشكالية الغنية بالمعاني المتدفّقة بالدلالات، وسيبقى هذا المفهوم قادرا على جذب اهتمام الباحثين لما ينطوي عليه من ثراء وغنى وتنوع وأهمية.

 ومن الضرورة بمكان في هذا المقام أن نستعرض بعض التصورات الذكية التي قدمها بعض المفكرين حول مفهوم “المثقف” بدلالاته ومعانيه. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى الوصف الجميل الذي يقدمه صلاح بوسريف لمفهوم “المثقف” إذ يقول: “«المثقف» ليس مفهوماً مُحْكماً، قطعياً، مُمْتَلِئاً بتعبيراته، وما يحمله في طياته من مداليل، بل إنَّه مفهوم متموِّجٌ، منشَرِحٌ، ما فيه من فراغ، ومن مساحات شاغرة، أكثر مما فيه من امتلاء، وهذا ما يسمح بضرورة الإضافة والمَلْءِ، وبالمُراجعة الدائمة، أو البدء من جديد على الدَّوام، ليس بنفي المفهوم وإلغائه، بل لتجديده، وتحيينه، ووضعه في سياق المُتَغيِّرات الحادِثَة والطَّارئة، بما تُحْدِثُ في هذا المفهوم ذاتِه من خُدوش وجروح وتصدُّعات”(6). وهذا الغنى والثراء في المفهوم يؤصّل لمشروعنا في البحث عن تصور متكامل لهذا المفهوم في أبعاده المختلفة والكشف عن طبيعة المشكلات التي ينطوي عليها.

ولا بد من الإقرار هنا بأن مفهوم “المثقف” ولد حديثا للتعبير عن الموقف الشجاع للروائي الفرنسي إميل زولا ونخبة من المثقفين الفرنسيين الذين دافعوا في باريس عن الضابط الفرنسي اليهودي الأصل دريفوس Alfred dreyfuse، الذي اتهم بجريمة الخيانة العظمى، وحكم عليه في 22 ديسمبر عام 1894 بالنفي إلى غوايانا، بتهمة التجسس لصالح ألمانيا. وفي هذه الأثناء كتب إميل زولا مقالته الشهيرة “إني أتهم” التي دافع فيها عن دريفوس، ثم انبرى مع عدد من المثقفين الفرنسيين أمثال: أناتول فرانس، ومرسيل بروست، وسينيوبوس، وليون بلوم، ولوسيان هير، للتوقيع على بيانهم المشهور بتسمية “بيان المثقفين” الذي عبروا فيه عن رفضهم حكم المحكمة. ونشر هذا البيان في جريدة “لورور” الفرنسية في 14 يناير 1898 بعنوان Le Manifeste des Intellectuels. وانقسم الرأي العام بعد هذا البيان بين مؤيد لإعادة المحاكمة ومطالب بتثبيت العقوبة، في صراع بين المعسكرين، المعسكر التقليدي المعادي للسامية والمعكسر الاشتراكي النقدي. وتحت تأثير الضغط الثقافي للمفكرين الفرنسيين أعيدت المحاكمة وخفض الحكم إلى مدة 10 سنوات من السجن، ورفعت إلى محكمة النقض التي ألغت الحكم وأطلقت سراح دريفوس وتمت تبرئته(7).

وعلى أثر هذه المواجهة الفكرية بأبعادها السياسية، انتشر مفهوم “المثقف” وارتبط جوهريا بقيمته النضالية وأرومته النقدية، وأصبح عنوانا لكل الممارسات الثقافية التي تنافح عن المظلومين، وإشارة إلى كل المواقف الشجاعة ضد الظلم والظالمين وإلى كل أشكال الاستبداد السياسي. وقد رسخ في الممارسة الفكرية أن “المثقف” رجل نقدي يسعى للكشف عن الحقيقة ويدافع عن المظلومين. وضمن هذه الممارسة النقدية انكشف الاستخدام على مواقف المفكرين في مناصرتهم المضطهدين والسير بمقتضى الدفاع عن قيم الحق والعدل في المجتمع السياسي. وعلى هذا الأساس بدأ يتمحور مفهوم “المثقف” على ركائز الكشف عن الحقيقة نقديا ورد المظالم توخيا لقيم الحق والخير والعدل والجمال. فالمفكرون الحقيقيون، كما وصفهم جوليان بندا Julien Benda، “أقرب ما يكونون إلى الصدق مع أنفسهم حين تدفعهم المشاعر الميتافيزيقية الجياشة والمبادئ السامية، أي مبادئ العدل والحق، إلى فضح الفساد والدفاع عن الضعفاء وتحدي السلطة المعيبة الغاشمة” .

