خبر وتعليق

الخبر:

هناك محاولة تضليلية جارية لاستجلاب التأييد لموازنة هذا العام (2018) برغم سوء سمعتها وصيتها . وذلك رغم وصفها من قبل سدنة النظام أنفسهم بأنها لجأت لرفع الدعم ، وللحلول الصعبة والمرة. ورغم إعلان معارضتها من قبل أحزاب تدور في فلك النظام نفسه. إن هذه المحاولة التضليلية الجارية نقود في واقع الأمر لمفارقات عديدة ، ولا شك في أن على رأس هذه المفارقات يرد ما قاله السيد مبارك الفاضل، وزير الاستثمار في حكومة الوفاق الوطني عن أن :" 65% من الشعب لا علاقة لهم بزيادة سعر الخبز"

التعليق:

أولاً: "التركي ولا المتورك" كما سار المثل الشعبي الدارج في السودان. وذلك على سنوات الاستعمار العثماني التركي للسودان، وكذلك الاستعمار البريطاني له، وما عاناه الشعب السوداني وقتها من شظف العيش وإرهاق كاهله بالضرائب والأتاوات والجبايات والدقنية.

وقتذاك صمد الشعب وقاوم واستعصم بالمثل القائل:" زولين في تربة، ولا ريال في طلبة".

ثانياً: يبدو أن السيد مبارك الفاضل يحاول عبثاً إرجاعنا إلى تضليل الفترة الأولى من حكم الانقاذ ، عندما كان يتم التدارق، لتغطية الفشل الاقتصادي، بـ:"جشع التجار" ودعوة المواطنين للكف عن شراء السلع التي ترتفع أسعارها ، والزعم الباطل بأن المسعر هو الله! والمعارضة لا تملك بدائل، وما إلى ذلك.

ثالثاً: ما رمى له مبارك المهدي أن هؤلاء الـ65% الذين لا علاقة لهم بزيادة سعر رغيف القمح، ولن يتأثروا بها، يأكلون بدائل لها، أي "كسرة الذرة" و"العصيدة" و"القراصة" حسناً جداً.

من ناحية لنا كل الحق في أن نتشكك في مصداقية هذه النسبة المئوية ، خاصة ومصدرها مجهول، ومن ناحية أخرى نتساءل بكل براءة ، هل الزيادة والانفلات الجنوني في الأسعار قاصر على رغيف القمح وحده؟ أم أن هذه الزيادة تطول، دون شك، أسعار الذرة ومدخلات إنتاج "الكسرة" و"العصيدة" و"القراصة" وكل السلع الأخرى؟ ومن المعروف عالمياً وفي كل اللغات أن الخبز سلعة متفردة ويتم التعبير بها عن كل ما يؤكل من غذاء الشعب.

والواقع ولأسباب عمق الأزمة السياسية الوطنية العامة واستفحالها ومقاومة الشعب الباسلة والمتواصلة لكل عناصرها ،لجأ أهل الانقاذ اللعب على حبال تضليل أخرى.

رابعاً: واستناداً إلى ما تقدم، فإن المرء يعجب أشد العجب، لتجاوز السيد مبارك الفاضل لكل ثوابت وأركان علم الاقتصاد. ذلك أنه يتصور أن رفع الدعم وزيادة سعر الدولار الجمركي يقف تأثيرها فقط عند زيادة سعر الخبز، ولا تؤثر على كل السلع الأخرى. وكأن الخبز"واقف كده براهو"

ولعل ما طرأ من زيادة في أسعار الذرة يفوق الزيادة التي طرأت على أسعار الذرة يفوق الزيادة التي طرأت على أسعار القمح. وإذا كان رغيف الخبز قد زاد سعره بنسبة 100%، فإن سعر الذرة في السوق اليوم قد زاد بنسبة أكثر من 200% هذا إلى جانب أن سعر "كسرة الذرة" كان أعلى من سعر رغيف الخبز حتى قبل رفع الدعم الأخير في الموازنة السنوية للعام 2018م.

