الفولاذ إذا إنصهر الحديد

بقلم : محمد ابوالطيب

يا إخوتي!

مسيح اليسار الثمانيني مازال يوزع باقات الامل ويبشر بالغد الآت، فهل من مزيد؟!، هذا مسيح تأليب وتحريض يجوب بالطرقات بالهيئات بالبكيات وبكل الملمات مبشراً بوثائق الغدِ الآت ، مسيحٌ يثور ويتظاهر تطول انفاسه فيتجاسر، ويتصدر المواكب لترى عمامته تتدلى مكممةً نصف وجهه السفلي، لكنا نعرفه لانه يسير بثباته المعهود، فالغاز المسيل للدموع لا مكان له في انفاس جدك يا اركماني .

حين ينغمس الزهد والتصوف في الماركسية السودانية،  وتتحرق سمرة الفحم الثوري في مناجم الدراسات اليسارية، تضع امٌ سودانية كل الفَلاحَة في خاصرة النيل فيضئ بريق تحت كساء حفيد الشيخ النور، فالذين تتلمذوا في الأزهر وحفظوا المصحف برواياته أنبتوا لنا هذا الشيوعي، وعلموه أن لا موقف في سيرته إلا الانحياز للمضطهدين، حينها يتصدر اسمه كشوفات المفصولين، وقوائم المعتقلين منذ مقاومة الإنجليز، مروراً بنكبات اليسار ، وحتى هؤلاء  لا يتورعون من احتجاز جسده الهزيل، معلينين بذلك توزيع الظلم باسم الله في الطرقات، لكن هيهات! هيهات ان تقبع في الزنازين تلك النفس المطمئنة او تفني بأية محرقة طاغية، فعندما تشتعل الاطارات في الطرقات معلنة الاحتجاج -أو قل وجهي أنا - تشهر العمامة البيضاء في حمرة غضب المدينة، وجهه الفولاذي فينا،... عّم الصديق! تلك تضاريس النضال المرسومة في وجهه السوداني، تلك عصارة التجربة وقلب المعلم،.. يالها من تقاسيم تحكي صمود اليسار، وعصيانه على التركيع، فتلك الناصية التي تعانق الارض عند كل آذان، هيهات ان تنحني امام وجه طاغية....

وحين يؤذن للتظاهرات منادياً حي على النضال ، تجد هذا الشيخ الامدرماني يمشي بثبات نحو الثورة، هذا المهندس الشيوعي يهندس المستقبل للصغار القادمين،... هذا الزاهد في كل شيئ يريد كل الشيئ، وهو عنده وطنٌ، مساواة، عدالة، ديمقراطية، و سلم وطيد لاحفاده ولا مساومة! ،... تجد عينيه تبحث في كل المعارك عن رفيقته بنت نقد الله الامير، تلك الكنداكة أمرأةٌ وطن، تشبهه ويشبهها حلماً وياسمين، و قلما لا يسير بصحبته صديقه الامين سعد حاملاً مواثيق الأمل موزعاً البديل عن الواقع والمشروع من الأمنيات،  هؤلاء  ! يتصدرون المواكب ضدك ! لا الرصاص يهز لهم يقين ولا تفرقهم عصي المستأجرين،... هؤلاء لن يساوموك في من قتلت من ابرياء، هؤلاء لن يجالسوك في غرف الوسطاء، هؤلاء من تخشاهم لأنهم سيسقطوك..

  عّم الصديق أكلت؟!

هذا ما اجيد سؤالك عنه يا معلمنا الثوري، فأنا لا اعلم أى الأنبياء تشبه بزهدك الفطري، وأى الأبطال تشبه بثباتك الرجولي، بقلمك الثوري، بغرس الحلم فينا، بإستنطاق السياسات البديلة في محاضرنا، فكيف يا عجوزنا تستطيع من دون طعام أن تفجر في الثمانين طاقة مراهقة مملوءة الحلم في الاستمرار،  وقدرات صبي مبدع  على العطاء!

 لكم أحب أباك ياكُحلى!

فهو المُعلمُ وهو النشيد، وهو التلاوة في الأسحار وبيت القصيد، فلكم مرغ هامات العساكر بالخجل وبين أن لا وجل في وجه سلطانهم  المحبوس في قصره ويخشى مسيحٌ يجول بالطرقات يبشر الأجيال ويُقسم بأن السودان ممكن!

 

هكذا يُبني اليسار، يبنى اليسار بمداميك الثوار، بالاوراق الممزوجة بدماء الرفاق، بالافكار، بالوعي بالانعتاق، بالاحترام المنزوع حتى من الكارهين، بأحلام المهمشين، بأنفاس الزارعين حقولهم امنيات، ومن ثم بناء التحالفات، لذا يسطرها بصبره عّم الصديق !

فيا رفيق هندس ما شئت من لملمةٍ للشتات، فالفولاذ وصفك والثبات.