السيف أصدق أنباء من الكتب

بقلم : مامـــــــــــون عيسى

سألني بعض الأصدقاء من صحيفة الميدان عن سبب توقفي عن الكتابة في الصحيفة و غيرها و كان ردي حاضرا و بلا تردد توصلت و بقناعه تامه لما توصل إليه حبيب بن أوس الطائي (أبو تمام) عام 840 م أي قبل مئات السنين:

الســيف أصــدق أنباء من الكــتب          في حـده الحـد بين الجد و اللعب

بيض الصحائف لا سود الصحائف       على متونهن جلاء الشك و الريب

قال ذلك لرفع قيمة النضال الجاد و مقللا من أقوال الكتاب و تخرصات المنجمين محرضا الخليفة المعتصم لحرب الروم فآمن المعتصم بذلك و عزم على حربهم حتى أنتصر عليهم و تم فتح عمورية كما هو معروف في التاريخ. ليت لنا إيمان المعتصم بذلك و لم نركن فقط للكتابة و الكلام مكتفين بذلك الثالوث الرخو المتخاذل نشجب ندين نستنكر و نحن قعود و وقوف.

من يوم أتى انقلاب الإنقاذ المشؤوم و جثم على صدورنا و نحن نردد ذلك بعد كل جريمة و اعتداء من السلطة بدأ بقطع الأرزاق بفصل الآلاف من العمل باسم الصالح العام و حرق ملايين الشباب باسم الجهاد المقدس و الإمعان في إذلال المواطنين و تمريق أنوفهم في التراب عن طريق قانون النظام العام الذي بات يتحكم في حياة الناس لبسهم و مواعيد نومهم و أمعن أخيرا في صلفه و عدوانه حتى وصل في الأيام الأخيرة القليلة الماضية لطريقة مشي النساء و طريقة سيرهم التي لم تعجب وكيل النيابة ذلك الرجل الخارق الذي أخذ يجوب الشوارع و الطرقات مترصدا محدقا في النساء و أردافهم مقيما لطريقة لبسهن و مشيتهن التي لم يحددها قانونهم هذا و تركها لأمزجة و أهواء هؤلاء الذين يجدون متعه في إذلال البشر تنفيسا عن عقد دفينه في دواخلهم. تصرف هذا القانوني جعل الناس يتساءلون أين هيبة القانون و أين وقار رجاله.

هذا الكيد و الإذلال لم يأتي عفويا فهو أمر منظم و ممنهج ترجمه لنظرية و فلسفة الترابي و برنامجه الذي كان يفاخر به في قوله إننا أتينا لتغيير تركيبة و أخلاق السوداني و خلقها وصياغتها من جديد. ما يدهش أن دوله تسن و ترعى مثل هذا القانون المشين الإرهابي تدعي أمام العالم إنها تشارك في محاربة الإرهاب.

ألاف المقالات كتبت و ألاف المحاضرات و الندوات أقيمت نقدا و إستنكارا لما جنته و تجنيه الإنقاذ في حق السودان.

آلاف المقالات كتبت عن الفساد المالي و السطو على المال العام الذي أصبح سمة واضحه للنظام مما يشاهده المواطن عيانا بيانا من قصور شامخه و فلل و أساطيل من السيارات الفخمة تعج بها الطرقات و يعلم الجميع أن كل هذا النعيم مملوك لأناس انحدروا من مهاوي الفقر و الإملاق. هذا الفساد المالي و السطو على المال العام غير ما ذكرت جاء موثقا عن طريق المراجع العام و الذي لا يتمتع بأي سلطه تنفيذيه و تبقى تقاريره حبيسة الأدراج كأنها مجرد تقارير مخبر صحفي.

ألاف المقالات كتبت عن المشردين من أطفال الشوارع الذين فقدوا الرعاية والعناية بسبب فقد آبائهم الذين أبادهم النظام في ثلاث جبهات مشتعلة ذهبوا و تركوا أطفال يهيمون في الشوارع و ينبشون في أكياس النفايات بحثا عن لقمة عيش و أرامل خرجن للشوارع بحثا عن الرزق ببيع الشاي و الكسرة في الطرقات و ليت السلط تركتهم في بحثهم عن الرزق في فجاج الأرض فقد أصبحن هدفا للكشات و صيدا للجباة الأجلاف يشاركوهن في أرزاقهن بطريقه لا يصدقها عقل.