خامساً: والواقع أن تضليل مبارك الفاضل يختلف في الدرجة فقط، وليس في النوع والهدف، عن ما تبثه الأجهزة الأمنية حول أن التظاهر حق مكفول في الدستور ، وإنها ستتصدى فقط للتخريب. ونحن نتساءل هنا بكل براءة، إذا كان هذا صحيحاً فلماذا إذن الاعتقالات الجارية للنشطاء السياسيين من منازلهم دون أن يشاركوا في تخريب؟ ولماذا التصدي للطلاب والطالبات وهم داخل الحرم الجامعي بجامعة الخرطوم وكلية شرق النيل؟! ولماذا التعدي السافر على الحريات الصحفية ومصادرة الصحف وتعطيل 8 صحف خلال يومية فقط؟! ثم لماذا يا ترى التهديد الصادر من قمة السلطة والوعد والوعيد بقطع الرأس الذي يمتد للنظام؟

سادساً: موازنة العام 2018 والتي سجلت عجزاً بأرقام فلكية لم يكن مجيئها صدفة، إنما هي حصاد الهشيم لتنفيذ روشتة البنك الدولي وصندوق النقد، والتي قادت لسياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة العشوائية ، وتدمير ركائز القطاع العام، والفساد المستشري . ذلك الفساد الذي لم يلجمه أو يحد منه أورنيك 15. وهيهات أن يتوقف "العض" من المال العام. في ظل الشمولية والتمكين واقرار الذمة الانقاذي، وقد رفدت حصاد الهشيم الاقتصادي هذا، ودون شك، السياسات الحربية للنظام في انحاء شاسعة من أرض الوطن . والمعروف أنه يسبب هذه السياسات الحربية، ولتأمين بقاء النظام، يتم تخصيص ¾ الموازنة للعام 2018م لقد جاءت باثار كل ذلك الموازنة، موازنة للخراب الاقتصادي ولافقار وتجويع الشعب.

سابعاً: صحيح كما يقول أهل الإسلام السياسي "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" ولكن صحيح أيضاً أنه بدون الخبز لا يحيا الإنسان. لقد كان الخبز هو المحرك لقطار الثورات في العالم منذ الثورة الفرنسية الأم في القرن الثامن عشر . وقتها لم يقد الخبز فقط للإطاحة بالملكة ماري انطوانيت وزوجها الملك لويس الرابع عشر، وإنما أطاح بالنظام الملكي الاقطاعي ، وفتح الطريق للثورات البرجوازية الديمقراطية في بلدان أوربا، ولمفاهيم العقد الاجتماعي.

ثامناً: لا التضليل ولا الهروب من واقع الأزمة وتفاقمها على أرض الوطن، بالحراك الخارجي المكثف، بقادر على اخماد غضب الشعب وثورته. لقد قالت كل قوى المعارضة كلمتها وعقدت عزمها على مقاومة الموازنة بالنضال السياسي الجماهيري السلمي ودعت الشعب للسير على طريق اسقاط النظام .

 تاسعاً: وفي ختام هذا التعليق ، ولما كان الشئ بالشئ يذكر ، تجدر مضاهاة ما قاله مبارك الفاضل بما سبق للشاعر : عمار محمد ادم قوله شعراً، عندما كان ملكياً أكثر من الملك: قال الصديق عمار وقتها:

"القصة ما قصة رغيف

القصة قصة شعب راكع داير يقيف"

ونحن نقول الآن أن القصة اليوم هي قصة رغيف. والقصة قصة شعب واقف داير يقيف ثانياً وثالثاً ورابعاً. وذلك استناداً إلى رصيده الزاخر من الوقفات التاريخية المشهودة في نيل الاستقلال السياسي ، وفي ثورة 21 أكتوبر 1964، وانتفاضة مارس/أبريل 1985 واللتين أطاح فيهما بالدكتاتوريات العسكرية لعبود ونميري.