وعلى هذا النحو بدأ مفهوم “المثقف” يأخذ دور الوريث الشرعي لمفهوم الفيلسوف الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وارتبط كما أوضحنا في قضية “دريفوس” بالصراع الفكري والسياسي ما بين رجال الفكر من جهة والأنظمة السياسية من جهة أخرى، واصبح مفهوم “المثقف” لصيقا بمفهوم المعارضة السياسية والنقد للسلطة ومقاومتها عندما يقتضي الأمر.

 وفي هذا المقام، يقول عالم الاجتماع الأميركي كوزر ( (Coserفي كتابه “سوسيولوجيا المثقفين”: “المثقفون هم المتحدرون من الكهنة والأنبياء والرهبان والمتعلمين أو هم ورثتهم. إنهم المعنيون بالدرجة الأولى بالبحث عن الحقيقة والاحتفاظ بها، كما هم معنيون بالقيم الجمعية والمقدسة، تلك التي تتحكم في جماعة وفي مجتمع وفي حضارة”(8). ويتابع كوزر قائلا: “ولكن “المثقف” تحول إلى حالة من الالتزام بالقضايا الحيوية في المجتمع والسياسة والثقافة”(9).

 وفي هذا المقام يقع تعريف عابد الجابري للمثقفين في كتابه “المثقفون في الحضارة العربية”، إذ يعرّفهم بأنهم “هؤلاء الذين يعرفون ويتكلمون، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فناً في القول، قبل أن يكون شيئاً آخر”(10). والمثقف حسب الجابري: “هو ذلك الذي يلتصق بهموم وطنه وبهموم الطبقات “المقهورة” و”الكادحة”، إنه “المثقف العضوي” الذي يضع نفسه في خدمة المجتمع ويواجه تحدياته المختلفة دفاعا عن الحق والحقيقة ورفضا لكل أشكال الظلم والقهر والتسلط في المجتمع”(11). ومن الجميل في هذا المكان أن نورد تعريف وليد خالد أحمد الذي يعرّف المثقفين تعريفا جامعا لأركان وأبعاد التعريفات السابقة بقوله: “المثقفون هم أولئك الأشخاص من المتعلمين الذين يمتلكون المعرفة ولهم طموحات سياسية، وعلى أساس هذه المعرفة الموضوعية والطموحات السياسية وتأملاتهم الذاتية .. يسعون إلى التأثير في السلطة السياسية في اتخاذ القرارات الكبرى، والى صياغة ضمير مجتمعهم، وكذلك صياغة أحكامهم على الواقع دون أن يستخدموا هذه الأحكام مباشرة أو بالضرورة من خبراتهم الحسية”(12).

 ما بين “المثقف” والمتعلم

تسود في عالمنا العربي صورة نمطية عن “المثقف” قوامها أن “المثقف” هو الشخص الذي حظي بتعليم مدرسي واسع، ويحمل شهادات علمية عالية. وقد “ارتسمت هذه الصورة في أذهان كثيرين ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين لما وصلوا إليه من مكانة وظيفية بحكم حصولهم على شهادات علمية. وفي حقيقة الأمر لا يمكن للشهادات العلمية المجردة أن تجعل حاملها مثقفا بالضرورة، بقدر ما تجعله مصابا بمرض “التَعالُم” كما أسماه مالك بن نبي“(13). وفي هذا إشارة كبيرة لضرورة الفصل بين التعليم والثقافة.

