في حضرة المولد النبوي

تأملات في البنية الجمالية لحلقة ذكر القادرية المكاشفية

      الدين والفن والثقافة

الدين بالطبع أحد مكونات المنظومة الثقافية للجماعات الإنسانية على اختلاف أجناسها وأماكنها وعهودها. وفي تاريخ الديانات تتبنى الجماعة الإنسانية ديانتها وتظل على معتقدها زمناً يطول أو يقصر، وتتحول إلى ديانة أخرى تختارها مسببةً بشتى العوامل والدوافع، وتظل سيرورة التحول هذه في المعتقد قائمة ضمن ما يجري من متغيرات عميقة تمس الجماعات والشعوب في مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكن في كل الأحوال يظل المعتقد الديني يتأثر بالحاضنة الثقافية الأشمل التي تحتويه ويؤثر فيها، لأنها حاضنة لها جذورها التاريخية في سبل كسب العيش في حياة الجماعة وفي تطور قوامها الاجتماعي والسياسي وفي موروثها الفكري وتقاليدها وفنونها. وأكثر ما يبدو من مظاهر هذا التأثير والتأثر بين الدين ومجمل المنظومة الثقافية للجماعة ما نراه في فنونها، ولأن الفن هو من بين أبلغ وأعمق ما طوره الإنسان من وسائل التعبير عن مكنون فكره ومعتقده، كما هو من بين أفضل ما ابتدعه من أدوات الاتصال والتأثير والتحكّم.

ففي تجربة الشعوب الأوروبية، مثلاً، وانتقالها عبر القرون من التعددية الإلهية إلى التوحيد المسيحي نرى كيف قامت الكنيسة مقام المعبد الإغريقي والروماني وكيف ورث الفن المسيحي تقاليد الفنون الإغريقية الوثنية مع الحذف والإضافة بما يقتضيه المعتقد الجديد، وشخص المسيح تحول في رسمه من يهودي شرق أوسطي الملامح إلى أوروبي غربي أشقر الشعر والإهاب. وفي الكنيسة الأفريقية حلّ الإيقاع والرقص محل السكون والسماع الغربي. وفي تجربة الشعوب الإسلامية استلهمت المفردات المعمارية الأساسية في الكنيسة، فتحول البرج والأجراس إلى المئذنة والأذان، كما أستخدم الأرابسك (الزخرف النباتي) والآيات المخطوطة بدلاً عن النحت والتصوير نزولاً على تفسير بعض النصوص وتأثراً بالبيئة العربية وخلو موروثها الفني من تقاليد الفنون  البصرية على قول المؤرخين. لكن اختلف الأمر في بيئات ثقافية إسلامية أخرى، فقد رسم الفنانون في الدويلات الإسلامية في أواسط آسيا في القرون الرابع والخامس والسادس عشر، مثل الدولة التيمورية والصفوية والتي أسسهما حكام من أصول مغولية، رسموا الأنبياء والصحابة والرسول (ص) في مواقف دنيوية وأخروية، كما بانت الشخوص بملامح مغولية، ذلك أن التعبير من خلال الصورة كان جزءاً من ميراثهم الفني لذلك يجدونه أمراً طبيعياً أن يعبروا عن معتقدهم الجديد من خلال الوسائط الفنية والجمالية التي يجيدونها ويحسون بأنها الأكثر تميزاً في التعبير عن أنفسهم. وفي الحضارة السودانية يتجلى هذا التأثير والتأثر في كل مراحل الانتقال من معتقد إلى آخر كما هو واضح في المراحل الكوشية عند الانتقال من عبادة آمون إلى عبادة آلهة محلية خاصة بهم مثل الإله أبادماك الذي ابتدعوا له هيئة مستوحاة من واقعهم البيئي متمثلة في رأس الأسد، كذلك عند الانتقال إلى المسيحية، وفي كل هذه النقلات كان فن النحت والتصوير والمعمار من أدوات التجسيد والتعبير الرئيسية لدى السودانيين وتحول الأسلوب الفني وموضوعه بتحول العقيدة معبراً عن مفاهيمها ورؤاها للعالم والحياة.

   مع ضعف الدويلات المسيحية وتفككها وبعد انهيار دولة علوة وقيام دولة الفونج والتي أعادت توحيد الدولة السودانية من جديد بدأ انفتاح حكامها وبعض شرائح المجتمع السوداني وعلى رأسها الشريحة التجارية على العالم الإسلامي، ذلك أن السودان ظلّ بعيداً عن الإمبراطورية الإسلامية بدويلاتها وسلطناتها منذ أن فشلت قوات عبدالله بن أبي السرح في هزيمة جيش دولة المقرة في 651 م. بدأ توافد بعض دعاة التصوف إلى البلاد ومن بينهم الشيخ تاج الدين البهاري الداعية إلى الطريقة القادرية والذي قدم إلى السودان في العام 1577 م بدعوة من التاجر داؤود عبد الجليل إثر مقابلته له في الحجاز، والذي مكث في السودان لمدة سبع سنوات وغادرها بعد أن سلّك في هذا الطريقة نفر من السودانيين على رأسهم الشيخ محمد الهميم. وحلت طرق صوفية أخرى في المنطقة وشكّل التيار الصوفي بصورة عامة الإطار المذهبي الإسلامي الذي انضوى فيه غالبية سكان وادي النيل الأوسط وبعض أطراف البلد الأخرى، وتمازج مع موروثهم من فكر ومعتقد ومن مسلك وطبائع فاكتسى شخصية سودانية تبدو ملامحها أكثر ما تبدو في الشكل التعبيري الجمالي لدى كل طريقة من هذه الطرق الصوفية.