ألاف المقالات كتبت عن الأراضي التي تباع و تملك حتى أصبحت رقعة الوطن تتآكل كل يوم.

ألاف السطور كتبت عن الحرائق التي تشتعل في نخيل الشمالية عدة مرات في أوقات متقاربه بشكل غير مألوف طوال تاريخ تلك المناطق .

ألاف السطور كتبت عن تردي البيئة و أصبحت الأمراض المستعصية أمراضا مستوطنة  شأنها شأن صديقتنا الملاريا التي أصبحت منا و نحن منها .

ألاف المقالات كتبت عن سوء الخدمات في الصحة و التعليم و أصبحت سلعا يطولها من يملك ثمنا لها.

ألاف المقالات كتبت عن مواطنين نزعت أراضيهم ليس للصالح العام بل لتمليكها لمستثمرين أجانب و حينما تحركوا احتجاجا على هذا الظلم ضربوا و اعتقلوا و قتلوا.

آلاف المقالات كتبت عن تخبط سياسة النظام الخارجية تارة تتجه شرقا و تارة تتجه غربا بلا وعي كسفينة في لجه بلا بوصله و من غير ملاح حتى أصبح السودان هوانا مشاعا ولغت في حياضه كل ذئاب العالم, الكل يريد التدخل في شأنه بحجة الاستصلاح و الاستثمار و الوساطة و لكن حقيقة طمعا في نيل هبره من تركة الوطن المريض و من قبل استكبر النظام و تطاول و أثار سخرية العالم بأهزوجة (أمريكا روسيا قد دنا عذابها) و أستجلب عداوة الدول بذلك العواء اليومي السمج الذي يطلقه كل يوم الرائد يونس.

ألاف المقالات كتبت في قذارة المدن و تراكم النفايات في الشوارع مع إصرار السلطات على تحصيل الرسوم الباهظة بحجة جمع النفايات و حقيقة لم تقم بأي عمل للنظافة حتى أصبح السودان حسب تقرير عالمي محايد أن الخرطوم من أوسخ عواصم العالم و مما يثير العجب أنهم أنشأوا هيئة وهميه أسمها السلوك الحضاري و ترقية الذوق العام.

ألاف المقالات كتبت عن غلاء الأسعار لكل مستلزمات الحياة اليومية من أكل و شرب و لبس و علاج و مواصلات حتى أصبح كل ذلك فوق طاقة المواطن واكتفت الأسر بتناول وجبتين بدلا عن ثلاث ثم تقلصت و أصبحت وجبة واحده لمن يملكها و ما أكثر من لا يملكها.

ألاف السطور كتبت في تزويـر الانتخابات الرئاسية و النيابية و كيف تم خجها خجا مريعا حتى أتت وفقا لما يريدون و كيف يمخض سعنها مخضا متصلا حتى تأتي زبدتها هنية شهية كما تريد السلطة .

ألاف السطور كتبت إستنكارا حين أشاعت الإنقاذ كل ضروب الدجل و الخرافة التي لا يقبلها عقل من بدع عرس الشهيد و القرود التي تحارب مع المجاهدين و جثثهم التي تفوح منها رائحة المسك و يوم أدعى الترابي عقد زواج المجاهدين على الحور العين.

ألاف المقالات كتبت في نقد هذا البرلمان الذي ولد مخجوجا و إستمر خديجا ينوم نوابه أثناء الجلسات ملء جفونهم و لا يستيقظون إلا للتصفيق و الموافقة على إقتراحات و مشاريع و قوانين السلطة حتى إذا كانت ضد مصالح الشعب الذي يدعون تمثيله و مع ذلك يطالبون بتمليكهم منازل كما ملكوا من قبل سيارات.

ألاف السطور كتبت إستنكارا لصرف مليارات الجنيهات ثمنا لسيارات طلبة المؤتمر الوطني و ألاف المقالات كتبت لتسليحهم حتى صارت الجامعات ترسانات لمختلف الأسلحة , الأمر الذي نشر العنف بين الطلبة.

ألاف السطور كتبت في من سموا أنفسهم بهيئة العلماء و كيف يفصلون الفتاوي الخرقاء الشتراء التي تتطرق لسفاسف الأمور و خاصة ما يتعلق بالمرأة و لبسها و يغضون الطرف عما يؤرق الناس و ينكد عيشهم و لا يألون جهدا في إثارة الكراهية و البغضاء بين طوائف الأمة من مسلمين و مسيحيين, يحللون و يحرمون وفق هواهم كما شاؤوا .

