ملاحظات حول الحركة الشيوعية العالمية (1\2)

بقلم : فتحي الفضل

نشرت صحيفة الحزب الميدان العديد من المقالات حول القضايا الرئيسية المرتبطة بالحركة الشيوعية العالمية .. متعرضة للاجتماعات العالمية ونتائجها والتناقضات داخلها .. والخلافات في المواقف وتباين الاراء بين الاحزاب حول اغلب القضايا التي تهم الحركة الثورية ..

لكن يبدو ان هناك عدم اهتمام عام بجريدة الميدان او بالصفحة العالمية في تلك الصحيفة ..

يهمنا هنا ان نشير ان اخر اجتماع عالمي للاحزاب الشيوعية والعمالية قبل هزيمة التجربة الاشتراكية في اوربا قد تم في موسكو في سبتمبر- اكتوبر 1969م .. وسبق انعقاد الاجتماع العالمي تكوين لجنة تحضيرية مكونة من ممثلين لاحزاب البلدان الاشتراكية ماعدا ( الصين والبانيا ) وممثلين عن الاحزاب التالية : فرنسا / ايطاليا / اسبانيا / البرتغال / اليونان / تشيلي / الارجنتين / اورجواي / بيرو / جنوب افريقيا / السودان / لبنان / سوريا / العراق / الهند / اليابان / كوريا الشماليه / سيرلانكا / باكستان .. ومثل حزبنا في تلك اللجنة التحضيرية المرحوم معاوية ابراهيم سورج ..

وكان الاجتماع قد تم  في ظل الخلاف الصيني – السوفيتي .. وبداية ظهور اتجاهات الشيوعية الاوربية وبعض الخلافات حول الوضع في منطقة حركة التحرر الوطني خاصة في افريقيا والشرق والاوسط حول دور القوات المسلحة والحزب الواحد والديمقراطيين الثوريين .. كما كان هناك للخلاف بين كوريا وغالبية احزاب امريكا حول الكفاح المسلح ( النموذج الكوبي في التغيير ) والطريق السلمي لتطور الثورة في القارة اللاتينية ..

لذا ظهرت الخلافات واضحة داخل الاجتماع وفي المداخلات التي قدمتها الاحزاب .. الشيء الذي قاد في النهاية الى اصدار بيان صحفي حول الاجتماع رصد فيه القوانين الرئيسية لاجندة الاجتماع وعدد الاحزاب التي شاركت وشكر وتقدير للحزب الشيوعي السوفيتي لاستضافته الاجتماع..

وشهد الاجتماع ضمن الخلافات موقف حزبنا المتفرد حول دور القوات المسلحة ومخالفة ماكان يطرقه الرفاق السوفييت انذاك باعتبارها البديل او القوة الاكثر تنظيما ومقدرة في قيادة العملية الثورية بجانب مساهمة الطبقة العاملة . وهذا الموقف كان مبني على تجارب مصر والجزائر وسوريا والعراق ..

الشيء الاهم هو الموقف من قضية السلطة والتحالف وقيادة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية .. حيث مثلت تجارب مصر والعراق وسوريا نقاط خلاف خطيرة بين حزبنا وغالبية الاحزاب ..

 ومن الجانب الاخر وضح موقف الاحزاب الاوربية في رفضها لمبدأ المركز الواحد للحركة الشيوعية وضرورة استقلال الاحزاب .. الشيء الذي قوبل بالاعتراض من غالبية المشاركين .. ولم ينال التأييد من احزاب المنطقة سوى من حزبنا وأكيل واليابان وتشيلي ..

هذه المسائل لازالت تلقي بظلالها في الاجتماعات العالمية للاحزاب الشيوعية والعمالية التي بدأت من جديد بعد سنوات من انهيار الاشتراكية الاوربية ..

  • الاجتماعات العالمية للاحزاب الشيوعية والعمالية :

سبق الاجتماع العالمي الاول للاحزاب الشيوعية والعمالية العديد من المبادرات التي هدفت لاعلاء رايات التضامن الاممي والتنسيق بين بعض الاحزاب حول قضايا بعينها فمثلا اقام الحزب الشيوعي اليوناني لقاءات لاحزاب البرتغال ( بلغاريا , يوغسلافيا , رومانيا ) واحزاب البحر الابيض المتوسط .. ودعا اكثر من 40 حزبا للمشاركة في مؤتمره .. وهناك بدأت المشورات حول امكانية عقد اجتماع لاحزاب اوربا ..

 وبادر الحزب الشيوعي الكوبي ومن بعده الحزب الشيوعي المكسيكي بالدعوة الى اجتماعات كأحزاب منطقة الكاريبي وامريكا اللاتينية واستضافت كوبا اول اجتماع تشاوري لاحزاب القارة..

كما لعب الحزب الشيوعي الهندي الدور الاهم في التشاور مع احزاب شبه القارة الهندية .. وتوسعت اللقاءات لتشمل احزاب اليابان والنيبال واندونيسيا ..

وهكذا وبعد المشاورات على المستويات المتعددة دعا الحزب الشيوعي اليوناني لأول اجتماع عالمي في نوفمبر 1998م بالعاصمة اليونانية .. وشارك في الاجتماع 43 حزبا .. اغلبهم من اوربا .. ومثل القارة الافريقية احزاب جنوب افريقيا والجزائر والسودان .. وكان الاجتماع العالمي الاول تشاوريا اكثر منه اجتماع لمناقشة قضية معينة .. حيث اتيحت الفرصة للمشاركين بتقديم مداخلات حول اوضاع بلدانهم .. وترك للحزب اليوناني مسؤولية صياغة بيان مختصر يحدد فيها النقاط الرئيسية الخاصة بوحدة العمل والتضامن ..