  • حلقة الذكر:

الطريقة الصوفية تمد المريد بتفسير بسيط ومتكامل للوجود، وتمده كذلك بقيم وأنماط سلوكية مرتبطة بحاجاته وأشواقه في هذه الحياة يتدارسها من خلال شعائر الطريقة وممارساتها. وهنا يبرز عنصر هام في المذهبية الصوفية، وهو الشكل الطقسي الاحتفالي الذي يجسد خصوصية كل طريقة ومنهجها. فهذا الشكل الاحتفالي الطقوسي يتحول في كل مرة إلى مناسبة يتجدد فيها الولاء والالتزام والثقة في هذا التصور العرفاني للحياة وللكون وخالقه، وفي هذه المصفوفة السلوكية العملية في حياة المريد. ومن أهم هذه المناسبات الاحتفال بالمولد النبوي حيث تجسد حلقة الذكر ذروة هذا الولاء وهذه الثقة. هنا يتجلى الشكل التعبيري الجمالي أكثر ما يتجلى في أداء الذكر وعناصره الأساسية من أدب وإنشاد وإيقاع وموسيقى وحركة وأزياء إلى جانب تشكيل بصري عام يشمل تصميم المكان، خاصةً في المناسبات الهامة، مثل إعداد المدخل والواجهة وتزيينها برموز الطريقة وأعلامها وألوانها وأهم مقولاتها المذهبية التي تميزها. وهذا ما نراه في الأداء المبهر للذكر القادري المكاشفي واستلهامه للموروث المحلي من عناصر تدعم شعائر الطريقة ومنهجها العرفاني، خاصةً في جوانب الإنشاد والإيقاع وتشكيل حركة الذكر. في أداء هذه الطريقة يتجلى الأساس الفلسفي الجمالي للموسيقى السودانية وعناصرها الثلاث: السماعي والحركي والبصري (aural, kinetic, visual). هذا المكوّن الموسيقي الثلاثي وتجسده في الذكر المكاشفي أدعى إلى تحريك الوجدان وتكثيف المشاعر الأمر الذي يدفع بالذاكر إلى نقلة عاطفية تأخذه إلى حالة تجمع بين "العزلة الوجدانية" التي يتقمصها وبين الإندغام في الوجود الجماعي الذاكر الذي يضمه، والتي ربما تقترب به من لحظة الانجذاب الكامل أو العشق كما في القاموس الصوفي.