وعلى خلاف هذه الصورة يمكن لبعض الأفراد أن يحققوا جوهرهم الثقافي دون الحصول على شهادات مدرسية أو جامعية عالية. فكما أن “المثقف” لا يكون وجوده رهنا بالتعليم والشهادة، كذلك الأمر لا يمكن للتعليم أن يمنع شخصا من أن يكون مثقفا بجدارة، فالتعليم يساعد في التثقف وهو شرط ضرورة دون أن شرط كفاية له.

 وثمّة من يربط بين مفهوم المتعلم وبين مفهوم “المثقف” على نحو وثيق: وبالمقابل هناك من يرى في المتعلم الحاصل على الشهادات العلمية أو المدرسية “مثقفا”: ويدخل، ضمن هذا المعنى العام والواسع، الموظّفون في مختلف القطاعات، والمعلّمون والأساتذة، والعاملون في قطاع الإعلام، والأطباء والمهندسون، والتقنيون، والطلبة ممن يتابعون دراساتهم في الأنساق العليا من التعليم، في مختلف الشّعب والتّخصّصات”(14). ولكن الباحثين استطاعوا اليوم فك الارتباط بين المتعلم والمثقف: فالمتعلم هو حاصل على الشهادات العلمية، أما “المثقف” فهو ذلك الذي تمرّس بالفكر والثقافة، وأصبح فاعلا ومنتجا للثقافة، ومؤثرا في المجتمع وفق معايير الدفاع عن القضايا الكبرى في المجتمع.

وهنا وفي هذا المقام يميز جان بول سارتر Jean-Paul Sartre بين “العالم” و “المثقف” إذ يرى أن “كلمة “مثقف” لا تطلق على العلماء الذين يعملون في حقل انشطار الذرة لتطوير أسلحة الحرب وتحسينها لأنهم في هذه الوضعية مجرد علماء، ولكن إذا شعر هؤلاء العلماء بالخوف والذعر لما تنطوي عليه هذه الأسلحة من طاقة تدميرية فاجتمعوا وووقعوا بيانا يعارضون فيه استخدام الاسلحة النووية ضد البشر غدوا من فورهم مثقفين”(15). وهذا يعني أن الثقافة موقف نقدي ومسؤولية ورسالة وليست مجرد معرفة وعلم في المخابر أو معرفة في رؤوس العارفين.

 وهناك من يعمم مفهوم “المثقف” ليشمل “جميع منتجي الأفكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها، بمن فيهم علماء الدين والأدباء والكتاب والإعلاميون والفنانون، بل وجميع خريجي الجامعات والمتعلمين تعلماً مرموقاً”(16).

 وهناك من يضيّق مفهوم “المثقف” ليحصره في فئة محددة من الناس، أو نخبة منهم، وغالبا ما تكون نخبة من المفكرين والكتّاب والمبدعين، التي تعمل في حقل الفكر والفن والإبداع، ممن ينتجون الرّموز والدّلالات. وضمن هذا التصور الضيق يفقد كثير من المثقفين حضورهم الثقافي ضمن دائرة المفهوم “مثقف” تفاديا للتّعميم، أو لتعتيم المفهوم وتمييعه(17). وإلى هذا الاتجاه من التعميم يشير محمد عابد الجابري الذي يقول: “إن مفهوم “المثقف” اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، ويرمز إلى الثقافة هنا بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين”(18). والمثقف، وفق هذا التصور، هو من يتمثل ثقافة وطنه على نحو خاص، ويتماهى بالثقافة الإنسانية على نحو أشمل وأعم، وهو الذي يشارك في تنمية الثقافة بمختلف تجلياتها العامة والخاصة”(19).

 وللفصل ما بين التعميم والتخصيص المركّز يمكن القول بأن “المثقف” – بوصفه منتجا للرموز والدلالات- يشارك في نقد الأحداث العامة، ويتدخّل في الشأن العام من منطلق قدرته على قراءة وتحليل المعطيات والأحداث والوقائع ووضعها في مسارها الأخلاقي والإنساني الصحيح