سقوط النظام أم سقوط الدولة؟!

ثمة روح طاغية وسط الأسافير، تعلن جميعها سقوط النظام، وبعض من هولاء يتجاوزون هذه النقطة، و يعلنون إنهيار النظام و الدولة معاً. 

دوافع الأولين هي ذات دوافع الآخرين، في الحكم بسقوط الدولة والنظام معا؛ وهو الإنهيار الإقتصادي بهذه الصورة - غير المعقولة- أما الآخرون الذين يقولون بسقوط الدولة فإن في هذا بعض من تركة ثقافية عملت عليها الدكتاتورية الحالية- كأي دكتاتورية- وهي الربط ما بين الدولة والنظام الدكتاتوري الذي يحكمها، وإشاعتها إفتراض سقوط النظام يعني سقوط الدولة، على أني ورغم- إختلافي أو إتفاقي- مع القائلين بالقولين، إلا أنني أود طرح نقاط تعليقا على هذا الأمر لأهميته.

أجد نفسى متفقا لحد بعيد جداً؛ مع الذين يقولون بأن النظام سقط، والحقيقة أن هذا النظام قد سقط منذ يومه الأول، ولكن ظروفا ذاتية وموضوعية هي التي كانت تحول دون هذا السقوط، والآن -وبكل يقين- أقول أن هذه الظروف قد تبدلت تماما، وميزان القوى لم يكن هو الذي كان عليه في السابق، فمنذ هبة سبتمبر/أكتوبر، 2013، والعصيان المدني بجولتيه، في نوفمبر وديسمبر، من العام 2016، وما يحدث الآن، فإن الحركة الجماهيرية، إمتلكت زمام المبادرة، وبدأت توجه هي وتدير ساحة النشاط السياسي الإجتماعي، وتستهلك النظام ووقته في طريقة التعاطي مع هكذا حراك، وهذه نقطة إيجابية، زادها قوة، أن المعارضة الرسمية توحدت في هذه الأحداث، فيما بينها ومع المعارضة الشعبية الواسعة (غير المنظمة)، ما يجعل وحدة المعارضة هي مفتاح النجاح في أي حراك جماهيري، آتٍ، وهذه تحققت تماما الآن، وزادت في الوحدة والوضوح، ما أعطاها فرصة للجرأة والشجاعة في طرح الخطوات النضالية الثورية وتنفيذها (موكب 16 فبراير، موكب ميدان الأهلية، موكب الشعبية/شمبات) وما سيأتي سيكون وليدا شرعيا (فالحا وناجحا) كثمرة لهذه الوحدة الشعبية القوية، وإذا ما إستمر هذا الأمر وهذا الشكل من الوحدة وإستقر قاعديا، وجمعت بينها أشكال تنسيقية (لجان مقاومة تتطور لتصبح لجان إنتفاضة) فإن النظام قد سقط تماما.

أما الذين يقولون بإنهيار الدولة؛ هم أسيرون للرؤية الدكتاتورية التي- كما قلت- تربط بين النظام والدولة، *وفي هذا فإن سقوط الدولة- المزعوم- بإنهيارالإقتصاد، هو في الحقيقة ليس إنهيارا للدولة، إنما هو إنهيار وفشل لتجربة الإقتصاد الرأسمالي الحر في السودان، وفشل للسياسة الإقتصادية، للنظام، وعجزه - البنيوي- في توفير بدائل أو حلول للمشكلات التي تنشأ في الإقتصاد، ففاقد الشئ لا يعطيه، والشاهد أن إنهيار الدولة هو درك سحيق- لا أوصل الله بلدنا- والحقيقة الثابتة هي أن عظم الدولة بخير، لكن ينبغي سريعا، الإسراع في إزالة (العلة، الغمة) التي ألمت به- الكيزان ومن شايعهم من فئات طبقية رأسمالية طفيلية- حتي ينصلح حال بلادنا، ونتفادي سناريو الإنهيار الذي يعمل له النظام، على طريقة (نيرون) وأني هنا أجزم بأن مجرد، سقوط النظام، كفيل تماما؛ بحل هذه الأزمات المستفحلة، والتي جلها- إن لم يكن كلها- هي من صنع أيدي النظام وكنتيجة طبيعية لسياساته الفاشلة والمدمرة والمعادية للشعب والوطن.

الذين يقولون بسقوط الدولة، هم من الخطورة بمكان على مستقبل الثورة السودانية، القائم على التفاؤل الثوري، والبحث عن البدائل الحقيقية والموضوعية، فهذا القول يقطع الطريق أمام إنتفاضة الجماهير المشتعلة الآن، بينما يكتب أحدهم (الدولار 50 جنيها والدولة إنهارت) فإنه بذلك يثبط همة مواطن/ة، يبحث في الخروج للشارع، رفضا لسياسة النظام ومن أجل إسقاطه، فيبدل رأيه، بحجة أن بلداً منهارة وستنهار، فما عسى خروجي هذا يفعل بها ولها شئ؟ لأنه سيصبح في نظره تحصيل حاصل!. ولهذا فإن المعارضة وكوادرها تفعل كل هذا من أجل منع إنهيار الدولة، والتعجيل بإسقاط النظام من أجل وطن أفضل، وهذه مهتمها وهي في الأول البحث عن بدائل لسياسات النظام الفاشلة، وهي- المعارضة- تمتلك ذلك وستنفذه متي سنحت الفرصة.

ختاماً : سقط النظام وسيسقط أكثر منحدرا حتي القاع، ليستقر في مكانه الطبيعي (مزبلة التأريخ) ولم تسقط الدولة السودانية، المبنية بعرق وبذل وكفاح أبنائها وبناتها على مر تأريخها الطويل.