هدير أكتوبر - أبريل وهتاف الزمن الطالع من أعظم شعب وأروع جيل

تختلف بالطبع الهتافات، والشعارات السياسية التحريضية، بين شعب وآخر ودولة وأخرى بطبيعة اختلاف الثقافة والبيئة،  والمكونات الأساسية لمختلف الشعوب والجماعات،  ويدخل ضمن ذلك التاريخ والجغرافيا، وتضاريس المفاهيم والوجدان، والمشاعر والأحاسيس، ومقومات التربية ومنابعها المتعددة فضلا عن اختلاف مشارب التراث والحضارات.

في السودان تجمعت ثقافة الشعب في أواسط البلاد  فامتزجت ذخيرة ثرة من عادات القبائل المختلفة، وقيمها و تقاليدها، بأفراحها وأتراحها واختلطت في بوتقة واحدة، فانبثق كم هائل من هذه الثقافات، حيث الغناء والرقص والموسيقى طبول الجنوب، ودفوف الشمال، أنغام الغرب وأهازيج الشرق، حلقات المدائح والظار والأنس، وسهرات ليالي العاصمة وصخبها، نغمات السيرة وأفراح الأعياد،  وأناشيد المولد والمدرسة والحقل، المارشات العسكرية وصيحات الحروب، وانفعال المدرجات في دور الرياضة، طقوس رث الشلك، وكجور جبال النوبة، وسبر القبائل البعيدة.. الزفة والعرضة، وحمحمة الرجال في مقابل ثنيات الفتيات البديعات في رقصهن وخطوهن المرجحن نحو أصوات الحمحمة  لنشر الشبال على الأكتف.

 هل امتزجت  كل هذه الشمائل في السودان، لتضفي على الهتاف السياسي نبرة ونغمة أصبحت لها خاصيتها، ونكهتها السودانية المميزة؟  وهل بذلك نلاحظ  بصورة جلية أن عناصر النغمات المصاحبة لهتافنا السياسي، تختلف جملة عن هتافات أبناء لبنان مثلا?  أو قل الجزائر ..  أو تونس،  ليبيا، المغرب، الأردن، مصر? وأما عن  دول أوروبا وباقي العالم الآخر فالأجدر ألا تقارب كثيرا.

قال العارفون إن أول هتاف سياسي جماهيري أطلقه الأمير  يعقوب شقيق  الخليفة عبدالله التعايشي، في أتون  معركة كرري حينما صاح بأعلى صوته {تبلدية وقعت فوق الكفار} وقال آخرون بل هي (جلالات) مربعات الجيش الوطني للدولة المهدية، وهي تتوجه  صوب جبال كرري لملاقاة الغازي الغاشم  وتردد (لا إله إلا الله جودوا الكفار فيشان الله) وعن حق .. كيف نبعت هتافاتنا السياسية،  التي نرددها الآن?  وبأي آلية ينبع الهتاف من الفم في اللحظة والتو?!

قال الثقاة إن الهتاف السياسي الذي بدأ يأخذ معانيه ومضامينه، الحديثة الواضحة  ظهر أول ماظهر  مع مظاهرات ومواكب  ثورة 1924  على شوارع العاصمة،  التي شهدت  تفجر أول مظاهرة في تاريخ البلاد الحديث، والتي قادها المناضل حاج الشيخ عمر  بسوق امدرمان،  في أعقاب مواراة  جثمان الضابط  المصري الوطني  عبد الخالق حسن، ثم وفي تلك التظاهرات،  أخذت نبرة الهتاف  تستقل رويدا عن (جلالات)  الثورة المهدية  ذات المضامين الدينية.

قيل إن  مخارج الأحرف في الهتاف السياسي  في تلك الفترة  كانت سريعة ورتيبة بحيث أن هتافا مثل (يسقط الاستعمار)،  كان يصعب ترديده خلف قائد المظاهرة السياسية من قبل  جموع المتظاهرين،  وكانت نبرة  الهتاف نفسها  وفي ذلك الوقت ومع بواكير تشكل الوعي الوطني، الذي ماخبر دروب المواكب السياسية وشعاراتها بعد،  قد تأثر  بنبرة ومخارج الأحرف  في الهتافات المصرية  ذات المواويل  الشرقية الطابع،  وقالوا إنه ومع تطور المد الوطني،  وشيوع الوعي الفكري، وبروز مؤتمر الخريجين على الحياة الفكرية السودانية، (اعتدل) الهتاف السياسي  لأول مرة في مظاهرات  الجبهة المعادية للاستعمار  حيث بدأ  قادة مظاهرات تلك الجبهة (يمطون) الكلمات الطالعة ومخارج الأحرف مطا (مقعدا)  بحيث صار هتاف (يسقط الاستعمار)،  يأتي لإذن المستمع بنغمات مموسقة،  وتلحين عذب وبه سلاسة وحرارة ( يس..قط..يس..قط..الاس.. تعمار).

