العنف ضد المرأة وصراع الجسد

بقلم : أحمد الفاضل هلال

تصاعدت في الآونة الأخيرة حملة العداء والعنف ضد المرأة. وإن هذه الحالة من الهيستريا ليست جديدة ولا يمكن القول أن قوانين سبتمبر 1983م وحدها هي التي أسست لهذا المنحى. ولكن الثقافة تحفل بمثل هذه التوجهات وهذه الموجات من الجزر اتخذت مسميات مختلفة مثل ضبط الشارع العام والزي الفاضح والظواهر السالبة ....الخ المستهدف وسط كل هذه الحملات التي تدعي الحرص على القيم والفضائل هي المرأة فلقد تم استهداف بائعات الأطعمة والشاي كأكبر قطاع في مجال الخدمات ويجري محاصرة الشابات في المحلات العامة ويتم التحيز ضدها في الخدمة العامة والقبول بدلاً من تمييزها ايجابياً.

قبل الخوض في الموضوع في جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية فإن ما يثير الدهشة والأسى أن يأتي الحديث عن المظهر العام ولقد غاصت الذاكرة بحمولتها المخزنة من صور الناس الذين تقطعت بهم سبل العيش الكريم ولم يعد امامهم من خيارات سواء احتراف التسول, ولا ترهقهم مأساة الأطفال المشردين بالشوارع والذين ضاقت بهم المنازل واحتضنتهم الشوارع العارية. وكانت اكثر شفقة ورحمة ولم تهزهم تجمعات العاطلين عن العمل وهم في قمة العطاء لكنهم حكم عليهم التعايش مع فظاعة الفقر ولم تستفزهم القذارة والأوساخ ومياه الصرف الصحي التي تستقبلها الشوارع بالأحياء الطرفية، إنه سعي لتسويق القبح ، لا الفقر أو الجوع أو الفساد لا يمكن أن تشعرهم بعمق المأساة ولكن كان الاختيار لأكثر الفئات المضطهدة تقهرهن بحجة قصر التنورات والقدلات والترويج للمخدرات في مسائل تصبح قضايا الجنائية.

إن التصرفات المعادية للمرأة ليست مجرد اجراءات عادية ولكنها في الواقع موقف سياسي وفكري ونفسي وجزء من المنظومة الثقافية لجماعات الإسلام السياسي ومن المفارقات فإن هذه الحملة تجئ في وقت تتراجع فيه أكثر القوى غلواً في العالم عن مفاهيم وأفكار كانت حتى الأمس مقدسات ومحرمات خطوط حمر.

إن الجدل حول وضع المرأة في المجتمع بين قوى الاستنارة والظلامية ليس جديداً ولم يصل لقرون إلى هذا المستوى من السوء ومن الاملاء في أخص الخصوصيات. بل أصبح التقرير بقضايا المرأة شأناً تم اختطافه بواسطة القوى المتطرفة والتي احاطت تلك القضايا بسياج من المحرمات وضيق الأفق. هذا الاختلاس للحقوق والتحدث باسم الدين في شأنها هو من أقوى أسلحة الرعب الشامل التي تستخدمها هذه الشريحة في عدائها التاريخي لوضع المرأة في المجتمع.

ولا شك أن الدور المتنامي والمتعاظم للمرأة في الحياة والمجتمع وصناعة القرار يجلب لها الكثير من المشاكل وخاصة في زمن الازمات الاقتصادية وهيكلة المؤسسات والتشريد للرجال والنزوح وعلى رغم من سوداوية الواقع إلا أن المرأة استطاعت أن تواكب هذه النقلة السريعة وتتأقلم مع هذه التقلبات العاصفة وتصبح ببساطة كائناً منتجاً وله رأي ويتطلع ليس للمشاركة فقط بل أن يكون في صميم صناعة القرار وتنفيذه. هذه القدرة على تطويع الواقع والندية وعدم الاستسلام للفتاوي والتحريض والتحرش تقلق ليس فقط القوى المتطرفة وإنما يتوسع التحالف ليضم بعض أجزاء من القوى التقليدية والمحافظة والتي تتخفى تحت عباءات مختلفة ولا ترى في المرأة إلا صوتاً انتخابياً.

إن التستر وراء الذي لا يخفي النوايا العارية في السيطرة ، هي محاولة للخداع واستغلال النفسية المطوية والبسيطة بمفاهيم لها صداها السلبي في النفوس، كاستخدام مفردات دعائية وتحريضية كالتعري والتبرج بغرض التجريم والتخويف. وهذا الذعر فوق الأخلاقي يقدم احياناً كوجبة شهية للبسطاء ، هذا المناخ المُشبع بالغوغائية والمسموم بالتحريض يجعل من الصعب التعاطف مع كل من يتهم بارتداء "ملابس لا تروق للمتطرف الذي مشكلته ليس الزي ولكن المرأة"

إن مصطلح الزي الفاضح مفهوم فضفاض ومشوش، ولو سئلت أي مجموعة عن ماهية هذا الزي الفاضح لاختلفت كل الاجابات. ولكن عملياً يستخدم المفهوم كسلاح سياسي في معركة بين خصمين سياسيين ، جماعات الاقصاء ونفي الآخر من جهة وأنصار التعدد والتنوع واحترام الخيارات.