حين تتكاثر المصائب و المحن و تدلهم الخطوب تقول العرب (ضغث على إباله) و نحن نقول في العامية بطريقة واضحة و أكثر بلاغة

( عايره و أدوها سوط) كيف لا و قطعة من الوطن تقدم لآخرين (نعم هديه عديييل كده) كأنها جلابية أو فتيل ريحة و شبية بهذا و لكنه أقل مضاضة ما أقدم عليه بلفور ذات يوم مشؤوم.

كل هذا الحبر و المداد الذي أريق و سكب سطورا لم يجدي و لن يجد حيال سلطة غاشمة غاب ضميرها و قوي جورها .

ثم ماذا بعد؟

بكل التعظيم و الإجلال أستعير من الآية الكريمة معناها ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) صدق الله العظيم

و أقول لو كان البحر مدادا لكلمات النقد و الشجب و الإستنكار لجرائم الإنقاذ لنفد البحر قبل أن تنفد مقالات الشجب و الإستنكار.

ليس كل هذا تثبيطا للهمم و لا أدعو غيري ل حذو حذوي و لا أملك لذلك حقا و لا مقدره ليسلك غيري طريقي كما أني لست متشائما و لا يائسا بل أني على يقين تام أن الطوفان حينما يأتي و هو لا بد آتي لن يجد الطغاة جبلا يلوذون به يعصمهم من الغرق و هل وجد  شاوسيسكو أو القذافي أو صدام من قبل إلى ذلك سبيلا و حتى سيئ الذكر السفاح نميري و قد أحاط به الطوفان كان يهذي و قد طاش صوابه في مطار القاهره مافي زول بيقدر يشيلني لكن الإنتفاضة (شالته و رمته) و لم يجد له عاصما أو ظهيرا و كان حلفاؤه الأخوان المسلمين تجار الدين قد تآمروا عليه و إنفضوا من حوله كما هو معروف بعد أن لغفوا من موائده ملء جيوبهم و حتى تخموا و ملء بطونهم حتى بشموا يوم بايعوه إماما للمسلمين و مجددا للدين لكن الغدر و الجحود هو خلقهم و شيمتهم المعروفه عنهم و يتخذون من الدين قناعا و هم أبعد خلق الله عن كل فضائل الدين.

نظام الإنقاذ تعرى تماما و تبدت سوأته قبيحه منفره و تهاوت كل الذرائع الكاذبه التي كانوا يتسترون خلفها ,من هنا ننادي و نهيب بالمأجورين و المرتزقه و المغيبين و ذوي الأقلام الراجفة و المضللة الذين يلتفون حول هذا النظام الآفل أن لا يكونوا أقل فطنه و أقل حذرا من فيران السفينة الغارقة.

السيف السيف والسيف المعني هنا تعبير مجازي و ليس المعنى الحرفي فلم تعد هناك حروب بسيوف, سيفنا الحقيقي هو وحدة صفوف المعارضه ونبذ خلافاتها غير الجوهرية و خلق و تنشيط لجان الأحياء وتفعيل النقابات الحقيقية الشرعية و التنسيق و التواصل مع كل الطوائف و الهيئات المضاره وما أكثرها و عدم إهمال قواعد الأحزاب التقليدية و الطائفية و تركها تحت رحمة بعض قياداتها المتذبذبة المتأرجحة و التي كلما أوشك النظام على الغرق تمده بطوق النجاة بطريقة أو بأخرى من منطلقات ذاتية.

هذه بعض ما يمكن أن يسمى أدوات النضال و الشعب قمين أن يبتدع وسائل و أدوات نضالية جديدة للزحف و الخروج  للشارع و تسيير المواكب و المظاهرات المستمرة مجتمعه ليس في العاصمة فقط فهي ليس الوحيدة المضارة و التي تنشد التغيير فإن كل الأقاليم في السودان تنشد التغيير و تصر على إسقاط النظام, و الإعداد للإنتفاضة و العصيان المدني يجب أن يدرس دراسة عميقة و غير متسرعة فإن  فشل أي تحرك يخلف مردودا سالبا و الخصم عنيد عناد خرتيت رغم أنه عار تماما و أصبحت شعاراته التي كان يرفعها مثيرة للسخرية و الغثيان.