ومن ثم  تتالت هتافات الشعب التي يعبر بها  عما يمور  في الأفئدة  والوجدان، وداخل الضلوع،  عبر المدن  والشوارع، الأزقة  والأحياء،  في المدارس  والمعاهد،  والجامعات والندوات، والليالي السياسية، في المعتقلات والسجون،  ومراكز التنكيل، وبيوت الأشباح،  ثم انفتح  الشارع عريضا على مصراعيه،  أمام الجماهير،  لتبدع وتضيف  وتطور  في هتافها السياسي  مع تطور  مجريات الصراع والأحداث،  عبر التاريخ  السياسي المعاصر  للشعب والوطن.

(بالدم بالروح  نفديك ياسودان) (الحرية لكل الشعب) ( لن يحكمنا أمن الدولة) (أطلقوا سراح المعتقلين) (جهاز الأمن جهاز فاشستي) (لا أخوان ولا كيزان صوت الشعب في الميدان) (لا متاجرة باسم الدين).

وابتدعت الأحزاب  صيغا جديدة لتطوير الهتاف السياسي  فيشرك فرع الحزب الشيوعي بالركابية وبيت المال،  مع الإرهاصات الأولى  لبزوغ فجر  الإضراب السياسي في انتفاضة مارس -  أبريل المجيدة الشاعرين محجوب شريف ومحمد طه القدال،  لصياغة هتافات  معبرة عن  واقع الجماهير في صراعها الأخير مع ديكتاتورية مايو،  التي بدأت تترنح تحت ضربات الحركة الجماهيرية الواسعة،  فيبتدع محجوب هتاف (حرمتنا العيش..بنوك العيش)،  بينما يبدع القدال هتاف (جمع شتاتنا.. في نقاباتنا)،  لتتلقف الجماهير الشعارين،  فيتمددا عميقا في حناجر المتظاهرين،  ويتحولا إلى أشهر هتافات  تلك الفترة الرائعة.

كان أول هتافات الانتفاضة الرائعة في مارس وأبريل تربوياً بحيث توجه أولاً مخاطباً مجموعات الشماسة للنأي بها عن الفوضى وتخريب الحدث، عندما انطلق هتاف (لاتخريب بل عصيان)،  حتى لا تعم الفوضى التي كان يتمناها النظام المايوي؛ إلا أن الجماهير المعلمة المربية والمتربية، فوتت الفرصة على النظام القمعي الذي انتظرها طويلاً، عندما استجابت جحافل الشماسة لرغبة ثوار الانتفاضة والتزمت جانب الشعب.

وأما بالنسبة للجمهوريين  فقد رفدوا  المواكب الشعبية،  بابتداعهم لجلوس المتظاهرين على الأرض  حينما يهم  رجال الشرطة بمهاجمة  الجموع الهادرة،  تعبيرا عن سلمية ومشروعية التظاهرة ، الأمر الذي  جربته جماهير مارس –أبريل وساهم كثيرا  في غل  أيادي البطش في تلك الأيام. كما وخاطبت المظاهرات رجال الجيش والشرطة  لتستميلهم إلى جانبها، حينما رددت أمامهم -  والقوات تتأهب للانقضاض -  هتافات بليغة  ومؤثرة من  عصب الواقع (جيش الشعب..لحماية الشعب) (البوليس بوليس الشعب) (جيش واحد..شعب واحد) (يابوليس ماهيتك كم..ورطل السكر بقى بي كم) وكم رأينا  بأم أعيننا كيف تنسحب القوات  بحياء وخجل،  بل أن  بعض قادتها  ذوي الضمائر الحية،  يجهشون في {فجة}  وعي صادق بالبكاء والنحيب، حقا إن هذا  شعب عجيب.  وأما حينما يتصدى  جنود  الاحتياطي المركزي  للمتظاهرين بالرصاص  الذي ينهمر  عليهم، من  كل فج عميق،  فتجد الناس  تهتف وهم يتوزعون  على الطرقات  كأنما هناك إتفاق مسبق على هتاف  من نوع ( مليون شهيد لعهد جديد..مليون جريح.. لعهد صحيح)، فكيف بالله  نبعت وتنبع هتافاتنا السياسية التي نرددها الآن؟ وبأي آلية ينبع الهتاف  من الفم في اللحظة والتو?!.