إن الزي تلعب فيه العوامل البيئية والجمالية أكثر من أي اعتقاد آخر. إن الدين ليس قطع أقمشة في طولها وقصرها وليس طقوس وشعائر خالية من الصدق ، صدق في المشاعر والاحساس والافعال. فالزي ليس معياراً أخلاقياً، هنالك مجتمعات بشرية من العراة ولكنهم كبشر لهم قيم أخلاقية صارمة. إن القضية ليست الملبس ولكن ينبغي التوجه لبناء العقل السليم.

لقد فشلت كل القوى التقليدية في المنطقة للإخضاع وتركيع الحركة النسائية وفرض تصوراتها ومفاهيمها التي تأخرت عن زمانها وعجزها عن المساهمة في التيار العالمي للتغيير لقطاع عريض يبحث عن فضاءات جديدة عن العدالة والمساواة.

إن السيطرة على جسد المرأة يمثل الدائرة الأوسع للصراع السياسي والجبهة الأكثر شراسة للقوى التقليدية المسكونة بهوس الملكية الخاصة والتي ترى المرأة مجرد تحفة وملكية وجزءاً من الأشياء والممتلكات ووسيلة إنتاج للأطفال. إن هذا المنظور المظلم يصطدم يومياً برغبة المرأة في التغيير الاجتماعي والانعتاق والتحرر من الوصاية والأبوية. وإن الكوابح وترسانة الموانع من شاكلة الخفاض وزواج القاصرات والضرب ومواصفات الجسد واللون كلها فشلت وأصبحت جبهات للنضال.

في بلادنا لا تناضل المرأة من أجل الموضة والأزياء ومن حقها أن تختار ما يناسب ذوقها وبيئتها بدون تدخل من أحد ولم تختار نساء دور عارضات الأزياء بل اخترن أن يكونن شريكاً أصيلاً في حركة التغيير الاجتماعي وهذا هو الذي يزعج القوى التقليدية التي تغالط الواقع والتي ترى في البيت سجناً لائقاً لإبداعات المرأة في الانجاب.

صحيح أن العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية ولكن الغريب أن تتم أدلجته وهو مصدر الخطر عندما يصبح العنف ثقافة وله مرجعيات فكرية ومنظرين يفلسفون البؤس والخراب. ولقد تمت أدلجة مسألة الزي في بلادنا بقوانين وهذا ليس من منظور ديني ولكن باعتباره موقفاً سياسياً يغلف بغطاء أخلاقي زائف. ولا غرابة في أن أصبح الزي يحدد ميولك وفق هذه الرؤية الآحادية القاصرة والتي تخلط بتمتمات مشوشة كالحشمة وهذا للتضليل والتحييد .

إن الصراع لا يدور حول الزي وإن اتخذ هذا المنحى فهو من زاوية الاحتيال والبلاغة وذرع المفخخات في طريق قوى التغيير. وتحديداً إن مواقف قوى الغلو والتطرف هو شكل صريح من أشكال انتهاك حق الاختيار الذي تقم بانتهاكه يومياً. إن التمادي والإصرار في استخدام هذه القوانين "وجهات النظر" يتم ليس من رؤية دينية ولكن لترويع الخصوم السياسيين والهائهم. لأنهم اكتشفوا ان مشروعهم الحضاري، مشروع ضد القيم والتقاليد السائدة وإنه برنامج خطأ في الزمان والمكان من التاريخ.

إن قانون النظام العام ما هو إلا جزء من منظومة متكاملة من القوانين التي تتعارض مع الحقوق والحريات وأصبح هذا القانون ذائع الصيت لأنه يستهدف 50% من المجتمع لترك الحياة وامتهان السلبية .

إن تسمية بعض المواد كالمادة 152 لحذفها هو تصويب في المكان والهدف الخطأ والمعنى ليس قطع الساق ولكن استئصال كل القانون الذي ترك مساحات شاسعة من الحرية والمزاج للأشخاص الذين ينفذون القانون وهم بحكم وظائفهم وأدلجتهم له موقف مسبق من الظاهرة وهذا يضع كل المجتمع في حالة من القلق والتوجس.

في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ بلادنا ، يجب أن يتركز النضال بشكل خاص ضد قانون النظام العام وضد القوانين المقيدة للحريات بشكل أوسع.

يجب أن تتحرك كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية ضد مخططات الانفراد بالمرأة من خلال قوانين فضفاضة هدفها تقزيم دور المرأة في المجتمع لنظام يسعى للثأر من النساء اللائي هزمن كل مشاريعه في رفض الزي والخروج للعمل وتعدد الزوجات وزواج القاصرات. ويجب أن يكون واضحاً إن ما يطبق من قوانين لكسر إرادة المرأة والمجتمع هي مجرد وجهات نظر وتصورات لأشخاص عاديين ليست لديهم أي قداسة دينية وإن ما يفتون به ليس دينياً وربما يكون للبعض مشاكله النفسية مع المرأة.

إن قضية العنف والتحرش ضد النساء يجب ان تخرج من طور الموسمية، يجب أن تكون قضية ساخنة في أجندة كل القوى الوطنية والديمقراطية. ولاشك من ان قضية تجئ في إطار الإدارة بجملة من الأزمات للالهاء. وهذا المسلسل ضد المرأة لا يتوقف طالما القوى المتطرفة تجد الدعم والمساندة والاتفاق في الأهداف.

سوف يستمر النضال ضد كل القوانين التي تنتهك الكرامة الإنسانية ولكن لا توجد حلول عملية إلا بالنضال من أجل إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية والحقوق. 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+