واستمرت الاجتماعات العالمية تتم بدعوة من الحزب الشيوعي اليوناني .. وكان الاتفاق انه قبل نهاية كل اجتماع تتم الموافقة على بند الاجتماع القادم .. ولصعوبة تحديد القضايا, كثيرا ما كان العنوان الرئيسي للاجتماعات يحتوي على كل القضايا .. النضال ضد الامبريالية والمؤامرات الرجعية ومن اجل الاشتراكية والديمقراطية والسلم .. بحيث نجد ان اغلب الاحزاب اجندتها الخاصة في العنوان وتطرح قضاياها ..

وبرزت منذ الاجتماع الرابع افكار طرحتها مجموعة احزاب شرق اوربا حول اهمية تكوين " لجنة فنية " من عدة احزاب لتلعب دور التحضير للاجتماعات العالمية بحيث تحضر العنوان الرئيسي وقائمة المشاركين .. على ان تكون " اللجنة الفنية" ممثلة لجميع وجهات النظر والقارات .. وهكذا رويدا .. رويدا وتحت تأثير الحزب الشيوعي اليوناني ونفوذه المتزايد وبإمكانياته المادية اخذ دور " اللجنة الفنية " ويأخذ طابعا جديدا .. حيث تم تأطير اللجنة .. وتحولت الى ما سمي بـ ( مجموعة العمل ) مكونة من الاحزاب ذات المقدرة المادية والتجربة على ان تكون اجتماعات " مجموعة العمل " مفتوحة لكل من يريد المشاركة من الاحزاب ..

وضمت مجموعة العمل في بدايتها بجانب الحزب الشيوعي اليوناني احزاب روسيا الفدرالية ولبنان وكوبا والبرازيل واسبانيا والجمهورية التشيكية والهند ..

لكن ومنذ البداية ابدت بعض الاحزاب ومن ضمنها حزبنا تخوفها من بداية مركز جديد للحركة الشيوعية مماثلا للكومنترن .. او الحزب السوفيتي .. وكنا مع احزاب اخرى نؤكد على اهمية تقليص دور "مجموعة العمل" وحصرها في تنفيذ ما تتفق عليه الاحزاب في اجتماعاتها العالمية .. ودار صراع حاد قادته مجموعة احزاب شرق اوربا التي تكونت عقب انهيار التجربة الاوربية خاصة احزاب يوغسلافيا واوكرانيا وبولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا مع مشاركة من بعض احزاب امريكا اللاتينية والحزب الشيوعي اللبناني .. وكان واضحا ان الحزب الشيوعي اليوناني هو خلف هذا الطرح لكنه كان دائما مايبدي تأييدا خجولا للفكرة ويتنازل عن طرحها علنا عند اشتداد الهجوم عليها ..

وقد بدأت الخلافات تظهر في شكل خلافات حول اشياء فنية مثلا دور " مجموعة العمل " وضرورة ان تكون اجتماعاتها مفتوحة .. اقامة صندوق للتضامن لمساعدة الاحزاب الفقيرة في حضور الاجتماعات .. تمثيل القارات بشكل متساوي ..

ومن بعد دعت بعض الاحزاب لتوسيع مشاركة احزاب افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط .. على ان تتقدم الاحزاب الجديدة بطلباتها للاجتماع العالمي عبر الاحزاب القريبة منها .. وكان ذلك تخوفا واضحا من امكانية سيطرة " مجموعة العمل " على تحديد من يشارك او يصبح عضوا في الاجتماعات العالمية ..

وعقب المؤتمر السابع للحزب الشيوعي اليوناني الذي اعاد فيه تقييم دور الحزب في اليونان واوربا .. باتجاه ان الحزب يجب ان يضع نصب عينيه الاستيلاء على السلطة عبر بناء وتوثيق تحالفه مع الطبقة العاملة ونقاباتها الطبقية وصغار الملاك .. رافضا اي تحالف مع قوى اجتماعية اخرى .. معتبرا كل قوى اليسار في اليونان واوربا هي امتداد لقوى الاشتراكية والديمقراطية التي خانت شعوبها وشاركت في الحروب العالمية ووصل بعضها للسلطة مشاركا في عملية الاستغلال والحروب الامبريالية ..

وكان لتكوين حزب اليسار الاوربي وعقد مؤتمره التأسيسي في اثينا نهاية التسعينات اثره على الموقف الجديد للحزب الشيوعي اليوناني .. خاصة ان القوى التي استضافت المؤتمر التأسيسي كانت قد انقسمت عن الحزب اليوناني .. فتأثر بالهجمة على الافكار الشيوعية وتجربة انهيار الاشتراكية ,وقوفه مع التيار الذي ساد في اوربا بحل بعض الاحزاب الشيوعية وتوجهها نحو اليمين مثل ماتم في المجر بتكوين الحزب الاشتراكي على انقاض الحزب الشيوعي والـ بي.دي.إس في المانيا والحزب الاشتراكي في بلغاريا ورومانيا وحزب اليسار الديمقراطي في بولندا .. وتحول الحزب الشيوعي الايطالي الى حزب اليسار الديمقراطي ... الخ