هتافات إنجليزية  تردد أحيانا داخل المظاهرة حينما يستدعي الموقف  أمام السفارات،  ومقار القنصليات،  ودور منظمات المجتمعات المدنية الدولية،  يرددها المتظاهرون بحماس أكيد منقطع النظير وفيهم العامل،  والحداد،  والنجار، وربة المنزل، وسيد الطاحونة،  وبتاع الفحم  يرددونها وهم  يتجاوبون مع إيقاع  الهتاف الطالع  مما يؤكد وعيهم  وفهمهم العميق  لما يرددون:-

Down. Down... USA

Down... Down. CIA

Down... Down... American Dollar

No Separation... for One Nation

هتافات فيها حكمة وفيها وعي سياسي، وفيها رصانة بليغة  تحدد بالضبط  أين يكمن  العدو الرئيسي،  فتتوجه إليه الضربات واللعنات، برصانة عالية،  وتهذيب مكثف،  دونما ابتذال  أو إسفاف على الرغم  من النشاز والركيك منها،  والذي لا يعمر طويلا،  كهتافات من شاكلة ( يابثينة..حمارك عينة) ( لن يحكمنا طيش حنتوب) ( الشعب جعان..لكنو جبان).. وقيل أن  من أطلق مثل تلك  الهتافات المستفزة للوجدان والمشاعر والذوق العام،  السليم بالفطرة والتربية، هي حناجر التيارات السياسية المتأسلمة،  عندما لم تستطع  هتافاتها الدينية  المدغدغة لمشاعر المسلمين،  أن تفعل  فعلها فيهم تلك الجماعات التي ماعرفت يوما التعبير البليغ،  عن حس الشارع السوداني،  أو نبض الجماهير العريضة وقراءة أشواقها المشرئبة،  لقواعد الديمقراطية السليمة،  والحريات العامة،  وحكم القانون،  والعدالة الاجتماعية، نعم.. تأتي الهتافات ( مشاترة)  وذلك بحكم ارتباط الشكل بالمضمون  والمظهر بالجوهر.

هتافات صحيحة من حناجر صحيحة بمضامين اجتماعية وسياسية،  عميقة ومؤثرة هتافات بليغة،  استخدمها شعراء  الشعب ومطربوهم  في اغنياتهم الوطنية فيما بعد،  فجاءت أناشيد  الأستاذ محمد الأمين  تحمل مضاميا احتفت بتلك الهتافات  (شلنا الشهداء مشينا ونهتف..الرصاص لن يثنينا) (عصينا عصينا وشلنا عصينا..على الحرية منو بوصينا) ( يا أكتوبر جاك أبريل..أعظم شعب وأروع جيل).

حتى أن  بعض التظاهرات  والمواكب الشعبية،  قد انتظمت هتافاتها  في {دويتو} رائع  مع أغنيات وطنية  وأناشيد مشهورة   رددت بحماس  منقطع النظير،  مما الهب المشاعر،  وجدد الآمال العراض،  بالنصر المؤزر حيث كانت  مظاهرات الشوارع الليلية،  في انتفاضة مارس- أبريل  تتجول بالأزقة،  وداخل الأحياء الشعبية،   في كل مسام العاصمة المثلثة تلك التظاهرات  التي كانت  تؤمها  ربات البيوت، وأولاد وبنات  الأحياء المتجاورة ، وجموع غفيرة  من الصبية والأطفال، والجميع يردد على إيقاعات  (الدلاليك) و (الجرادل البلاستيكية) و (باقات المياه الفارغة) طيلة فترات العصيان المدني  (سودانا فوق فوق..سودانا فوق) ( ماقال بجي..مالو ماجا) (الجنيه أب عمة شرطو..بلا كاب بلا لما شرطو) (السفاح شرد وينو..فات قمح البلد وينو). نعم، هؤلاء هن  نساء الوطن  اللاتي حرضهن الشاعر يوسف مصطفي التني  في عشرينات القرن الماضي  بإهزوجته الوطنية،  عميقة المعاني والمضامين ( يا أم ضفاير قودي الرسن.. واهتفي فليحيا الوطن) تلك الأغنية التي رددتها تظاهرة طلبة الكلية العسكرية الشهيرة على شوارع  العاصمة عام 1924  قبل التحامهم البطولي  مع المستعمر الغاشم  بساعات معدودة.