   ولعله من الصعوبة بمكان محاولة فرز هذه المركّب الموسيقي الثلاثي في الذكر المكاشفي حتى من باب التوصيف النظري لأن قوام ذكر هذه الطريقة ينبني على الارتباط العضوي بينها. ومن الإنصاف القول بأن الاحتفاء والاحتفال بالمولد النبوي، والحديث هنا عن ساحة المولد بالخرطوم، يبدأ مبكراً ويعلن عن نفسه عندما تنطلق إيقاعات الذكر المكاشفي في الركن الجنوبي الشرقي من الساحة حيث المكان المخصص للطريقة. إنه مكان متقشف بلا خيمة أو سياج أو واجهة إلا من لافته تعلوها حملت اسم الطريقة، فكأنه مكان منفتح على العالم كله يسعه برحابته وخلائقه، هذا إلى جانب قدر من الإضاءة يكفيك للدخول والمشاركة. لكنه في الواقع تقشف يحيلك إلى أولى مدارج التصوف ومقاماته وهو مقام الزهد. كذلك لا بد وأن يتراءى السؤال حول مغزى وجود هذه الجموع من الناس، صغيرها وشبابها وكهولها الذين يضيق بهم المكان ويتزاحمون لمشاهدة ما يجري في حلقة الذكر. في كل الأحوال يتوجب البحث عن الإجابة في مبتدأ ومبادئ حركة التصوف من جهة وفي ما تشهده الحلقة من زخم فريد ومتميز. فتقشّف المكان من جهة وخلوه من ما هو معتاد ومشاهد في كثير من خيام الطرق الصوفية من زينة وإعلام ودعاية ومظاهر استقبال وخدمات وترتيب بروتوكولي يميّز مجلس كبار شيوخ الطريقة وزوارهم عن غيرهم، الخ، يثير فضولك ويدفعك دفعاً، إذا كنت جديد عهد بخيمة هذه الطريقة، لشق طريقك وسط الجموع لتتحرى هوية هذا الإيقاع الذي جذبك بتفرده وتردد صداه خارج الساحة، أو لتجدد استمتاعك بإبداعات هذه الحلقة وما استجد فيها من إضافة وتنويع إذا كنت، مثلي، من معتادي الحضور إلى هذا المكان في كل مولد. ومن جهة أخرى ما يجري داخل الحلقة يستدعي الكثير من التأمل في هذا المزيج السماعي الحركي البصري وفي هذه الطاقة الإنسانية لهؤلاء المريدين الذاكرين والتي لا تكل ولا تمل منذ المغيب وحتى منتصف الليل، وتزداد قوة وجمالاً وهيبة كلما اقترب احتفال المولد من نهايته. فما يدور في هذه الحلقة مصمّمْ بعناية ويجري إخراجه بأسلوب مبدع يميز الطريقة وذوقها وحسها الجمالي. عموماً من ناحية وصفية لمشهد الذكر المكاشفي، يمكن القول أن أسلوبه الأساسي يرتكز على مجموعة رئيسية من الذاكرين تشكل جسماً مكوناً من عدة صفوف يتقدمها قائد المجموعة "مقدَّم الذكر"، وتحتل هذه المجموعة الجزء الأكبر من فراغ الحلقة. تتكون هذه الصفوف من عازفي الإيقاع على النوبة الكبيرة "الرزّامة" والطبول والجِرَس والمثلث والطار وحامل المايكروفون وتتحرك ككتلة واحدة حول الحلقة يقودها المقدَّم حاملاً مطرقةً لينة في يده (تذكرنا بعصا قائد الأوركسترا الموسيقية) وهو يتنقل أمامها في خطو مموسق أقرب إلى "القدْلة"، يبطئ حيناً ويسرع حيناً، يتوقف برهة ليغير وجهته ويستأنف خطوه على نفس المنوال، وفي كل هذه النقلات تتبعه هذه الصفوف وتستجيب لارتجالاته. وهناك مجموعة صغيرة جلها من الشباب منفصلة عن هذا الجسم الرئيسي وتتميز بزي موحد في تفصيله وألوانه وتلبس طواقي موحدة في شكلها والامتداد الرأسي لقرونها. تحتفظ هذه المجموعة بدور مستقل وتمارس إيقاعها الحركي الخاص بها داخل الحلقة في شكل تحركات دائرية سريعة خاطفة لكن في انسجام تام مع الإيقاع الكلي والتنويع الحركي للجسم الرئيسي في دورته حول الحلقة، وهذا ما يشكل بالضبط حواراً شيقاً بين فريقين: الكتلة الذاكرة الرئيسية وهذا الفريق الصغير المنفصل عنها والذي يضيف بتنويعاته هذه زخماً غنياً إلى الصورة الكلية للحلقة. وهناك كذلك فريق ثالث في هذا الحوار عبارة عن أفراد يتبعون مسار الكتلة الرئيسية خلف صفوفها، بعضهم بشعرهم المسترسل في الزي الصوفي المعتاد بلونه الأخضر وبعضهم في الزي العادي ويؤدون حركات منفردة، مثل الدوران حول أنفسهم، لكنها لا تخرج عن التيار الرئيسي بل تضفي على الصورة ألواناً ولمسات طريفة. ضمن هذا الفريق أيضاَ تجد  الشيخ كبير السن في جلبابه الأخضر العتيق والطفل ذو الخمس سنوات الذي يتبع أبيه بينما أخيه الأصغر محمولاً فوق كتف الأب. كذلك هناك الفريق الرابع وهو صف من الذاكرين يتداخل مع تزاحم المشاهدين ويشكل الجدار الخارجي للحلقة. وأخيراً ما يوحّد هذه اللوحة الجامعة للحلقة بما فيها من حركة متنوعة وإيقاعات موسيقية مختلفة ومتجانسة وصور وعلاقات بين مكوناتها تأخذ البصر في كل إتجاه، هو هذا الترديد الجماعي للذكر لفظ الجلالة، والذي يشكل صوت مركزي يبدأه ويضبطه قائد المجموعة يدعمه حامل المايكروفون ويعيد كل ما يدور ببساطة إلى جوهر الاحتفال وهو الذكر. وأخيراً لمشهد هذه الحلقة جانبها الإنساني الرفيع وطابعها الشعبي السوداني الصميم، يتجلى في هذا التنوع الاثني والقبلي الذي ضمّ كل ألوان الطيف السوداني والذي لا تخطئه العين في تكوين الذاكرين داخل الحلقة، وفي المشاهدين الذين يتابعون الأداء بشغف وإعجاب، ويتجلى في أريحية المكان وقبول الآخر وكل من يرغب في ولوج الحلقة لأداء الذكر والاحتفاء بالمولد النبوي. هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة أحد أقطاب التصوف محي الدين بن عربي وقوله شعراً:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآنِ

أدين بدين الحب أنا توجهت ركائبه

فالحب ديني وإيماني