وعندما لاحت  في أفق البلاد المظلمة بوادر النصر الأكيد  بعد عشرة أيام بلياليها، وقعت فيها  مدن السودان وبواديها  من أقصاها  إلى أدناها في قبضة  إضراب  سياسي عام  كان الثاني من نوعه، تشهده البلاد  في تاريخها الحديث  شل الحياة بكاملها،  وأرهفت آذان العالم أسماعها  لما يدور في السودان ذي الشعب العجيب أيام بحت فيها حناجر الناس،  من كثرة ترديدهم للهتافات،  منذ صبيحة السادس والعشرين  من مارس، وحتى صبيحة السادس  من أبريل 1985 ، مما حدا بالكثيرين للجوء إلى  نقع القرض  والكركدي الساخن، والعسل الصافي  بالليمون  ومسح الملح  المخلوط  بزيت  سمسم القضارف  الأخضر على اللهاة ، التي ما انفكت (مقروشة)  حتى بعد ثلاثة أيام بلياليها من انتصار الشعب  على مايو وعسكرها.

يقول مقالي هذا  بأنه حينما لاحت  بوادر النصر الذي ظلت  أعناق الناس تشرئب نحوه  منذ مايزيد  عن الستة عشر عاما سمعنا الجماهير  وهي تهتف  (أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق)، وذلك بعد  أن تأكد لها ببصيرتها السياسية النافذة،  والتي استقرأت بها الواقع أن الصبح  لابد آت في صباح الغد الباكر. فكيف بالله عليكم  وبأي آلية ينبع الهتاف من صدور الشعب فينشرونه كما الشبال  على أكتاف البلاد،  مضمخا بالبنبان  والبارود ودماء الشهداء?!.

أحكي طرفتين  في شأن  الهتاف السياسي  و(الهتيفة) السودانيين:-

الأولى أن  أحد النقابيين  من عمال  السكة حديد بعطبرة  ومن المتمرسين على صياغة  الهتافات في التظاهرات،  وله فيها  باع طويل  شاهد مظاهرة لعمال المنطقة الصناعية  احتجاجا على  انقطاع التيار  الكهربائي الدائم، فلم يستسغ الهتاف الذي كانوا يرددونه وهو(لا إنتاج بلا كهرباء)  وفورا رأى  أهمية استعدال الهتاف، فترجل من دراجته وانضم للموكب حيث أخذ يهتف (لا إنتاج بلا تيار) وعندما اطمأن لاستعدال الهتاف في المظاهرة  انسحب بهدوء  وقاد دراجته ومضى.

الثانية حكاها أستاذنا الراحل علي المك بأنهم في فترة  الدراسة الثانوية  سنوات الاستعمار  كانوا يخرجون من مدرسة  وادي سيدنا، في مظاهرة ضخمة وهم يهتفون  ضد الاستعمار  ويطالبون بالاستقلال، وحكى كيف  أن المظاهرة كانت تأخذ طريقها إلى داخل أم درمان،  وعندما تصل  إلى حي  مكي ود عروسة  عند تقاطع  شارع ابروف،  كان الناس  يتجمهرون هناك  وهم يتابعون سير المظاهرة وهتافاتها بمشاعر من الإعجاب  والفخر والامتنان، وقال إن الطلاب عندما كانوا  يرددون هتاف  تلك السنوات والذي كان شائعآ (نحنا نموت ويحيا الشعب)  كان بعض (خبثاء) أم درمان وصعاليقها الذين يقفون على الرصيف وهم يتأملون الطلاب، يرددون بتهكم على الهتاف (برية الطلبة..يموت الشعب).

فكيف بالله عليكم  نبعت هتافاتنا السياسية  التي نرددها الآن،  وبأي آلية ينبع الهتاف من الفم  في اللحظة والتو? ، هذا هو السودان  بكل سحناته وثقافاته وأهازيج نصره لمستقبل آماله وأمانيه العزيزة. فعاش شعب السودان، وعاش طلابه وكادحوه.

ــــــــــــــــ

*كتابة أولى 1998,كتابة ثانية 2007